القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تشاد والنيجر والأزمة الليبية ما بين استقلال القرار السياسي والارتهان للضغوط  الفرنسية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-01-17 11:00:00 | 2059 مشاهدة

ملخص:

تحت عنوان " النيجر بوابة واشنطن لاقتحام مراكز نفوذ فرنسا في أفريقيا " . نشر تقرير  في صحيفة العرب اللندنية جاء فيه : "تشهد منطقة الساحل الأفريقي صراع نفوذ محموم بين الولايات المتحدة كقوة عالمية وفرنسا كقوة استعمارية سابقة في المنطقة، إذ تتسابق القوتان إلى توسيع تواجدهما في المنطقة الاستراتيجية الغنية بالثروات الطبيعية " . وقد ورد في التقرير " إن الاندفاع العسكري الأميركي نحو النيجر يخفي صراعا حول النفوذ في المنطقة، مع فرنسا التي تدير قوات برخان المشكلة من خمسة آلاف جندي، من أجل بسط الاستقرار في المنطقة المضطربة التي تعاني من تنامي المتشددين الإسلاميين ". وأضاف التقرير : "  أعلنت فرنسا عن إطلاقها عملية برخان فاتح أغسطس عام  2014م ،  حيث تغطي القوة خمس دول بمنطقة الساحل، وهي مالي وموريتانيا والنيجر وبوركينافاسو وتشاد " . ولا شك بأن الاهتمام الأمريكي بإفريقيا ليس جديدا ، كان هناك  اهتمام أمريكي  متزايد بالقارة السمراء ، منذ عهد الرئيس جون  كنيدي الذي كان يؤمن بأهمية إفريقيا بالنسبة لأمن ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد عبر عن ذلك في نظريته " الآفاق الجديدة " ، ويقول جون كنيدي في نظريته : " إن مستقبل إفريقيا سيترك أثرا جديا على مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية بصورة ايجابية أو سلبية". ونحن في ليبيا نتابع التحركات الأمريكية في ليبيا والمنطقة ، ونحن  على يقين بان قيام الولايات المتحدة الأمريكية ببناء قاعدة عسكرية ضخمة في أغاديس شمال النيجر ، بالإضافة إلى الدعوة التي وجهتها نتالي بيكر نائبة رئيس البعثة الدبلوماسية الأمريكية في ليبيا  للسيد حامد الخيالي رئيس المجلس البلدي سبها عندما التقته في تونس في ابريل 2018م  ، وعرضت عليه باسم حكومة الولايات المتحدة  الأمريكية الشراكة مع بلدي سبها  لمواجهة التحديات ، انه بلا شك عرض يؤكد   رغبة الأمريكيين في منافسة الوجود والنفوذ الفرنسي في جنوب ليبيا ومنطقة الساحل الإفريقي .

 

مقدمة:

إن تصريحات جيران ليبيا من الأفارقة عند حدودنا الجنوبية لا يكنون الود  للثورة الليبية ، يبدو ذلك من خلال تصريحاتهم ومواقفهم السياسية تؤكد ذلك ، انهيار الدولة الليبية والصراعات التي تعاني منها يجعلها غير قادرة على فرض هيبتها ، فلا يحسب لها بعض  الجيران حسابا ، إن تعاطي كل من تشاد والنيجر مع الأزمة الليبية قد لا يكون دائما نابعا من إرادة سياسية مستقلة ، لفرنسا تأثير كبير في مواقف وسياسات جيراننا الأفارقة ، اليوم الدولة الليبية  تفقد القدرة على التحرك والتأثير في جوارها الإفريقي ومجالها الحيوي ، قوى دولية كبرى رسخت وجودها في المنطقة ، لاعبون كثر يتحركون بحرية وبدون وجود قوة تقاوم سطوتهم ، تحالفات ، وقواعد عسكرية تنتشر في تشاد والنيجر ، وقواعد جديدة يتم بناؤها  ، ومصالح اقتصادية مشتركة ، إن خشيتنا في ليبيا ليس فقط في تصريحات ومواقف جيراننا في تشاد والنيجر المعادية لنا ، بل ان تكون كل من تشاد والنيجر طرفا في أي عمل عسكري تقوم به فرنسا في المستقبل في جنوب ليبيا ، فزان الغنية بالنفط والغاز لا يمكن إن تسمح فرنسا لقوة أخرى بان تهيمن عليها ، وقد يتطلب الأمر لحماية مصالحها وضمان نفوذها في مستعمرتها التاريخية أن تقوم بعمل عسكري ، والحجة جاهزة وهي مكافحة الإرهاب .

 

 

أولا:  ليبيا ودول الجوار الافريقي .حقائق الجغرافيا والعلاقات التاريخية.

 هناك عدة أبعاد تمثل تلك العلاقة بين ليبيا ودول جوارها الإفريقي تشاد والنيجر ، أبعاد تاريخية وجغرافية واقتصادية وديموغرافية، ليس فقط من باب تأكيد العلاقات التاريخية بين ليبيا وجيرانها الأفارقة ، بل نحو فهم وأكثر وإدراك بان حسابات  السياسة ليست وحدها من تؤثر في مواقف كل من تشاد والنيجر تجاه الازمة الليبية ، ثمة مؤثرات كثيرة ، ومحددات لها حضورها القوي في ذهن صانع السياسية الخارجية تجاه ليبيا في دول جوارها الإفريقي ، كما إنها مؤثرات تحسب لها الدول الكبرى ألف حساب حين تريد أن تكون لاعبا مهما وتضمن مصالحها في جغرافيا تمثل مجال حيوي للدولة الليبية ، جغرافيا منطقة كتبت الشعوب تاريخها بالحبر والدماء ،  ويمكن ان نحدد تلك الأبعاد فيما يلي :-

1/ البعد التاريخي .

إن  علاقات الدولة الليبية  مع دول الجوار  الإفريقي  ، كانت نتاج تفاعل تاريخي منذ فترة طويلة ،  وهذه العلاقات هي  جزء من الذاكرة التاريخية للشعب الليبىي والشعوب التى تجاوره ،  ولقد تفاعلت القبائل الليبية مع القبائل الإفريقية فى تشاد والنيجر ،  وكان للإسلام دورأ كبيرأ فى دفع ذلك التفاعل وخلق الصلات والروابط المشتركة ، كما إن الوجود العربي  في  تشاد والنيجر قد أضفى على العلاقات التاريخية طابعأ مميزأ رسخ  تلك العلاقات ووطدها ، لقد كانت   حركة  القوافل التي  ازدهرت بين الليبيين وإخوانهم  الأفارقة فى تشاد والنيجر وبقية الدول الإفريقية دليل على عمق وترابط ليبيا مع جوارها الإفريقي . ولقد كانت ليبيا طرفأ في  الصراع بين الممالك التشادية  في  النصف الأول من القرن التاسع عشر ، فلقد كانت الممالك التشادية وهى برنو وباقرمي  وكانم ووداي  تتصارع فيما بينها على النفوذ والسيطرة ،  ولقد ربطتها مع  الدولة الليبية وقتها  علاقات دبلوماسية مميزة ووثيقة ، كانت هناك علاقات بين ليبيا   ومملكة برنو ،  وفي  عام 1807م أرسلت بعثة تجارية من طرابلس إلى برنو ، وكانت البعثة بقيادة محمد المكني ،  وفي  عام 1817م طلب الشيخ محمد الأمين الكانمي  المساعدة من يوسف باشا القره مانلي  المساعدة العسكرية في  حربه ضد مملكة باقرمي ،  وفي  نفس الوقت كانت مملكة برنو مهددة بالغزو من قبل الدولة الصكتية ، أو  خلافة سكوتو في  شمال نيجيريا ، وكان من الطبيعي أن تجد في  تحالفها مع ليبيا دعمأ لها في  حروبها مع بقية الدول والممالك ،  وفي  عام 1821م استجابت ليبيا لطلب المساعدة العسكرية الذي  تقدمت به مملكة برنو في  حربها  ضد مملكة باقرمي  توجت بالنصر.1 بعد استكمال تأسيس الإدارة العثمانية في ليبيا عام  1858م ،  كانت غاية خدمات الدولة العثمانية توفير الرخاء وتوطيد الأمن واستكمال فرض السيادة العثمانية على فزان وما وراءه من بلاد السودان، والاهتمام بالتجارة الصحراوية وتحسين العلاقات السياسية مع بلاد السودان، وترسيم الحدود مع فرنسا، وكانت تلك الأهداف سبباً لظهور السياسة التركية الصحراوية وبروز مشكلة الهنترلاند  الليبي التي شغلت اهتمام السياسة التركية بين عامي  1890م -1918م ، وعليه، فقد قامت إستراتيجية الإدارة العثمانية في ليبيا تجاه مناطق ما وراء الصحراء على ما يلي:

  • استكمال عمليات فرض السيادة العثمانية على فزان وما ورائها  من بلاد السودان:

أدركت السلطات السياسية العثمانية في طرابلس بان  إقليم فزان وما وراءه من بلاد السودان هو المجال الحيوي لتوسع النفوذ السياسي والاقتصادي لسلطات طرابلس، وذلك لوجود مصر في الشرق بقوتها الحديثة في عهد أسرة محمد علي، وفي الغرب تونس التي كانت تحكمها الأسرة الحسينية وترتبط في الوقت نفسه مع السلطات الليبية بعلاقات حميمية.2 ويرجع اهتمام العثمانيين بمراكز التجارة الصحراوية في غدامس، وغات، ومرزق، وما وراءها من أسواق بلاد السودان بداية من فرض السيادة العثمانية المباشرة على فزان عام  1842م ،  وغدامس عام  1843م ،  وغات عام  1872م ، ومن ثم على باقي دواخل الولاية.3 وكان العثمانيون يتطلعون إلى أن تصبح الطرق التجارية مع بلاد السودان تحت سيطرتهم ليتمكنوا من فرض الأمن والاستقرار في دواخل الولاية، لذلك  عملوا على مد نفوذهم على القبائل البدوية في الواحات الصحراوية الرئيسية. 4 يذكر الدكتور  القشاط في سياق تدليله على عمق العلاقات الليبية الأفريقية أن بعض الأسر الليبية استطاعت تأسيس دويلات حاكمة في السودان، ومنها: أسرة ضياء بن قيس الطرابلسية التي نسب إليها بناء مدينة قاو، وتأسيس أسرة حاكمة في سنغاي، كما يشير إلى تأسيس محمد الأمين الكانمي، وهو ليبي من فزان أسرة حاكمة في كانم برعاية ومساندة سياسية من السلطات الليبية في طرابلس متخذاً كوكا عاصمة له عام 1814م ،  ويختتم تدليله على امتداد الأثر الليبي إلى الإدارة السودانية بإشارته إلى الأسرة العباسية في مملكة وادي  التي أسسها عبد الكريم الصالح في النصف الأول من القرن السابع عشر وكان من أشهر ملوكها عبد الكريم صابون 1803م -1813م .5 ونحن الليبيون لم  يسقط من ذاكرتنا التاريخية بان  تشاد كانت  ضمن نفوذ الحركة السنوسية المدعومة من الدولة العثمانية في العهد العثماني الثاني في ليبيا، ولقد دارت بين الليبيين بقيادة الحركة السنوسية وفرنسا القوة القادمة لاستعمار المنطقة معارك كثيرة سقط فيها كثيرا من الليبيين شهداء دفاعا عن ليبيا وتشاد وعن الإسلام ، ولم يتوقف الجهاد الليبي في تشاد ضد فرنسا إلا في عام 1911م عندما جاءت ايطاليا واحتلت ليبيا .

2- البعد الجغرافي  .

يتمثل البعد الجغرافي  في  علاقات ليبيا  مع دول الجوار الإفريقي  تشاد والنيجر  في  جانب أساسي    وهو الحدود المشتركة ،  تشاد  تعتبر مدخلا إلى إفريقيا الوسطى ، والنيجر كذلك ،  اما الحدود فهي   حدود رسمية وسياسية تشكلت  مع انتهاء فترة الاستعمار وقيام الدول القومية الحديثة ، وكان اسوا ما حدث فيما يتعلق بالحدود  هو النزاع الحدودي  بين ليبيا وتشاد على  إقليم أوزو. 

  • الحدود الليبية.

اشترك في رسم الخريطة السياسية لليبيا ، وتعيين حدودها كل من الدولة العثمانية ، وإيطاليا ، والنظام الملكي ، وهنا لعبت الدولة الثانية التي استعمرت ليبيا الدور الكبير والهام في تحديد ورسم معالم حدود ليبيا مع دول الجوار التي كانت بدورها تحت السيطرة الأجنبية ، وذلك بإبرامها أغلب الاتفاقيات مع الدول المجاورة لليبيا ، رغم الفترة الزمنية القصيرة التي سيطرت فيها على البلاد ، إذ مر تحديد الإطار الخارجي للبلاد بمجموعة من المراحل ، والاتفاقيات خـلال عدة سنوات جـاءت على النحو الآتي:

- اتفاقية عام  1919م  بين كل من ايطاليا والحكومة الفرنسية التي تم بموجبها تحديد الحد الفاصل ما بين ليبيا وكل من تشاد والنيجر بطول 1350كم ، ولو أن العمل بهذه الاتفاقية لم يجد طريقه إلى التنفيذ لعدم إتمام إجراءات التصديق عليها من قبل البرلمان الإيطالي مما تطلب  تعديلها لاحقاً. 6

- اتفاقية عام 1935م بين ايطاليا وفرنسا وتم تنفيذها وإقرار الحدود الليبية التشادية بسبب عدم إتمام إجراءات التصديق على اتفاقية عام  1919م  .7

- اتفاقية عام 1955م  بين النظام الملكي ، والحكومة الفرنسية التي عدلت بموجبها الحدود الليبية التشادية ، بما في ذلك اقتطاع جزء من الأراضي الليبية لصالح تشاد وهو ما أثار توتراً ونزاعاً على منطقة (أوزو) حتى  صدر بشأنه حكم من قبل محكمة العدل الدولية بتاريخ 4 فبراير عام 1994م التي حكمت بتعـديل الحدود بما يتمشى ورغبة الطرفين .8

هنا ينبغي إن نشير إلى حقائق تاريخية هامة.

إن الحدود المشتركة  بين ليبيا وجيرانها الأفارقة تشاد والنيجر اليوم هي من أهم القضايا التي لها الأولوية على طاولة الاجتماعات واللقاءات ، وهي الشغل الشاغل لليبيا وجيرانها ، حيث التحديات التي تفرضها أفواج المهاجرين غير الشرعيين ، والإرهاب العابر للحدود ، والجريمة المنظمة ، وهي قضايا جعلت المنطقة رهينة  للتدخلات الأجنبية.

 

 

 

3- البعد الديموغرافي  .

في  كثير من الأحوال يؤدي  الجوار الجغرافي  إلى مشاكل ديموغرافية تؤثر على علاقات الدول فيما بينها،  والمشكلة تكمن  في  حركة الجماعات البشرية والقبائل بين الحدود ، وهي  جماعات كانت تتحرك وتتنقل بحرية بين الحدود ،  وبعد إن تم رسم الحدود الدولية المتعارف عليها اليوم كانت هناك قبائل  تسكن على جانبي الحدود المشتركة ، وهي قبائل مترابطة ولها نفس الانتماء ، كما توجد في بعض الأحيان قبائل من قوميات  وأعراق أخرى تعيش في شكل أقليات  في أراضي لا تنتمي إليها   ،  ويمكن القول بان  نظرة مستقبلية بشئ  من التمعن تؤكد بان  استمرار تدفق أفواج المهاجرين غير الشرعيين ، والهجرات الوافدة  إلى ليبيا ، واستقرار الأفراد والجماعات في  مناطق جنوب ليبيا خاصة  سيخلق بلا شك مشكلة ديموغرافية في  المدى البعيد ،  إلا إذا استطاعت الدولة إن تضع إستراتيجية للتعامل مع المهاجرين لحماية أمنها القومي ، وهذا أمر ليس بالسهل في ظل ظروف ليبيا الحالية وعدم قدرة الدولة على تامين الحدود الطويلة مع جيرانها  الأفارقة ،  والمشكلة الديموغرافية تشكل تهديدا للأمن والاستقرار  لأي  دولة، خاصة في  ظل تدخل أطراف خارجية وهي  تؤدى إلى الحروب المدمرة.

ورغم ذلك يمكن القول  بأنه هناك عوامل قوة لصالح الدولة الليبية مع جيرانها الأفارقة ، ذلك التفاعل التاريخي والعلاقات التاريخية التي تجسدت بوضوح في القرن التاسع عشر مثلا ، ترسخ وتؤكد الحضور القوي للدولة الليبية فيما وراء حدودها ، حيث تعيش قبائل ليبية كثيرة هاجرت  الى تشاد والنيجر نتيجة أحداث سياسية تاريخية  ، كما توجد قبائل عربية أيضا ،  وللعامل الاقتصادي أيضا دورا في ذلك ، وللعامل الاقتصادي أيضا دورا في توثيق التفاعل بين ليبيا وجيرانها وترسيخ العلاقات التاريخية.   

الجاليات الليبية في تشاد والنيجر .

  • تشاد.

تنتشر قبائل أولاد سليمان القادمة من ليبيا منذ عام  1842م ، مع جماعات أخرى من القبائل الليبية في إقليم بوركو وأنيدي وتيبستي، وفي أجزا أخرى من تشاد  لاسيما في محافظة كانمبو شمال بحيرة تشاد.  أن أبناء القبائل  الليبية على نحو خاص والعرب عموماً ينتشرون في جميع أرجاء تشاد، وإن كانت نسبتهم تزداد ارتفاعاً في المناطق الشرقية والوسطى والشمالية وحول بحيرة تشاد، وجنوب شرقي البلاد، وفي العاصمة أنجامينا، وهو ما يعني تمركزهم في محافظات: السلامات، البطحاء، شاري، باقرمة، ووادي، بوركو، تيبستي، قيرا، البحيرة، لوغون، شاري الأوسط، ويقل تركيزهم كلما اتجهنا نحو أقصى الغرب وأقصى الجنوب. 9

وتقدر بعض المصادر الجالية العربية في تشاد عند الاستقلال في عام  1960م ، بحوالي 40 ألف نسمة يدينون بالولاء السياسي والديني لأراضيهم السلفية في ليبيا والسودان ، بينما ذهب الإحصاء الرسمي الذي أجرى للسكان في عام 1993م  إلى أن نسبة العرب هي 12.3% من مجموع سكان تشاد، أي: ما يعادل 774.761 ألف نسمة، من أصل سكان تشاد البالغ 6,193,538 مليون نسمة، وهذا كما اسلفنا القول يعد عامل قوة للدولة الليبية. 10

  • النيجر .

تعد الجالية الليبية في النيجر من أكبر الجاليات العربية الليبية الموجودة في الخارج بعد تشاد، إذ يبلغ عدد أفرادها المسجلين بسجلات القنصلية حوالي 6000 مواطن وفق إحصاء يعود إلى عقد السبعينات من القرن الماضي  ،  إلى جانب عدد كبير منها لم يتمكن من قيد أسمائهم لظروف مختلفة، ويتمركز ثقل هذه الجالية وكثافتها في الجزء الشرقي ، والشمال الشرقي من النيجر من منطقتي انقيرطي، وانقيقني ، وتعد قبيلة المحاميد من أشهر القبائل الليبية التي تستوطن في أراضي النيجر منذ أكثر من 160 عام .11

 

4- البعد الاقتصادي .

إن قدر ليبيا السعيد إنها أغنى من جوارها الإفريقي  في  تشاد والنيجر ،  وإذا نظرنا إلى العالم من حولنا سنجد بان الموارد الطبيعية المشتركة بين دول  الجوار تؤدى إلى مشاكل كثيرة وتصل حتى إلى تفجر  الصراعات والحروب ، وإذا نظرنا إلى الحرب العراقية الإيرانية في  عام 1981م  فان مشكلة  شط العرب والثروات التى يزخر بها  كان من أهم أسباب الحرب، واليوم قد لا نجد أي  موارد أو ثروات مشتركة في مناطق الحدود  بين ليبيا وكلأ من تشاد والنيجر، إلا انه للعامل الاقتصادي تأثيره في رسم وجهة  العلاقات بين الدول ، في توثيقها والدفع نحو التعاون ،  أو خلق الصراعات.

ان العلاقات الاقتصادية بين ليبيا وكل من تشاد والنيجر ليست وليدة القرن العشرين عندما تشكلت معالم الدولة الوطنية في ليبيا وفي جوارها الإفريقي  ، بل هناك ارث تاريخي وعلاقات اقتصادية متينة منذ أيام الدولة العثمانية ، وقائع التاريخ في القرن التاسع عشر تؤكد ذلك . فقد سعت السلطات الليبية خلال العهدين القره مانلي والعثماني الثاني إلى تحقيق الإشراف الكامل على حركة تجارتها الخارجية مع بلاد السودان الأوسط والغربي، استكمالاً لتحقيق السيادة الفعلية الكاملة على مقومات تجارة العبور الليبية، والمحافظة على استمرارية شرايين التجارة الصحراوية عبر الأراضي الليبية، لاسيما تلك التي كانت تخضع لمنافسة شديدة لصالح خطوط النقل الأخرى عبر الأراضي الجزائرية بتأثير التدخلات الفرنسية. 12 ومنذ بداية القرن التاسع عشر رسم ولاة طرابلس سياستهم التجارية على أساس الاتصال المباشر بمصادر الإنتاج والتجارة للسلع الأفريقية، وتنظيم حركة التجارة ومراقبة نشاطات التجار، وإبرام الصفقات  التجارية، وبهذا فقد تعددت أساليب السياسة الاقتصادية للدولة العثمانية تجاه المناطق الأفريقية لما وراء الصحراء، حسب مقتضيات تلك المرحلة ، ويمكن أن  نلقي نظرة على بعض السياسات في تلك الفترة كما يلي :

 

  • تأمين خطوط التجارة الصحراوية.

في  السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين  شواهد كثيرة يستدل بها على تحمل السلطات الطرابلسية مسؤولية ضبط حركة المرور على الطرق الصحراوية الممتدة آلاف الكيلو مترات التي كانت ترتادها حركة القوافل من غارات القبائل الصحراوية ، من البدو والطوارق والتبو في شكل كفالات وتعهدات واتفاقيات عقدتها السلطات الليبية ممثلة في حكام فزان مع زعماء تلك القبائل من أجل سيادة الأمن، واستتبابه في الربوع الليبية والأفريقية التي كانت من ضمن مسؤولية القبائل الصحراوية.13

 

  • تنشيط حركة التبادل التجاري .

      استمرت حيوية تجارة القوافل بين ليبيا والبلاد الأفريقية، فيما يلي الصحراء جنوباً في  فترات تاريخية قديمة محققة انتعاشاً ملحوظاً في منتصف القرن التاسع عشر حتى قرابة عام  1903م  في طرابلس، وفي عام  1911م  في بنغازي.14 ولقد بلغت الحركة التجارية بين طرابلس والسودان أوج مجدها خلال العقد المحصور بين عامي  1872م -1881م ، حيث سجلت التجارة العابرة من السودان المصدرة عن طريق ميناء طرابلس قيمة مقدارها أربعة ملايين وسبعمائة فرنك ذهبي، وانخفضت القيمة في العقد التالي إلى ثلاثة ملايين ومائتين ألف فرنك، أما في السنوات الأولى من القرن العشرين فقد تدنت إلى أقل من ثلاثة ملايين فرنك ذهبي ، وتركزت الواردات من بلاد السودان في عدة أصناف، هي: جلود الحيوانات، وريش النعام، والعاج، وغبار الذهب، واللبان، والشمع، والحُصر، والحناء، والرقيق، أما الصادرات فكانت: ملابس القطن، الحرير، الخرز، المرايات، التوابل، سروج الخيل، القهوة، الأسلحة والذخيرة، الزجاج، الورق، الشاي، السكر.15  وفي عهد معمر القذافي أصبحت الدولة الليبية قادرة على أن  تتحرك اقتصاديا وبقوة في إفريقيا، كان ذلك نتيجة استخراج النفط وتصديره ، لقد منح النفط للدولة الليبية موارد ضخمة ، سنجد كثيرا من المساعدات التي قدمت للدول الإفريقية ، وأيضا سنجد كثيرا من المشروعات والاستثمارات الناجحة والأخرى الفاشلة في إفريقيا والتي خدمت أهدافاً سياسية لنظام القذافي أكثر مما كانت تمثله من جدوى اقتصادية ومردود يعود بالنفع على الدولة الليبية.  يمكن القول أيضا بان الاستثمارات الليبية في كل من تشاد والنيجر كان تسجل حضورا قويا ، نظام القذافي كان حريص على أن يكون له نصيب الأسد من الاستثمارات في دول جواره الأفريقي ، وليس بدوافع اقتصادية فقط، بل كانت هناك دوافع سياسية وأمنية .

ونحن هنا لسنا في محل استعراض العلاقات الاقتصادية بين ليبيا في عهد معمر القذافي  وكل من تشاد والنيجر ، إنما نؤكد هامة وهي " بان الجغرافيا وحقائق التاريخ قد فرضت على الدولة الليبية في عهد معمر القذافي أن  تعزز من حضورها القوي سياسيا واقتصاديا في جوارها الإفريقي ".

 

ثانيا : دول الجوار الإفريقي . السمات والخصائص

هناك عدة سمات وخصائص لدول الجوار الإفريقي لليبيا ، ومن المهم التطرق لها ، والوقوف على بعض الحقائق الهامة ، ولدول الجوار الإفريقي سمات وخصائص هي :

  • دول الجوار غير رئيسية في النظام الدولي .

لا توجد بين دول الجوار الإفريقي لليبيا  أي  دول كبرى أو عملاقة في  مستوى الدول الكبرى في العالم والتي  تملك أن تؤثر فى النظام الدولي  بشكل رئيسي وفاعل ،  وهذا الأمر يتعلق ببعض عوامل القوة التي تمنح أي دولة قدرة على التأثير   في النظام  الدولي ، مثل القوة العسكرية ، وقوة الاقتصاد ، والسكان وغيرها .

  • دول الجوار تنتمي  إلى دول العالم الثالث.

إن دول الجوار الإفريقي لليبيا  تعتبر  من دول العالم الثالث ،  ووفقأ للمعايير الاقتصادية  الدولية فهي دول  يقل فيها نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي عن 500 دولار في  العام ،  حسب تصنيف تقرير التنمية البشرية لعام  1993م ، والذي  صدر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، جاء في التقرير  بان نصيب الفرد من الناتج القومي الإنمائي في تشاد  نحو 180 دولار في العام ،  والنيجر نحو 310 دولار في العام ، تشاد والنيجر  تعتبر دول  تعاني  من تدهور في  أوضاعها الاقتصادية وصل  إلى درجة المجاعة في بعض الأعوام ، وقد اعتبرتها منظمات الأمم المتحدة في بعض تقاريرها دولأ منكوبة. 16

ج- دول الجوار ترتبط اقتصاديا واستراتجيا مع الدول الكبرى.

 إن تشاد ذات علاقة وثيقة مع فرنسا ولديها عضوية في  منظمة الفرانكفونية، فان النيجر  ترتبط مع بريطانيا بروابط قوية وتنتمي  امهكلى منظمة الكومنولث ، كما ترتبط بعلاقات وطيدة مع فرنسا أيضا . ومن الناحية الاقتصادية فان دول الجوار الإفريقي لليبيا مندمجة في  اقتصاديات الدول الرأسمالية الغربية ، تؤكد ذلك حركة تجارتها الخارجية ، حيث غالبية صادراتها ووارداتها  ترتبط مع الدول الغربية، كما توجد شركات أوروبية وغربية لديها استثمارات ضخمة في كل من تشاد والنيجر ، ومثال ذلك شركة اريفا الفرنسية في النيجر التي تهيمن على صناعة اليورانيوم . ومن الناحية الإستراتيجية والعسكرية تؤكد القواعد الفرنسية في تشاد والنيجر ، بالإضافة إلى القاعدة الأمريكية الجديدة في اغاديس شمال النيجر مدى ارتباط جيراننا الأفارقة بالدول الكبرى .

ثالثا : تشاد والأزمة الليبية.

يمكن القول بان تشاد دولة غير صديقة للثورة الليبية ، وهي حليف لنظام معمر القذافي ، وتصريحات الرئيس التشادي إدريس ديبي دليل على ذلك ، في مقابلة  مع صحيفة لوفيغارو اليمينية الفرنسية قال ديبي : "  إن ليبيا   قد تنفجر في وجوهنا  بسبب تحولها الى قاعدة للإسلاميين  المتطرفين كافة" ،  إنها  تصريحات  لا تبين فقط حقيقة عداء تشاد  للإسلاميين ، بل تؤكد تهويل تشاد لحجم  الخطر القادم من ليبيا والذي يستهدف دول الجوار ، استخدام فزاعة الإرهاب ، خاصة الإرهاب في فزان والادعاء بأنها أصبحت ملاذ امن للإرهابيين ، في عام 2014م   قوات تشادية تتوغل  إلي داخل الأراضي الليبية في الجنوب وتتمركز  في منطقة كوريدي ،  جاء ذلك على لسان  خالد الشريف وكيل وزارة الدفاع بحكومة الإنقاذ الوطني وقتها ،  الذي اعتبر بان دخول القوات التشادية  إلي الأراضي الليبية  يعد انتهاك للسيادة الوطنية  وان الدولة الليبية لديها القدرة والإمكانيات للرد على ذلك الاعتداء  وحماية أمنها ، تشاد بين الحين والآخر تعلن بان قوات المعارضة تتمركز في ليبيا وإنها تشكل خطرا على أمنها ، لذلك لن تتردد في انتهاك السيادة الليبية مستغلة انهيار الدولة وانشغال الليبيين بصراعاتهم ،

 

 

 

نحن نعلم بان نظام إدريس ديبي حليف قوي لفرنسا ، وانه هناك اتفاقية دفاع مشترك موقعة بين فرنسا  وتشاد في عام 1960م ، كما أنّ انجامينا تحتضن قاعدة عسكرية جوية فرنسية ، في فبراير  عام 2008م  بعد  الهجوم الذي شنته قوات المعارضة التشادية على العاصمة انجامينا في محاولة لإسقاط نظام إدريس ديبي ،  لم تتردد فرنسا في إظهار دعمها للرئيس ديبي  حيث جاء  وزير الدفاع الفرنسي ايرفيه موران  إلى انجامينا لإعلان دعم باريس له ، وقال وزير الدفاع الفرنسي للصحافيين : " إنه يحمل  رسالة سياسية إلى الرئيس ديبي  تؤكد دعم فرنسا ورغبتها في أن تحتفظ تشاد بوحدتها " ، وأضاف موران قائلاً : " بأنه كرر أمام الرئيس إدريس ديبي   دعم الحكومة الفرنسية لحكومة تشاد الشرعية وتصميم فرنسا على صون سلامة أراضي هذا البلد واستقراره" .  

 في أواخر  عام 2014م  وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان  يزور القاعدة الجوية الفرنسية في انجامينا وبمناسبة عيد رأس السنة ، " ويدعو  المجتمع الدولي إلى التحرك  لمنع قيام  ملاذ امن للإرهابيين  في ليبيا   سيزعزع على حد وصفه  استقرار المنطقة برمتها ويهدد أوروب "،  ويقول أيضا : "  إن  ما يجري في ليبيا  في ظل الفوضى السياسية والأمنية  ليس إلا انبعاث ملاذ إرهابي في المحيط المباشر للقارة الأوروبية" ،  وأضاف قائلاً : " إن  المجتمع الدولي سيرتكب خطأ جسيما إذا ما بقي مكتوف الأيدي أمام قيام مثل هكذا ملاذ للإرهاب في صميم البحر المتوسط  ، هذا أمر لا يجب القبول به". إن تطابق وجهات النظر والمواقف السياسية تجاه الأزمة الليبية بين تشاد وفرنسا ، تجعلنا نشعر بان تشاد لن تتردد في إرسال قوات عسكرية إلى فزان ، أو أي منطقة في الجنوب الليبي إذا طلبت منها فرنسا ذلك ،  رأينا كيف أرسل إدريس ديبي قواته إلي شمال مالي للمشاركة في الحرب ضد الإرهاب كما دخلت القوات التشادية إلي شمال الكاميرون و نيجيريا لمواجهة جماعة بوكو حرام التي احتلت مدينة باجا في شمال شرق نيجيريا  على ضفاف بحيرة تشاد ، تشاد تدعم كل الجهود الفرنسية في المنطقة ، وتتحرك عسكريا لدعم فرنسا وهذا مصدر قلق بالنسبة لنا في ليبيا . ويمكن القول بانه سياسيا ودبلوماسيا كان لتشاد نصيب من اهتمام أطراف الصراع في ليبيا، نظرا لأنها من دول الجوار وعند حدودنا الجنوبية. في 18 أكتوبر 2018م  خليفة  حفتر، يزور  أنجامينا ‏عاصمة تشاد  ويلتقي  بالرئيس إدريس ديبي ، وحسب ما هو معلن من أهداف الزيارة إنها  لبحث العلاقات الثنائية والأمنية بين البلدين، خاصة الأوضاع الأمنية في الجنوب الليبي ، وأيضا الأوضاع السياسية في ليبيا .

في 25 أكتوبر 2018م   قام السيد فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني  بزيارة الى تشاد  والتقى بالرئيس  إدريس ديبي ، وقد تناول   اللقاء  العلاقات الثنائية بين البلدين والبحث عن حل للأزمة الليبية ، كما تم مناقشة تداعيات الأزمة  الليبية  على  منطقة الساحل والدول المجاورة لليبيا ، وقد أدان فائز السراج  عمليات التهريب الغير مشروع بشتي أشكاله الذي تقوم به الجماعات الإرهابية وعصابات المرتزقة في ليبيا ، واعتبر ذلك   تهديدا حقيقيا للسلام والاستقرار في منطقة  الساحل  ، ودعى إدريس ديبي  الفرقاء السياسيين الليبيين  الى حل الأزمة داخليا ،  وعدم الاعتماد على الحلول الأجنبية التي تأتي دائما بأجندتها والتي لا تخدم مصلحة الشعب الليبي .

 

رابعا : النيجر والأزمة الليبية.

لا تختلف مواقف النيجر المعلنة من الأزمة الليبية عن موقف تشاد جارتها ،  رئيس النيجر محمد يوسفو  أعلن عن دعم بلاده لحكومة الوفاق في ليبيا ، ودعمه للمصالحة  الشاملة التي أعلن  عنها  السراج أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أنه كثير الحديث عن وجود الإرهاب في فزان، وأن  الإرهاب سينتقل من ليبيا إلى دول الجوار ويهدد أمنها، بل وطالب المجتمع الدولي بالتدخل في فزان ، وهي بلا شك مواقف معادية للثورة الليبية، ونحن لا نستبعد أن تكون النيجر طرفاً في أي عمل عسكري دولي تقوده فرنسا  بحجة مكافحة  الإرهاب في فزان وجنوب ليبيا . ويبدو أن النيجر قد استاثرت أكثر من جارتها تشاد باهتمام وزيارات المسؤولين الليبيين من كل أطراف الصراع ، ولقد رأينا دبلوماسية ليبية نشطة تجاه النيجر. وفي 7 سبتمبر عام  2016م  رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح يصل إلى نيامي عاصمة النيجر برفقة   رئيس الحكومة المؤقتة عبد الله الثني ، ووفد  يضم وزير الاقتصاد منير عصر ، ووكيل مساعد وزارة الخارجية علي إبراهيم، وتم عقد سلسلة من الاجتماعات مع  رئيس جمهورية النيجر محمد يوسفو  تركزت  حول الأزمة التي تمر بها ليبيا ، وضبط الحدود ومكافحة الإرهاب وسبل دعم العلاقات الثنائية بين البلدين ، ودور دول الجوار والاتحاد الأفريقي في حل الأزمة الليبية.  وعقب انتهاء  الاجتماع توجه عقيلة صالح والوفد المرافق له   إلى مقر برلمان النيجر حيث استقبلهم عدد من أعضاء البرلمان ، وألقى رئيس البرلمان النيجري  اوسيني تني  كلمة ترحيبية برئيس مجلس النواب الليبي ورئيس الحكومة المؤقتة والوفد المرافق لهما ، وتحدث الرئيس  اوسيني تني  عن عمق العلاقات التاريخية بين ليبيا والنيجر وأواصر  الترابط بين الشعبين على كافة الأصعدة ، وقال : "  أن أمن ليبيا من أمن النيجر والمنطقة ، وان تتضامن  النيجر مع ليبيا في حربها ضد الإرهاب" . كما  أن  عقيلة صالح ألقي كلمة بمقر البرلمان ، تحدث فيها عن الأزمة الليبية والتدخل الخارجي الذي زاد المشهد تعقيدا حسب قوله ، وأكد بان  مجلس النواب ملتزم بالإعلان الدستوري فيما يخص الاتفاق السياسي ، إلا انه أعلن عن   رفض المجلس لعودة التيارات الإسلامية المتطرفة التي انقلبت على الشرعية منذ انتخاب مجلس النواب عندما خسرت الانتخابات ومكنت المليشيات المسلحة التي دمرت مقدرات الشعب لأجل بقائهم في السلطة رغم رفض الشعب الليبي لهم .

في 25 سبتمبر عام  2016م التقى  فائز السراج في نيويورك برئيس النيجر محمدو إيسوفو ، وتم بحث  العلاقات الثنائية بين البلدين ،  والاتفاق على  التعاون والتنسيق بينهما لتأمين الحدود المشتركة بين ليبيا والنيجر ، واتفق الجانبان على أهمية إيجاد آلية لمراقبة الحدود وتبادل المعلومات ،  كما تم التطرق الى قضية  الهجرة غير الشرعية، وطرق الحد منها ،  وأيد  رئيس النيجر  الرؤية الليبية التي تدعو الى  عدم الاكتفاء بالحل الأمني وضرورة علاج السبب الرئيسي للهجرة في بلدان المنشأ عبر التنمية الاقتصادية وتوفير فرص العمل في تلك البلدان ، وعبر رئيس النيجر عن دعمه  لحكومة  الوفاق في ليبيا وتأييده للمصالحة الشاملة. وفي 3 يناير عام  2018م  فائز السراج يزور النيجر ، ويصل إلى العاصمة نيامي   بدعوة رسمية من رئيس جمهورية النيجر محمد يوسفو لبحت العلاقات الثنائية بين البلدين. وفي 5 ابريل عام 2018م أثناء انعقاد الاجتماع الوزاري الاستشاري بين ليبيا والسودان وتشاد والنيجر ، محمد سيالة وزير الخارجية بحكومة الوفاق يجري مباحثات مع رئيس النيجر  محمد يوسفو  ، وبرفقته وزير الداخلية  عبد السلام عاشور ، واوحيدة نجم وزير الدفاع المكلف ،  واللواء عبد المجيد الضبع  نائب رئيس جهاز  المخابرات ،  وأكد سيالة في أثناء اللقاء مع محمد يوسفو بان : " إعلان نيامي الصادر عن الاجتماع يعد محورا أساسيا في معالجة القضايا الأمنية وكذلك التنموية لدول المنطقة  " . وقدم محمد  سيالة للرئيس  يوسفو  إحاطة عن الوضع بالجنوب الليبي ، وكذلك  الازمة الليبية،  وأكد الحاضرون  على أن العلاقات الليبية النيجرية علاقات جوار وتبادل للمصالح ويسودها التفاهم والتنسيق المستمر حيال كل  الأزمات بالمنطقة والقضايا ذات الاهتمام المشترك .
وأكد  الرئيس يوسفو : " بان إعلان نيامي يعطي رسالة للعالم بأن هناك عمل مشترك بين الدول الاربع المتجاورة ،مشيرا إلى أن ذلك يعد تجسيدا لإرادة قوية للعمل المشترك ولتحقيق الاستقرار في المنطقة ،
 وانه  هناك إرادة قوية وأكيدة لتنفيذ إعلان نيامي بما يحقق الأمن والاستقرار والطمأنينة لشعوب الدول الأربعة المتجاورة وللمنطقة بصفة عامة  ". وفي 28 نوفمبر عام  2018م    فائز السراج بزور النيجر  بدعوة رسمية من رئيس جمهورية النيجر محمد يوسفو لبحت العلاقات الثنائية بين البلدين. عموما يمكن القول بان مواقف كل من تشاد والنيجر هي مواقف معادية للثورة الليبية ، وان أي تغير في هذه المواقف نحو توجهات اقل عداء وايجابية  ، أو تصعيد لهجة العداء تجاه الثورة الليبية ، والقيام بأي فعل على الأرض مثل التدخل العسكري ، أو دعم أي تدخل عسكري أجنبي في جنوب ليبيا إنما يتوقف على عدة أسباب :

  1. مدى قدرة السلطات  الليبية على ضبط الأمن وضمان الاستقرار وفرض هيبة الدولة على إقليم فزان والجنوب الليبي ، ومدى قدرتها على تامين الحدود .
  2. إرادة الدول  الكبرى لها دور كبير ومؤثر على تعاطي كل من تشاد والنيجر مع الأزمة الليبية .
  3. إحراز التقدم والنجاح  في  العملية السياسية المتعثرة في ليبيا ، وتوافق الليبيين ، واستعادة هيبة الدولة على كامل إقليمها السياسي .
  4. دور الدبلوماسية الليبية في احتواء كل من تشاد والنيجر ، والقدرة على خلق مصالح مشتركة.
  5. أجواء الصراع الدولي في منطقة الساحل الإفريقي ، وانعكاسات ذلك الصراع وتأثيراته على سياسات كل من نشاد والنيجر .

وينبغي التطرق الى  الاجتماعات التي عقدتها دول جوار جنوب ليبيا ، والتي كان للسودان دور كبير فيها، وهي كما هو معلن الهدف من امن الحدود ، والمساهمة في حل الأزمة الليبية ،  فقد تم  توقيع اتفاق امني في يونيو عام  2018م  بين  كل من السودان وليبيا وتشاد والنيجر لمراقبة وضبط الحدود ،  وتعزيز التعاون في مجال أمن ومراقبة الحدود المشتركة، ثم عقد  اجتماع ثان   يوم  الأربعاء 8 أغسطس 2018م ، حيث استضافت الخرطوم  الاجتماع الوزاري الثالث حول تعزيز التعاون في مجال أمن ومراقبة الحدود المشتركة بين ليبيا والنيجر والسودان وتشاد، ثم أتى اجتماع الخرطوم في 29 نوفمبر 2018م ، ليكون   تتويجا لكل الجهود المبذولة ، إلا أن الاختبار الحقيقي لنجاح هذه الاجتماعات والجهود هو وجود الإرادة السياسية لدى جيران ليبيا تشاد والنيجر للتعاون فعليا في تامين الحدود ، ولن يكون هناك أي تقدم او نجاح إلا إذا اتخذت دول جوار جنوب ليبيا قرار تاريخي بإنشاء قوة مشتركة لتامين الحدود ومواجهة التحديات وهو أمر صعب ، هل ستجرؤ هذه الدول على مواجهة فرنسا الداعمة  للقوة  الإفريقية المشتركة التي تشكلت في يوليو 2017م ، والتي  تضم تشاد والنيجر ومالي وموريتانيا وبوركينا فاسو ؟.

خامسا : تشاد والنيجر: الصراع الدولي ومصالح الدول الكبرى.

        لا شك بان تشاد والنيجر تقعان في منطقة إستراتيجية مهمة بالنسبة لمصالح الدول الكبرى المتصارعة على النفوذ في العالم ، إفريقيا الوسطى ومنطقة الساحل الإفريقي هما منطقتان تشهدان صراع دولي محتدم ، من هذا الصراع ما يتعلق بهاتين الدولتين نفسهما وموقعهما الاستراتيجي ، ومن الصراع ما يتعلق بأنهما جيران ليبيا الجنوبيين ، ولديهما حدود مشتركة  مع ليبيا ، وفي ظل الصراع الدولي على النفوذ في ليبيا يصبح لجيران ليبيا الجنوبيين أهمية قصوى ، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها  ظاهرة الهجرة غير الشرعية ، والجريمة المنظمة ، والإرهاب العابر للحدود ، كل دولة من الدول الكبرى تحاول أن تستغل ظاهرة الهجرة غير الشرعية ، والإرهاب العابر للحدود ، لتحقيق مكاسب سياسية ، واستغلال ذلك في الصراع الدائر على ارض ليبيا .وقبل أن نتحدث عن وقائع الصراع الدولي المحتدم اليوم في منطقة الساحل الإفريقي ، لابد أن نقلب صفحات التاريخ لنفتش عن الحقائق ، ونفهم وقائع صراع الأمس ، ذلك الصراع الذي يتجدد في عصرنا ، أن استدعاء التاريخ يقدم لنا دروس كثيرة ، ويجعلنا أكثر إدراكا لأبعاد وخفايا الصراع فيما وراء حدودنا الجنوبية.

تاريخ الصراع .

إن الموقع الجغرافي لكل من تشاد والنيجر جيران ليبيا في قلب إفريقيا الوسطى ، ومنطقة الساحل الإفريقي ، وهذا الموقع جعلهما في مرمى نيران الصراعات والتنافس على النفوذ  بين الدول الكبرى ، وهو صراع قديم يتجدد ، وقدر ليبيا أن تتأثر بهذا الصراع ، ولا يمكن للدولة الليبية  أن تغمض أعينها عن ما يجري من صراعات وتنافس فيما وراء حدودها الجنوبية، إن التمعن في إحداث ووقائع  الصراع التاريخي بين الدولة العثمانية وكل من فرنسا وبريطانيا في القرن التاسع عشر  يجعلنا اكثر قدرة على فهم كثيرا الحقائق .

  • أن تزايد الأطماع الفرنسية في بلاد السودان جعلت التدخلات الدبلوماسية البريطانية المنبهة للدولة العثمانية لمخاطر المساعي الفرنسية في أفريقيا الوسطى تجد قبولاً لدى الباب العالي.

وعلى أثر ذلك بادرت السلطات العثمانية بإصدار أوامرها للتحقيق في هذه المسائل عن طريق والي طرابلس محمود نديم، الذي عرف بتقديره للمخاطر الفرنسية في المجال الحيوي الليبي، وكان مؤمناً بضرورة بسط السيادة العثمانية الليبية على السودان الأوسط .17

وبعد أن درس الوالي المذكور المسألة اقترح ضرورة إتباع نظام إداري جديد يطبق على القبائل الليبية والسودانية في الصحراء كي يسود الأمن التام في طرق القوافل للحيلولة دون إيجاد أي مبرر قد تستغله فرنسا ذريعة لتدخلها في المنطقة، ويقوم هذا النظام الذي اقترحه الوالي المعني على ما يلي: (  التساهل مع التجار الصحراويين من عرب وسودانيين وكسب ودهم، وفصل غدامس عن الجبل إدارياً، ورفعها إلى مستوى قائم مقامية، وتعيين موظف لإدارة أعمالها تتوفر فيه الخبرة والكفاءة، وكذلك إعفاء التجار الغدامسيين من الضرائب والرسوم الجمركية ).18

واتجهت السياسة العثمانية إلى التوسع في الصحراء الأفريقية وتحقيق نجاح هام في كسب مناطق جديدة بعد عام 1875م ،  واشتد التوسع التركي في الصحراء في عهد متصرف فزان مصطفى فائق باشا الذي حكم بين عامي 1879م -1885م ، وكان من أهم إنجازاته ضم جانت الواقعة جنوب غات وهي سوق للطوارق وقضاء الأزقر إلى الحكم العثماني . 19

ومع بدايات العقد الثامن من القرن التاسع عشر أخذت المطامع التركية في أفريقيا الوسطى تصطدم بالمصالح الفرنسية، وأدركت تركيا بصفة جدية نوايا فرنسا الجادة في التوسع في الصحراء ،  لذلك بادرت تركيا بإرسال الحاميات التركية إلى مناطق: تيبستي، والبوركو، والوادي تعزيزاً للوجود العثماني في تلك المناطق، ويبدو من عدة قرائن مختلفة أن الأتراك قد حاولوا في الأعوام العشرة الأخيرة من حكمهم وسيادتهم على ليبيا مضاعفة جهودهم للتوغل في أفريقيا ومنها: العمل على احتلال إقليم التبو احتلالاً دائماً ثابتاً عام  1906م ،  وإرسال بعثة الكابتن عبدالقادر جامي بك العسكرية والسياسية إلى غات في ذات العام ، وهي البعثة التي عبرت عن الرغبة في بذل نشاط أقوى وأكبر لبسط النفوذ التركي بين طوارق الأزقر إلى الغرب والجنوب من غات.20

 

  • الاتفاقيات الفرنسية البريطانية حول الحدود ، اعوام (1890- 1898 – 1899) وموقف الدولة العثمانية منها:

وُقع الاتفاق الفرنسي البريطاني الأول في 1890.08.15م ،  ويعد هذا الاتفاق هو الأول من نوعه فيما يتعلق بتحديد مناطق النفوذ بين البلدين فيما بين النيجر من ناحية وتشاد والنيل من ناحية أخرى، وفيما يخص حدود ولاية طرابلس فقد بقيت كما هي، حيث حفظ الاتفاق حقوق السلطات العثمانية في فزان، كما هي واردة في مذكرة التبادل بين سالسبوري  ووارنجتنون، ومع ذلك فإن هذا لم يمنع الباب العالي من الاحتجاج لدى الدولتين والمطالبة بالحقوق العثمانية في الهنترلاند الليبي . 21

ولم تبد الدولتان بريطانيا وفرنسا اهتماماً للاحتجاج التركي وسارتا في طريق توقيع اتفاقية جديدة تصحيحية في 1898.06.14م  وذلك لتعديل الاتفاق الأول،وكان أهم ما جاء في هذه الاتفاقية بخصوص الحدود الليبية، هو إقصاء فزان عن مناطق النفوذ الفرنسي، ويلاحظ أن هذه الاتفاقية قد أنهت تحديد الحدود الليبية الجزائرية ، ولم تتعرض للاختلافات حول الحدود الجنوبية والجنوبية الشرقية. 22 وكانت تركيا قد احتجت على الاتفاق البريطاني الفرنسي المذكور في نقاط محددة قد أرسلتها إلى الحكومتين عن طريق سفيريها في لندن وباريس في 3 أكتوبر عام  1898م  مجددة مطالبها التي تشمل بالإضافة إلى الأراضي المدارة مباشرة عن طريق حكومة طرابلس، مثل:

غدامس، غات، بلاد الأزقر، مرزق، القطرون، تجرهي، كل الأراضي الأخرى الواقعة إلى الجنوب حتى تشاد والكاميرون وحوض الكونغو إلى الغرب حتى درجة 6 من خط الطول، وفي الشرق حتى دارفور، وهذا هو الهنترلاند  الليبي المعلن من قبل الحكومة العثمانية ويشمل بالإضافة إلى بوركو، وتيبستي، ولوجرحي، ووداي، والأونيانجا أيضاً، طريق القوافل الكبير الذي يربط مرزق – الكفرة، يات – بلما – أجاد سين.23

وقد جهزت رئاسة الأركان العثمانية خريطة لحدودها هذه، كما أنها أصدرت مذكرة تحريرية بالخصوص جاء فيها شرح مسهب للنظرية التركية حول الهنترلاند  الليبي، حؤولاً دون أن تفسر تفسيراً خاطئاً، مبينة الضمانات الفرنسية والبريطانية الممنوحة للدولة العثمانية على جنوب ولاية طرابلس الغرب، موضحة إصرارها على ضرورة بقاء طريق القوافل مرزق – كوكا داخل الإمبراطورية.24

وقد أثارت هذه المذكرة احتجاج الحكومة الفرنسية، التي صدرت عنها ردود أفعال قوية حول الحقوق العثمانية المزعومة في الهنترلاند  الليبي، معتبرة أن هذه المطالب العثمانية في الظهير الليبي خالية من أية شروط قانونية تدعم تلك المطالب.25 واستهدفت معاهدة 21 مارس عام  1899م  بين بريطانيا وفرنسا وضع الهنترلاند  الليبي وطرق القوافل مع بلاد السودان تحت النفوذ الفرنسي، ووفقاً للمعاهدة المشار إليها انبسطت الأملاك الفرنسية على كانم ووداي، وباجرمي، وبورنو وتيبستي.26

وقد أثارت هذه المعاهدة ردود أفعال تركيا التي أرسلت مذكرة احتجاج إلى الحكومة الفرنسية عن طريق سفيرها في باريس منير باي بتاريخ 1899.03.29م  تشير فيها إلى أن الاتفاقية المبرمة بين فرنسا وبريطانيا سوف تمس المصالح التركية جنوب منطقة طرابلس، وقد أجاب ديلكاسي وزير الشؤون الخارجية الفرنسية السفير التركي بأن الحكومة الفرنسية لا تنوي البتة المساس بمصالح السلطان أو ممتلكاته في منطقة طرابلس، ولكنه أوضح في الوقت نفسه أنه لا يمكنه اعتبار البلدان المشار إليها  من طرف السفير تابعة لمنطقة طرابلس، واعتبر هذه المناطق أرضاً لا صاحب لها. 27

 

إذن في عالم القرن الواحد والعشرين يتجدد الصراع التاريخي كما أسلفنا القول ، اليوم الصراع ليس بين الدولة العثمانية وفرنسا وبريطانيا ، بل هو صراع بين فرنسا وايطاليا ، مع وجود لاعب قوي هو الولايات المتحدة الأمريكية التي أنشات قوة افريكوم في عام 2008م الخاصة بالعمليات العسكرية والقتالية في إفريقيا ، وفي عام 2018م بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في بناء قاعدة ضخمة في أغاديس شمال النيجر وعلى مقربة من الحدود الليبية الجنوبية ، كما أن الصين بدأت تمد نفوذها الى المنطقة ، مرسخة أقدامها في شرق إفريقيا جيبوتي وأثيوبيا والسودان بوابة منطقة الساحل الإفريقي الشرقية. ما يهمنا أكثر هو الصراع والتنافس الفرنسي الايطالي باعتبار ان كلا الدولتين هما من أهم اللاعبين في حلبة الصراع الدولي على النفوذ في ليبيا .  صراع قوي اليوم نشهد وقائعه بين فرنسا وايطاليا، صراع على النفوذ والمصالح في ليبيا المضطربة التي انهارت فيها الدولة ، ومن الطبيعي ان يمتد الصراع إلى تشاد والنيجر حيث المجال الحيوي للدولة الليبية، وحيث طرق الهجرة غير الشرعية ، والجريمة المنظمة العابرة للحدود ، وتجارة السلاح ، وتجارة المخدرات . في يوم الاثنين 28 أغسطس 2017م  عقد   قادة سبع دول افريقية وأوروبية  في باريس قمة مصغرة لبحث أزمة الهجرة غير الشرعية وبدعوة من الرئيس الفرنسي ماكرون ،  بهدف تنسيق المواقف حيال هذه الظاهرة التي تنهك اقتصاد القارة العجوز  ، ودعا الرئيس الفرنسي رؤساء كل من تشاد ، والنيجر وحكومة الوفاق الليبية ، والمستشارة الألمانية ميركل ، ورئيس الحكومة الايطالية باولو جينتلوني، ورئيس الحكومة الاسبانية ماراينو راخوي، وفدريكا موغريني منسقة الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي ،  في المقابل نجد  اجتماع أخر مهم  يوم الاثنين 28 أغسطس 2017م ايضا ،  عقد  اجتماع خماسي في روما ضم وزراء داخلية كل من ايطاليا وليبيا وتشاد والنيجر ومالي ، وتم الاتفاق على تشكيل غرفة أمنية مشتركة للتنسيق والتعاون من اجل التصدي  لأفواج المهاجرين غير الشرعيين عبر حدود ليبيا الجنوبية وإقامة مراكز لإيوائهم في تشاد والنيجر  ، لا يمكن أن نجد تفسيرا لما يجري من حراك واجتماعات وغرف أمنية تشكل من باب التعاون فقط ، ورغبة الدول الأوروبية في تنسيق مواقفها تجاه القضايا الملحة والتحديات الأمنية التي مصدرها  منطقتنا وما تحمله من تهديدات لأمن أوروبا ، إنها بلا شك إرهاصات صراع وتنافس على النفوذ بين الدول الاستعمارية ، ومما يؤكد أيضا التنافس  الشديد بين ايطاليا وفرنسا على النفوذ في ليبيا نجد  الايطاليون وهم  يلحون باستمرار خاصة في الآونة الأخيرة على حصر المبادرات الرامية لحل الأزمة الليبية في يد البعثة الأممية دون غيرها  ، روما تشهد   مؤتمرا للمصالحة  بين قبيلتي  التبو وأولاد سليمان   في مارس عام 2017م ، لقد تجاهل الايطاليون  أهمية فزان بالنسبة لفرنسا ،  بل إن الايطاليون قد ذهبوا لأبعد من ذلك حين وقعوا اتفاقية  مع النيجر في ابريل عام 2017م  للحد من ظاهرة  الهجرة غير الشرعية ، وقد رصدوا لها حوالي 50 مليون يورو ، إنهم يتحركون في منطقة لا تريد فرنسا بان ينافسها فيها احد . 28وبعيدا عن الصراع الفرنسي الايطالي على النفوذ في ليبيا والذي يتخذ من دول جوار ليبيا ايضا مسرحا للتنافس ، فانه هناك لاعب مهم وقوي هو الولايات المتحدة الامريكية .

على الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت في منافسة النفوذ الفرنسي في منطقة الساحل الإفريقي كما هو واضح من تنامي وجودها العسكري في المنطقة وإقامتها لقواعد عسكرية جديدة مثل قاعدتها في اغاديس شمال النيجر  ، إلا أن لفرنسا كثيرا من أوراق القوة التي تجعلها قادرة على الحفاظ على نفوذها لفترة طويلة في المنطقة ،  منذ تدخلها في شمال مالي في يناير  عام2013م ، وفي أفريقيا الوسطى في ديسمبر عام 2013م ، يمكن القول بان فرنسا عززت تواجدها العسكري وضمنت لنفسها موطئ قدم ، لتكون حظوظها أكثر من منافسيها في حلبة الصراع في منطقة  هي بلا شك منطقة نفوذ فرنسي بامتياز. ويدعو الأدميرال الفرنسي  جون دوفرسك  من باماكو  عاصمة مالي  يوم 16 فبراير عام  2013م  الأمم المتحدة إلى ضرورة التفكير في الاستلهام من قانون البحار لتطبيقه على الصحراء، وهذا ما يعني رغبة الدول العظمى في التحجج بمحاربة الإرهاب من أجل تطبيق سياستها وهيمنتها الاقتصادية.32 وهذه دعوات تؤكد رغبة فرنسا في إحياء عصر الاستعمار في إفريقيا خاصة في منطقة الساحل الإفريقي القريبة منا جغرافيا وهذا تهديد لأمننا القومي في ليبيا وكل دول شمال إفريقيا . وفي تقرير حول الموازنة المالية لوزارة الدفاع الفرنسية ، أنفقت فرنسا أكثر من 870 مليون يورو في عام 2012م  في عملياتها العسكرية، مقابل 2,1 مليار دولار في عام 2011م ،  وقدرت موازنة عام 2013م  إنفاق حوالي 630 مليون يورو قبل الإعلان عن التدخل شمال مالي في يناير من نفس العام، وتبدو مؤشرات لتحجيم الإنفاق العسكري على العمليات خارج فرنسا بعد انسحاب القوات الفرنسية من العراق في ديسمبر عام  2012م . 33 ورغم هذه المؤشرات المتدنية التي تبين خفض الإنفاق  العسكري فان لفرنسا حضور قوي ، وارث تاريخي وثقافي يجعلها قادرة على التحرك وتنفيذ سياساتها الاستعمارية اذا ظلت دول شمال افريقيا العربية عاجزة عن اتباع استراتيجية امن قومي فاعلة للدفاع عن وجودها . وتنفق فرنسا أكثر من ألمانيا وبريطانيا مجتمعة حول ما يتعلق بالمناطق التي لها عمليات عسكرية مباشرة هناك، ولهذا يفسر بعض المحللين السياسيين، أن دولة مثل فرنسا لها نزعة استعمارية ورغبة في البقاء للسيطرة على مستعمراتها القديمة. 34

وإضافة إلى الصراع الأميركي الفرنسي في أفريقيا، تواصل الصين توسيع دائرة نفوذها، وتعزيز وجودها في جميع أنحاء أفريقيا، على أمل التفوُّق على الولايات المتحدة، وهو تحرُّك يخشاه المسؤولون الأميركيون، ويصفونه بأنه جزءٌ من جهد كبير من بكين لإعادة تشكيل النظام العالمي.36 لقد تزايد الدور الذي تلعبه الصين في مختلف المجالات في القارة الأفريقية؛ حيث أعطت بكين الأهمية لعلاقاتها الدبلوماسية والسياسية مع الدول الأفريقية، فتوسَّع نفوذها وركزت طموحها الكبير في القارة على الساحة الاقتصادية، ووضعت نصب عينها الموارد الطبيعية الغنية في أفريقيا التي تستفيد منها لتغذية نموِّها الاقتصادي المحلي.37 وحذّرت الاستخبارات الأميركية في سبتمبر عام  2017م  من أن أول قاعدة عسكرية خارجية للصين، في دوراليه بدولة جيبوتي في شرق أفريقيا، قد تكون الأولى التي ستتبعها العديد من نوعها.38

خاتمة:

كل ما سبق يدفعنا إلى القول بأنه فيما وراء حدودنا الجنوبية تدور رحى حروب شرسة ، وصراعات تهدد أمننا القومي ، وامن دول شمال إفريقيا والمغرب العربي ، وان كل الدول الكبرى المتصارعة في حلبة الصراع الدولي على ليبيا تسعى لتعزيز مواقعها ، وترسيخ أقدامها عند حدودنا الجنوبية في تشاد والنيجر ، وانه من الصعب على صانع القرار السياسي اليوم في ظل ظروف الصراعات والانقسامات التي تعاني منها ليبيا أن يملك القدرة وأوراق القوة لكي يضمن اتخاذ جيراننا الأفارقة مواقف وسياسات ايجابية لا تهدد أمننا القومي، اللاعبون الأقوياء على مسرح الأحداث في ليبيا ومنطقة الساحل الإفريقي هم من يملكون التأثير الأكبر على سياسات جيراننا في تشاد والنيجر تجاه الأزمة الليبية. هذا لا يعني أن الدولة الليبية عاجزة ومكتوفة الأيدي عن فعل شيء إذا ما توفرت الإرادة السياسية ، ورغم أن التحدي كبير ليس أمامنا إلا المناورة وخلق التحالفات، واستغلال بعض الفرص في توزانات القوى ، ولدينا أقوى سلاح وهو الجغرافيا والتاريخ واستثمار الترابط التاريخي والعلاقات بين الشعوب وقوة الوجود العربي والإسلام في تشاد والنيجر للتأثير على الأنظمة الحاكمة ، ونؤكد على حقيقة هامة وهي إن تلك التحديات في ما وراء حدودنا ، والمعارك الشرسة ، والصراعات بين الكبار ، لا يمكن أن تواجهها ليبيا بمفردها ، وانه لابد من عمل عربي جماعي في مستوى دول المغرب العربي ، وعلى المستوى العربي ككل .  

 

 

محمد عمران كشادة  )باحث بمركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية تونس(

 

 

 

 

 

 

 

هوامش .

1-د. كولافولايان ،  ليبيا اثناء حكم يوسف باشا القره مانلي ، ترجمة د. عبد القادر مصطفى المحيشي ، منشورات مركز جهاد الليبيين / الطبعة الاولى عام 1988م ، ص 112/ ص 121 .

2-الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 46 .

3- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 46 .

4- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 46 .

5- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 53 .

6-المبروك علي محمد جلالة ، رسالة ماجستير / تغير السكان واثره في كيان الدولة الليبية 1954-2004 (دراسة في الجغرافيا السياسية ) ، اكاديمية الدراسات العليا / جنزور ، العام الجامعي 2005م ، ص 19/ ص 20 .

7- المبروك علي محمد جلالة ، رسالة ماجستير / تغير السكان واثره في كيان الدولة الليبية 1954-2004 (دراسة في الجغرافيا السياسية ) ، اكاديمية الدراسات العليا / جنزور ، العام الجامعي 2005م ، ص 19/ ص 20 .

8- المبروك علي محمد جلالة ، رسالة ماجستير / تغير السكان واثره في كيان الدولة الليبية 1954-2004 (دراسة في الجغرافيا السياسية ) ، اكاديمية الدراسات العليا / جنزور ، العام الجامعي 2005م ، ص 19/ ص 20 .

9-الدكتور عز الدين عبد السلام العالم ، الهوية الليبية المعاصرة وتفاعلاتها في المجال الخارجي الافريقي ، المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية ، الطبعة الاولى 2013م ، ص 164 .

10- الدكتور عز الدين عبد السلام العالم ، الهوية الليبية المعاصرة وتفاعلاتها في المجال الخارجي الافريقي ، المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية ، الطبعة الاولى 2013م ، ص 165 .

11- الدكتور عز الدين عبد السلام العالم ، الهوية الليبية المعاصرة وتفاعلاتها في المجال الخارجي الافريقي ، المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية ، الطبعة الاولى 2013م ، ص 162 .

12- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 62.

13- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 62 .

14- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 64 .

15- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 64 .

16-ا. د مجذاب بدر عناد / د. محي الدين حسين ، المتغيرات الاقتصادية الدولية وانعكاساتها على اقتصادات منطقة الشرق الاوسط ، اكاديمية الدراسات العليا / جنزور ، ص 473/ ص 474 .

17- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 48 .

18- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 48/ ص 49 .

19- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 49 .

20- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 49 / ص 50 .

21- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 57 / ص 58 .

22- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 58 .

23- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 58 .

24- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 58 / ص 59 .

25- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 59 .

26- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 59 .

27- الدكتور عز الدين عبدالسلام العالم ، السياسة الخارجية الليبية تجاه افريقيا ، المركز الوطني للدراسات والمحفوظات التاريخية ، الطبعة الاولى عام 2009م ، ص 59 .

28- محمد عمران كشادة / مقالة .  التنافس الفرنسي الإيطالي على ليبيا. صراع الكبار في أرض عصية، وكالة صوت العرب . عمان ، 19/10/2017م .

29-صحيفة العرب اللندنية/ تقرير  ، السنة 41 / العدد 11065 ، الثلاثاء 31/7/2018م .

30- صحيفة العرب اللندنية/ تقرير  ، السنة 41 / العدد 11065 ، الثلاثاء 31/7/2018م .

31- صحيفة العرب اللندنية / تقرير  ، السنة 41 / العدد 11065 ، الثلاثاء 31/7/2018م .

32-ابراهيم الهواري/ مقالة .  ماذا يحدث في الساحل الافريقي ؟. ،  موقع ساسة sas post ، 24/ 12/ 2015م .

33- ابراهيم الهواري / مقالة . ماذا يحدث في الساحل الافريقي ؟. ،  موقع ساسة sas post ، 24/ 12/ 2015م .

34- ابراهيم الهواري / مقالة . ماذا يحدث في الساحل الافريقي ؟. ،  موقع ساسة sas post ، 24/ 12/ 2015م .

35- صحيفة العرب اللندنية/ تقرير  ، السنة 41 / العدد 11065 ، الثلاثاء 31/7/2018م .

36- صحيفة العرب اللندنية/ تقرير  ، السنة 41 / العدد 11065 ، الثلاثاء 31/7/2018م .

37- صحيفة العرب اللندنية/ تقرير  ، السنة 41 / العدد 11065 ، الثلاثاء 31/7/2018م .

38- صحيفة العرب اللندنية/ تقرير  ، السنة 41 / العدد 11065 ، الثلاثاء 31/7/2018م .

 

 

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك