القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

المرتكزات النظرية الأساسيّة للنّظر في المستقبل

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-07-05 11:59:00 | 488 مشاهدة

ملخّص:

إنّ المستقبل المنظور والمستقبل البعيد مثّلا هاجسا سكن الإنسان في أدوار التاريخ المختلفة وظروفه المتباينة: أدوار السّقوط والنّهضة، حالات التّعايش السّلمي وظروف الحروب السّاخنة والباردة على حدّ سواء. وقد تدرّج النظر في هذا الإشكال في المستوى المعرفي من التحسّس والتخيّل واعتماد الحدس والتأمّل المجرّد في التاريخ ودروسه إلى "الطّرح العلمي" المؤسّس على الدّراسات الصّارمة والمعطيات الدقيقة ممّا ساعد البعض على الإقرار بأنّ "زمن فلسفات التاريخ قد مضى ونحن اليوم في زمن "علم المستقبلات" زمن التخطيط العلمي لبناء عالم الغد والإعداد له" (1).

 

مقدمة

 ظلّ الفكر العربي يتأمّل باستمراره التاريخ ودروسه ليفهم الحاضر ويعلّل بعض ظواهره ويفحص التراث بمقاربات متباينة لتأجيل المستحدث وتشريعه فإنّ النظر في المستقبل وقضاياه قد اقترن بتدبّر الحاضر ولازمه ورافق استدعاء التاريخ ومساءلته وذلك لما بين الماضي والحاضر والمستقبل من وشائج.

وليس دأبنا ها هنا معالجة تلك الصلات وتحليلها لإبراز مفارقاتها وتناقضاتها أو التّشديد على تآلفها وتوافقها كما لا يتمثّل همّنا في بيان طبيعة المستقبل إن كان سابقا أو كان متميّزا بطرافة وجدّة وخصوصيّة (2)، فمطمحنا يتنزّل دون هذا وذاك إذ لا يعدو في المستوى الأوّل التأشير إلى أنّ وعي المفكّرين العرب بتحديات المستقبل وعي حادّ وأنّ اعتناءهم بالمسألة واحتفالهم بها متواصلان وإن اختلفت محفّزات الوعي ودواعي الاهتمام وغائياته أمّا في المستوى الثاني فمرادنا لا يجاوز رصد أهمّ المرتكزات النظرية الّتي يتأسّس عليها المشروع المستقبلي:

1) "المستقبل العربي" قضيّة ثابتة الحضور متواصلة التجدّد":

يرتبط "إعداد المستقل" في المستويين المعرفي والعلمي ارتباطا وثيقا بمفهوم "الإستراتيجيا" الّتي يركّز الجهد فيها غالبا على تدبيج مشاريع وتصوّر برامج ذات بعد استشرافي وغائيات عملية ذات طابع أمني عام وخاصّ (اقتصادي، عسكري، سياسي، ثقافي إلخ...). وغنيّ عن التذكير بأنّ البدايات الأولى للدّراسات المستقبليّة الجادّة معاصرة للحرب العالمية الثانية، فقد أنشئت في الولايات المتّحدة الأمريكية بعض المعاهد الّتي اهتمّت بجملة من الدّراسات المستقبلية بدأت تحظى بالاهتمام وتنتشر انتشارا فعليا وتتّجه نحو الشمولية في تصوّرها المستقبل في بداية الستّينات (3).

ومع مرور الزّمن أصبح "استشراف المستقبل" همّا يشغل بال المنظّمات الدولية والمعاهد العلمية والشركات المتعدّدة الجنسيّات بالإضافة إلى الحكومات منفردة ومجتمعة منها بعض الحكومات العربية الّتي عملت على بعث معاهد وطنية للدراسات الإستراتيجية مرتبطة ارتباطا مباشرا بأعلى هرم السلطة مثلما هو الشّأن في الجزائر وتونس أو مرتبطة بمؤسّسة حكومية ذات اعتبار مثلما هو الحال في مصر حيث نجد مركزا هامّا للدّراسات الإستراتيجية في صلب مؤسّسة الأهرام. وليست هذه إلاّ أمثلة نسوقها للاستدلال على ثبات المنحى ورسوخه في الواقع العيني.

هذا الثبات والرسوخ يؤكّدهما تواصل المحاولات الاستشرافية في الفكر العربي بدون انقطاع وتواتر المؤلّفات المخصّصة للغرض وذلك إذا سلّمنا بأنّ الاستشراف "تساؤل عن المستقبل وسعي لاستكشاف بشائره ونذره ولاستجلاب خيراته ودفع شروره... (وأنّ غايته) التطلّع إلى المستقبل والتساؤل عن المصير ومحاولة الإعداد للغد الآتي" (4). وإذ يعسر حصر الأدلّة الشاهدة عن تواصل النّظر في قضايا المستقبل ويفرضها واجب الإذعان لضغوطه فإنّنا سنكتفي بما يؤشّر لهذا التواصل لأنّ رصد كلّ حلقاته أمر عزيز ومركب صعب. فمن لمع المؤشّرات المبنية عن هذا التّواصل أعمال هامّة منها كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" (1938) لطه حسين، ونحن والمستقبل (1977) لقسطنطين زريق ومطالب المستقبل العربي (1938) لنفس المؤلف والعقد القادم: المستقبلات البديلة لمجموعة من المؤلّفين من إعداد مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت) ومركز الدراسات المعاصرة جامعة جورجتاون (1986)، وكتاب "بعض قضايا للمستقبل" (1990) لسمير أمين،  بالإضافة إلى كمّ هائل من المقالات المبثوثة هنا وهناك في مظّان بعض الدوريات العربية الجادّة مثل مجلّة المستقبل العربي الّتي يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت ومجلّة دراسات عربية التي تصدر عن دار الطليعة ومجلّة شؤون عربية الّتي تصدرها جامعة الدّول العربية ومجلّة الوحدة الّتي تصدر عن المجلس القومي للثقافة العربية، علاوة على الأعمال القيمة الّتي نشرها مهدي المنجرة في الغرض والّتي من أهمّها كتابه: L'avenir du futur. وإذا كان الإعداد للمستقبل المنظور والبعيد هاجسا قارّا يسكن المفكرين ويوجّه الفكر فإنّ الأهداف العامّة تظلّ ثابتة ثبات الهاجس وهي قابلة للاختزال في ثلاثة حدّها الجابري سنة 1985. وهذه الأهداف الّتي تعدّ مشتركة بين كلّ المفكرين هي التوحيد والتمدين والعقلنة. وقد قال مؤكّدا ما ذكرنا من استقرار وثبات: "ثلاثة أهداف أو نزوعات، كانت تحرّك من الدّاخل بالفعل والممارسة ، التجربة التاريخية العربيّة الإسلامية منذ أن بدأت وهي نفسها الّتي تحرّك من الدّاخل كذلك في صور حلم عنيد متجدّد طموح العرب في الحاضر إلى مستقبل سيظلّ باستمرار مشروعا أمامهم ينمو ويتّسع بكفاحهم ويتقلّص ويضمر باستكانتهم وتخاذلهم" (5).

ولهذه الأهداف الّتي أفاض  المفكّرون القول فيها مرتكزات يبين تدبّر أدبيات الفكر العربي منذ بداياته الأولى غن حضورها وتواترها ورجوعها دون أن يعني ذلك التواتر والرجوع الاجترار والدّوران في فراغ وحول النفس. وقد اخترنا للوقوف عند أهمّها أثرين هما "مستقبل الثقافة في مصر" اعتقادا منّا أنّ القرن القادم هو قرن الثقافة بدون منازع وكتاب "نحن والمستقبل" لقسطنطين وريق لشمول طرحه ودقّة نظر صاحبه وبعد المرامي وتوصيفها توصيفا دقيقا لأتواق العرب وتعبيرها تعبيرا بليغا عن انتظارات العربيّ مهما كانت ميوله الفكرية ونوازعه المذهبيّة، زد على ذلك أنّ العلمين يمثّلان منحنى فكرّيا واحدا يستندان في الجوهر إلى مرجعيّة ثابتة مع كثير من التّمايز والتّغاير في التعبير والتّقدير. وهذا المعين الّذي منه ينهل الرجلان هو "الإيديولوجيا الليبرالية". وهذا الأمر منّا مقصود لأنّنا نعتقد أنّ هذه الإيديولوجيا هي اليوم منتصبة للسيادة على الكون بعد ضمور العقيدة- الغريم ضمورا لا نعتقد أنّه مؤذن بالفناء والاندثار. فنسخ العولمة من هذه الإيديولوجيا مستمدّ وإهابها منها مقدود. أضف إلى ذلك أنّنا نرى أنّ المرتكزات الّتي جمعنا شتاتها من الأثرين المذكورين تمثّل إلى حدّ محلّ اتفاق بين الليبراليين والماركسيين العرب الّذي وإن اختلفوا في الآليات والوسائل يتّفقون في المقاصد والأهداف الّتي يمثّل التقدّم أسناها.

ورأينا هذا لا يعني أبدا اختزال الخلاف الأصيل بين المدرستين ولا يقصد التعميم المشين في مضمار يعتبر فيه كلّ تعميم وتبسيط تخطيطه متجنّية على الفكر وطمسا لحركة تاريخيّة ذات أثر وبصمات لا تمحّى.. وإذا قبلنا بداهة الاختلاف الأصلي بين المدرستين ولا يقصد التعميم المشين في مضمار يعتبر فيه كلّ تعميم وتبسيط تخطيطية متجنّية على الفكر وطمسا لحركة تاريخيّة ذات أثر وبصمات لا تمحى.. وإذا قبلنا بداهة الاختلاف الأصلي بين المدرسة الليبرالية والماركسيّة فإنّه لا بدّ من الإشارة إلى ما أغفلنا من مدارس أخرى، فسكوتنا عن "تمثيل" "الفكر الأصولي" لا يبرّر بما في النّظام العالمي الجديد وفي العولمة من عناصر الرفض والعداء لهذا الفكر بل يفسّر بأنّ الماضي والمستقبل في نظر الحركات الإحيائية الدّينية شيء واحد، فالمستقبل من هذا المنظور ماض عائد ممّا يضفي على الفكر ماضويّة ثابتة وإن ادّعى المستقبلية المتحرّكة وسكونيّة معطّلة وإن رآه أصحابه تاريخيّا متحرّكا قابلا للتطوّر والإثراء قادرا على الإبداع والإنشاء. ومن هذا المنطلق تكون المرتكزات الفكرية الّتي يقوم عليها هذا الاتّجاه واحدة سواء أسّست للحاضر أو أعدّت للقادم وهي محدودة بحدود محصورة في إطار لا يقبل الاختراق وإن ألبسها بعض مصلحي القرن التاسع عشر لبوس الحداثة وخلع عليها زيّ المعاصرة وهي مرتهنة بجهاز مفهوميّ أبعاده مرسومة رسما نهائيا ومقاصده ثابتة راسية كالأهرام وإن ضمّنت معاني وغايات تنتسب إلى مطالب الرّاهن في حداثته والمستقبل بعولمته وقيمها الجديدة القديمة.

ومن مسوّغات اختيارنا مؤلفي طه حسين وزريق الاختلاف داخل الاتّفاق والتقارب في صلب التباعد، فالسياقات التاريخيّة الّتي يتنزّل فيها الأثران مختلفة لكنّ هذا لا ينفي التكامل، فالأوّل يحاول الإسهام في تأسيس الدّولة الوطنيّة ورسم المعالم الأساسيّة المكوّنة لقاعدتها الفكريّة بعد أن حصلت البلاد (مصر) على استقلالها والثاني يبحث في الوسائل الّتي تكفل للمجتمع العربي الخروج من الحالق الّذي أوقعته فيه الهزائم العسكرية والسياسية المتعدّدة وما ارتبط بها من عجز فكريّ وفقر معرفي واستبداد سياسي وتشظّ ثقافي وأزمات متعدّدة الأوجه متفاوتة الآثار، فالتباعد المستدعي لتثبيت المنحى يقلّصه تقارب الأهداف وتداني الأغراض والمضامين فما هي هذه المرتكزات النظرية ؟

2) المرتكزات النظرية الأساسيّة:

أ. التاريخ:

إنّ الدّراسة الإستشرافية تجسيد لرغبة الإنسان في الحلول المجرّد والمادّي في لحظة تاريخيّة لاحقة للحظة الّتي يعيش وفي زمن مخالف لراهن كثيرا ما يشفق منه إشفاق الحاضر من الغائب والمعلوم من المجهول. وهذا الغائب والمجهول مغايران بالطبع والمرتبة والموقع والمضمون للقائم والقادم إن جزئيا أو كليا ليس لعلّة فيهما- بالضرورة- وإنّما لبداهة التطوّر وحتميّة التحوّل. وإذا كان الاستشراف آحتراسا يكفل السلامة والمرتبة والموقع والمضمون للقائم والقادم إن جزئيا أو كليا ليس لعلّة فيهما- بالضرورة- وإنّما لبداهة التطوّر وحتميّة التحوّل. وإذا كان الاستشراف احتراسا يكفل السلامة ويضمن البقاء واحتياطا يبعد الغوائل وبناء لمجتمع جديد وتأسيسا لمتصوّرات ترسم مقوّمات هذا المجتمع بالنفاذ إلى الجذور العميقة الّتي ينشدّ إليها الفكر والممارسة فإنّه قمين بالمستشرف أن يعود أدراج التاريخ يسائله عن أحوال الأمم الغابرة عقلا ووجدانا وطرائق عيش وأن ييمّم وجهه شطر الماضي يستخبره عن أهل زمانه في بداوتهم وحضارتهم حتّى تكون العبرة ويكون البناء ثابت الأصل راسخ الأسس وخليق بالمستشرف كذلك ألاّ يترك الحاضر يغمره بقوّة حضوره ويعكّر صفاء نظره ببريق آنيته المبهر.

وجدير بالمستشرف كذلك ألاّ يكون التفكير في المستقبل عنده هوسا يغيّب سكينة النفس وتوازنها وهدوء البال وألاّ يكون انبهارا بقوّة جاذبة وانصياعا لها وانجذابا في غير أناة.

ومن ها هنا كان التاريخ مرتكزا للتّخطيط والتّصميم وقاعدة لتصوّر المستقبل وصياغته، وكلمة تاريخ تحمل في كلّ اللّغات العصرية ومنذ القرن الثامن عشر معنيين على الأقلّ: فهي تعنى سلسلة الوقائع فعلا وتعنى في نفس الوقت الكيفيّة الّتي تسرد بها تلك الوقائع، ويميّز عبد الله العروي "بين التاريخ كدراسة لوقائع الماضي كتقنية من تقنيات المعرفة (وسائل التنقيب عن الوثائق، طرق النقد والتّحقيق، فنون السرد إلــخ...) وبين النظرة الشاملة الّتي يلقيها مجتمع ما على مجموع حوادث الماضي أو بعبارة أخرى بين التاريخ كفنّ والتاريخ كوسيلة تقييم للحاضر وتحديد للمستقبل عن طريق سياسة قوميّة" (6). وتحديد المستقبل يقوم على تقديم بديل بنائي ذاك البديل الّذي يقول عنه طيب تيزيني إنّه "لا يستطيع أن يطرح نفسه على أنّه النفي المطلق لما سبقه من مواقف ووجهات نظر حول التاريخ والتراث العربي خصوصا والعالمي عموما... فحتّى النزعات اللاتاريخية تجد نفسها مدعوّة لأن تدرك بعمق نظري تطبييقي أنّ ليس هناك من نفي مطلق وإن أقصى ما يمكن أن يدور الخطاب حوله هو تجاوز جدلي (فيه تفاعل) للحظة السابقة ولذلك فإنّ البديل إذ ينطبق من كونه يمثّل حلقة نوعية جديدة في مجاله لا يسعه إلاّ أن يعمل جاهدا على إغناء نفسه ليس فقط من خلال اقتران المكتسبات الإيجابية الخلاّقة في تلك اللّحظة اقترانا تاريخيّا تراثيا جدليّا وإنّما كذلك عبر العودة إلى العناصر السلبيّة الكابحة في تلك اللّحظة بهدف تقويمها ووضعها في سياقيها التاريخي والتراثي الفعليين". (7)

ويبدو طه حسين وزريق واعيين وعيا حادّا بهذا المبدأ الأساسي الّذي يتمّ عليه بناء كلّ مشروع بديل إذ نلاحظ عند كليهما حرصا وتشديدا على التذكير بهذه العلاقة العضوية بين الماضي والحاضر في صلتهما بالمستقبل. ومعلوم أنّ زريق خصّص مؤلفا لعلاقة العرب بالتاريخ تصدّى فيه بالنّظر إلى ما بين أبعاد الزمان الثلاثة من علاقات ووشائج (8). يقول طه حسين في سياق صياغته المبادئ الّتي يرتكز عليها بناء ثقافة مستقبلية "زمن أجل هذا لا أحبّ أن نفكّر في مستقبل الثقافة في مصر إلاّ على ضوء ماضيها البعيد وحاضرها القريب لأنّنا لا نريد ولا نستطيع أن نقطع ما بيننا وبين ماضينا وحاضرنا من صلة، وبقدر ما نقيم حياتنا المستقبلية على حياتنا الماضية والحاضرة نجنّب أنفسنا كثيرا من الأخطار الّتي تنشأ من الشطط وسوء التّقدير والاستسلام للأوهام والاسترسال مع الأحلام" (9). ويعبّر زريق عن هذه العلاقة الجدلية بين لحظات التاريخ الثلاث تعبيرا مختلفا تمام الاختلاف عن تعبير طه حسين إذ ينزّل هذه العلاقة داخل الإنسان الّذي يصبح حاملا لهذه العلاقة في صلبه مجسّدا لها بوجوده يقول "على أنّ الحاضر على أهميته ليس في الواقع سوى برهة تستقرّ آنا ثمّ تلبث أن تنضّم إلى سوابقها. ولمّا كانت هذه البرهة الحياتيّة هي في الواقع نتيجة لما حدث ولتصوّر الإنسان لما سيحدث فإنّ الإنسان هو بالفعل ملتقى الماضي والمستقبل ينفعل بهما ويفعل فيهما" (10). ويؤدّي تصوّر طه حسين للعلاقة الّتي نحن بصدد إثبات جدليتها وطبيعتها الانفعاليّة والتّفاعلية إلى تنزيل تينك الجدليّة والطّبيعية في الواقع العينيّ الخاصّ بوجود مصر ووجود الثقافة المصريّة. فمصر وحدة تاريخية وثقافتها وحدة تاريخيّة وينبغي أن تظلّ كذلك وإن اختلفت الأزمان" وأنا من أجل هذا مؤمن بأنّ مصر الجديدة لن تبتكر ابتكارا ولن تخترع اختراعا ولن تقوم إلاّ على مصر القديمة الخالدة وبأنّ مستقبل الثقافة في مصر لن يكون إلاّ امتدادا صالحا راقيا ممتازا لحاضرها المتواضع المتهالك الضّعيف" (11). وغنيّ عن التّذكير بأنّ مصر القديمة هي مصر الغربية وجهة وعقلا. ولعلّ هذا هو السّبب الّذي جعل طه حسين يحرص على أن تشاد جسور التّواصل مع الماضي ويرفض كلّ فصام وانفصام عنه، ومن ها هنا يكون الوعي التّاريخي من جهة نظر صاحبنا بإدراك هذه الرّوابط مع التّاريخ القديم وبالسّعي إلى توثيق عرى التّرابط من هذا التاريخ. فالوعي التّاريخي هو الإيمان بالتّاريخية بالمنظور الّذي حدّده لها تيزيني. وهذا هو الوعي التاريخي من حيث هو عند زريق مفهوم مرتبط بمفهوم مركزيّ آخر هو مفهوم الدّيناميّة المجتمعيّة الّتي يقول عنها "وأنّ هذه الدّينامية هي أقوى وأفعل وأسرع في الأدوار الّتي تتّجه فيها الشّعوب نحو مستقبلها وتمضي في وضع المستقبل بالتّساؤل والارتياد والإنجاز ممّا هي في الأدوار الّتي تكون فيها واقعة تحت سطوة ماضيها متلفّتة إليه قانعة به غير شاعرة بالحاجة إلى تخطّيه أو قادرة على ذلك" (12). فالوعي التّاريخي أي الوعي "بمجرى الزّمن بكامله وبما يموج فيه من أحداث وتحوّلات وما يثيره في النّفس من ذكريات وحوافز وآمال" (13). لا يكون منسجما مع الدّيناميّة والمجتمعيّة إلاّ أذا تجاوز الماضي لأنّ الرّكود مرتبط بالتّعلّق بأهداب الماضي ويستدعي زريق لذلك شواهد من التّاريخ الغربي حتّى يتمكّن من تعميق فكرته وإجرائها مجرى القانون العامّ الّذي مفاده "أن حكمنا على المجتمعات من حيث ارتباط ركودها بتعلّقها بالماضي وحركيّتها بانطلاقها إلى المستقبل يبقى في جوهره سليما وموافقا للاختيار الإنساني بمختلف ظواهره" (14). وواضح ما في هذا من نفخ كفاحي ومن بعد اعتراضي على الفكر الماضوي والإيديولوجيات الثّبوتية الساكنة الّتي تسخّر "تمتم الماضي" وكماله" وتتذرّع به لقتل كلّ اجتهاد وتعدّد بقدسيّته لاتّهام الحاضر بالدّنس والرجس. ويعتقد زريق مقارنات بعد الاستشهاد بما حاق بالعرب من سوء بعد عسر. فالمجتمعات العربيّة تقدّمت مع الإسلام الأوّل إذا قطعت مع الجاهلية لكنّها تقهقرت عندما طفقت تجترّ ما أنتج الأجداد واستبدّ لأهلها "الازدهاء والتّباهي بما أنتج أسلافهم" (15). فهذه الحنينيّة الفجّة وهذا الاكتفاء التّاريخي القاصر أطرحهما العرب ظهريّا فتقدّم إذ نظر إلى المستقبل وتجاوز ركود العصور الوسطى وتحرّر. تحرّرا كاملا من مكبّلات تقاليده العقليّة والدّينيّة فراحت شعوبه "ترود آفاق الرؤية والخيال والفكر والاختراع الّتي كانت خافية عليه من قبل والّتي أخذ يتوق بشدّة متزايدة إلى استكشافها والتغلغل فيها " (16). فالغرب تقدّم لأنّه نظر إلى المستقبل والشرق تأخّر وعجز عن التقدّم لأنّه "اقتصر أو كاد على اجترار التراث بشتّى الأشكال كوضع الملخّصات وملخّصات الملخّصات والشروح وشروح الشروح والحواشي وما إليها دون ابتكار أو إبداع" (17). فهذه النظرة الاختزاليّة الانتقائيّة للماضي دفعت زريق إلى التنكر "للتاريخية" وتأكيد الفصام بين قطبي التاريخ وحدّية: الماضي والمستقبل، وهذا التأكيد متواتر متكرّر يقول زريق  "فكأنّ الماضي والمستقبل مجرّد موقعين متقابلين على خطّ زمني واحد والحقيقة أنّهما متقابلان لا موقعا وزمنا فحسب بل طبيعة وجوهرا أيضا، فالماضي قد حصل وتمّ أمّا المستقبل فهو منفتح أمامنا" (18). وكأنّ ريميّز في نظرته إلى التاريخ بين الإنسان كائنا تاريخيّا تلتقي عنده بالضّرورة والحتم أدوار التاريخ وبين الحياة الاجتماعية العامة باعتبارها كذلك ملتقى لهذه الأدوار، فالإنسان لا يستطيع أن يتجزّأ ويتشظّى فيتخلّص من جزء من ذاته لأنّ انصهار الأدوار التاريخيّة فيه تامّ إذ يحمل الماضي متمازجا كليا مع الحاضر الّذي يمكن فيه التوق إلى المستقبل وبعض من معالم المستقبل الّذي يريده في ترابط متين مع ترسّبات الماضي الواعية وغير الواعية وبصمات الحاضر الظاهرة المتستّرة، أمّا الحياة الاجتماعية فإنّها قابلة للتجزئة الإجرائية على الأقلّ وقادرة بالتالي على الانفصال عن الماضي، لذلك عليها أن تفعل ذلك حتّى تكون مسايرة لحركة التاريخ منسجمة مع ما تقتضيه الدينامية المجتمعة السائرة سيرا دؤوبا لايني نحو الأمام، وفي اعتقادنا أنّ متصوّر طه حسين للوعي التاريخي ومتصوّر زريق له يلتقيان رغم ظاهر الاتّصال والانفصال، فزريق يقيس التاريخ العربي على التاريخ الغربي ويقارنه به فيلاحظ أنّ هذا قائم على الانفصال وذلك قائم على الاتّصال ممّا أدّى  إلى تخلّف أهل الاتصال وإلى تقدّم أهل الانفصال، وطه حسين يتبنّى نظرية الاتصال لأنّها تسوّغ الارتباط بالغرب، فالماضي المطلوب عنده هو الماضي البعيد وليس الماضي العربي الإسلامي الوسيط أو القريب وهو التاريخ الّذي يصل مصر وصلا مباشرا باليونان وأوروبا، فالغرب يظلّ المعيار والمقياس والمثل بالنسبة إلى طه حسين. زد على ذلك أنّ طه حسين يعمد إلى تغييب الحقبة التاريخيّة العربية الإسلامية تغييبا تامّا عندما يدعو إلى بناء مصر في ارتباطها ارتباطا وثيقا مع ماضيها البعيد لأنّ هذه الفترة تتراءى في نصّه خواء ينبغي القفز عليه والتّغاضي عنه وهو أمر يفعله زريق الّذي لم يسلك هذا المنحى الانتقائي- العدمي بل وقف عند المرحلة العربية وذكرها باعتبارها حلقة أساسية من حلقات تاريخ البلاد العربيّة لكنه نادى بتجاوزها استجابة لمقتضيات التقدّم وضغوط الدينامية المجتمعة. وليس من فضل الخطاب إن ذكّرنا بأن لزريق متصوّرات لدور هذه الحقبة أكثر إيجابية وإنشائية في مؤلفه "نحن والتاريخ"، وفي اعتقادنا أنّ كلا الرجلين ينطلق من خلفيّة واحدة هي خلفيّة صراع البدائل وخلفيّة الصراع السياسي الثاوية وراء الخطاب التأسيسي، وليس من قبيل التبرير إن قلنا إن طه حسين ينادي بالارتباط بالغرب ويؤصّل لدعوته في التاريخ لأنّه يريد أن يضع "المتاريس المعرفية" أمام مدّ الفكر الأصولي في الفترة الّتي تصوّر فيها برنامجه المستقبلي ويسبق ما قد يصدر عن الفكر القومي من مضامين فكرية مستقبلية ذلك الفكر الّذي بدأت بوادر انتشاره تلوح في الأفق البعيد في عديد البلاد العربية. فمصر مصريّة وليست عربية فقط ومن مظاهر مصريتها انتماؤها إلى الغرب عقلا وتاريخا لذلك يعزّ عليها بل لا يجوز لها أن تتنكّر لماضيها الأصيل. أمّا زريق فإنّه يروم مقصدا كفاحيا من هذا القبيل مع فرق أماسي يتمثّل في اعتبار زريق المشروع القومي ركنا أساسيّا من أركان دعوته مراميه، ففترة السبعينات الّتي تلت حرب جوان 1968 وحرب أكتوبر 1973 عرفت تناميا منقطع النظير للحركات الدّينيّة الإحيائية الكفاحية وشهدت احتدام صراع البدائل الحداثية والدينيّة كما لاحت في تلك الفترة بوادر تهيّئ للتطبيع مع إسرائيل وهذه جميعها جعلت زريق يجذّر الفكر في سياق عقلاني مغال ليبراليّ منفتح قوميّ "عمليّ- حركيّ مفارق لرومنسية الناصرية وطوباوية البعث ونفسانويته. وإذا أردنا ضمّ الأمور إلى بعضها البعض ضمّا إجرائيا فإنّنا نستطيع أن نقول إنّ مفهوم طه حسين للوعي التاريخي ومفهوم زريق له يؤدّيان نفس الوظيفة ويرومان نفس الغاية ويعبّران عن منحى الوظيفة ويرومان نفس الغاية ويعبّران عن منحى واحد هو في نظرنا منحى واحد هو في نظرنا منحى ردّ الفعل والرّفض، مع الملاحظ أنّ طه حسين سيكشف عن هوية خصومه الفكريين والإيديولوجيين وسيجسّد مواقفه الرّافضة في نصوص واضحة وهو ما حمل هؤلاء الخصوم على الردّ ردّا عنيفا على مضمون الكتاب ونقضه نقضا لا يبيّن إلاّ على عنف الصراع الدّائر بين الأضداد وأهمّية الرهانات المستقبلية. أمّا زريق فإن ردّ الفعل عنده يستنتج استنتاجا من بعض الإشارات أو بعض المواقف كما يستنتج من التوجّه العامّ الّذي ينساب في سياقه الفكر الّذي يعرضه الرّجل في مؤلّفه المعني بنظرنا والّذي يبغي صاحبه أن يكون أساسا لعقيدة بديلة لكلّ العقائد المطروحة على المواطن العربي (قوميّة، إشتراكية، ليبرالية، إسلامية) والّتي لم تحقّق للعرب الهدفين الأساسيين اللّذين يحكمان فكر الرّجل: تقدّم العرب وتحرير فلسطين: "وخامسا نتساءل لماذا بنا القدرة الذاتية؟ أيّة غاية يتوخّى هذا البناء وأي غرض يخدم؟ ثمة مراتب من الغايات والأغراض نوجزها بثلاث أصلية جامعة ومتّصلة بعضها ببعض هي التحرير والتنمية والإبداع" (19).

وإذا صرفنا النظر عن ماهية التاريخ (عربيّا إسلاميّا كان أو غربيا) فإنّ الحسّ التّاريخي يبدو "ضروريّا لصحة الفرد والأمّة والحضارة على حدّ تعبير نيتشه (20). والأمّة الّتي نقصد ها هنا هب المصريّة بالنّسبة إلى طه حسين والعربية بالنسبة إلى زريق والصحّة المطلوبة قوامها "صحّة الفكر" و"صحّة التمشّي" و"صحة العقلية" الّتي يرشد إلى جميعها ويدلّ على سبيلها "العجز والقصور" اللّذان ينبئ عنهما التاريخ وتخبر عنهما دروسه، والصحّة  بديل العجز في مظهرية المادي والإيديولوجي، وتتجسّد أسباب هذه الصحّة البديلة عند الرجلين في المشاريع المقترحة الّتي تنقلب إلى عقائد باعتبار بنائها وانتظامها في أنساق متماسكة الأركان ممّا يسوّغ لنا الجزم بأنّ قراءة التاريخ أو مجرّد تسجيل مظاهره السلبية (بالنسبة إلى زريق) أو المطالبة بوصله وصلا عضويّا مباشرا بالمستقبل (طه حسين) يساعد جميعها على تصوّر نظام فكريّ جديد يمكن أن نسمّيه "إيديولوجية القدرة" مقابل "إيديولوجية العجز". فالتاريخ معادا أو مرفوضا معتمد لأنّه يساعد على تجاوز "العجز" وبلوغ "القدرة، وهو معتمد كذلك لأسباب منهجية منها محاولة تأصيل الأفكار والمناحي والاختيارات.

وقد نحا زريق هذا المنحى عديد المرّات، فهو يؤصّل تاريخيّا للاهتمام المستقبلي حتّى ينزّل عمله في صلب "حركة التاريخ" ويجعل منه حلقة من حلقاته المركزية فلا يبدو بذلك ابتداعا أو ترفا فكريّا بل يبدو إسهاما إنشائيا في عملية التراكم التاريخي: "ليس الاهتمام بالمستقبل أمرا طارئا أو غريبا وإنّما مغروس في الطبيعة الإنسانية بل لا بدّ من أنّه إحدى الميزات الأساسيّة الّتي يتّصف بها الإنسان" (21). إنّ عملية التأصيل التاريخي هذه جديرة بالبحث والنظر لكنّها ضعيفة العلاقة بما نحن بصدده من خطاب، فزريق قد أصّل في التاريخ عديد المجالات المعرفيّة والفكرية والسلوكية الكلية والجزئيّة مثل جهد الإنسان في تحصين ذاته وجهاده من أجل الكرامة والحرية توفيرا للعناصر المكوّنة للمجتمع الفاضل كما أثبت أنّ عزم الإنسان على الإصلاح قد لازم تاريخ الإنسانيّة منذ أقدم العصور إلى غير ذلك من المسائل والقضايا الّتي تمّت بصلة إلى كفاح الإنسانيّة ضدّ الاستبداد المتعدّد الأوجه والمصادر. ويقابل تعدّد القضايا الّتي أصّلها زريق وجذّرها في التاريخ وحدانية المسألة الّتي اعتنى بها طه حسين في المضمار. فالعقل ظلّ عنده المحور الرئيسي لعملية التأصيل التاريخي. فانتماء مصر الحضاري يحدّد بالرّجوع إلى تاريخ العقل المصري وأصله والبتّ في ضبط حدود الإطار الثقافي الّذي تتنزّل فيه مصر يكون بالاعتماد على تاريخ العقل. فالجواب على شرقية مصر أو غربيتها يكون "بالرجوع إلى تاريخ العقل المصري منذ أقدم عصوره ثمّ مسايرة هذا العقل في تاريخه الطويل الشاق الملتوي إلى الآن" (22).

ويستدعي طه حسين تاريخ الإنسانيّة ليفنّد الأسس الفكرية والإيديولوجية الخاصّة بمقوّمات الأمم والرّوابط السياسية بوجه عام وهي أسس روّج لها الفكر العربي منذ بوادره الأولى إسلاميّا كان أو قوميّا جنينيّا. يقول في هذا السياق الكفاحي في عجلة وإجمال واختزال ووثوق وإطلاق غريب "ومن المحقق  أن تطوّر الحياة الإنسانيّة قد قضى منذ عهد بعيد بأنّ وحدة الدّين ووحدة اللّغة لا تصلحان أساسا للملك ولا قواما لتكوين الدّول" (23). فهذه الوثوقيّة العقديّة الّتي لا يسوّغها إلاّ منطق المعارك وما يقتضيه من سجال فتنكبّ عن الحقيقة التاريخيّة وعن المعرفة العلمية الثابتة تحملنا على القول بأنّ التاريخ في تمشّي طه حسين سادن للإيديولوجيا موظّف توظيفا نفعيّا فهو ذريعة تستخدم لإرساء عقيدة الإقناع بوجهة رغم ما في هذا التمشّي من نقائص وثغرات منها التخطيطية المفرطة والانتقائيّة الطاغية والاختزال الواضح، فالتاريخ عنده مطيّة تركب لبلوغ مقاصد معلومة، وهذه المطيّة هو المتحكّم في حركتها إذ يضطرها في بعض الأحيان إلى القفز على الأحداث قفزا غربيا ويدعوها في أحيان أخرى إلى المضيّ بتؤدة وأناة توقفها عند أحقاب تبدو للقارئ الغمر غير المتنبّه متعاقبة متناسقة ولكنّها ليست كذلك في الواقع وفي العلم. إنّ طه حسين يطوّع التاريخ لمشيئة المذهب ويطوّع المعرفة التاريخية لحاجات المستقبل كما يريده ويطوّعها التّشريع المطلوب وتسويغ المأمول، ومهما يكن من أمر هذه  الهنات أو النقائص فإنّ تعامل طه حسين مع التاريخ تعامل مرجعيّ ثابت بقطع النظر عن تمايز هذا التعامل وعن طريقة التعامل مع الحدث التاريخي وغائية توظيفه. والتاريخ يظلّ مرتكزا نظريّا هامّا لإعداد المستقبل إذ من لا ذاكرة له لا مستقبل له. فالتاريخ مستند صمد وحجّة صمّاء لمن يبحث للمستقبل عن أصالة وللفعل عن نجاعة وللموقف عن مشروعيّة وللرأي عن قدرة على الاستمرار والتّواصل.

ب) التراث:

وللتاريخ وشائج وصلات بالتراث الّذي ظلّ الرّأي فيه والموقف من دوره في عملية البناء المستقبلي حاضرين في فكر طه حسين وزريق، حضورا متمايز الظهور والضمور، والمواقف من التراث في الفكر العربي بصفة عامّة متباينة تباينا ساطعا مثيرا في بعض الأحيان، فهي تتراوح بين العدميّة المغالية والتبنّي الاكتفائي الخانق المؤدّي إلى غربة يعيش في صلبها المرء بروح غير روح الزمن الحاضر، وإنّ إشكالية التراث في الفكر هي "بالتّأكيد مظهر للوعي الذّاتي ولكنّها ليست فقط مظهرا للوعي الذّاتي، وهي استجابة لضغط سياسي وفكري راهن كما يرى المنظور السوسيولوجي ولكنّها لا تقتصر على كونها هذه الاستجابة بل هي أيضا دخول الفكر في متاهات الحجاج العابث.

وبكلّ تأكيد هناك الكثير من الحجاج العابث في إشكالية التراث" (24). وهذا النوع من الحجاج تبين عنه مؤلفات "النقض" ومطارحات الليبراليين والماركسيين على حدّ سواء. وإذا عدونا ملابسات الطرح ومؤدياته المنهجيّة والإيديولوجيّة الّتي أضفى عليها العظمة في قوله السالف طابعا معياريا وإن استند إلى منظور فلسفي فإنّنا نجد من المفكرين من حاول تقديم مجموعة من الضوابط الّتي تحدّد ماهية التراث وتعرّف به من حيث علاقته بالتاريخ من المنظور الّذي نحن بصدده، فللتراث منزلة في خط الزمان وأبعاده الثلاثة وله دور في ربط بعضهما بالبعض الآخر ممّا يجعله حركيّا ويوطّد صلاته بالتاريخ من حيث هو حركة دائبة، يقول تيزيني "وعلى ذلك فإنّ التراث يبرز هنا باعتباره "التاريخ"، الماضي مستمرا وممتدّا حتّى الحاضر ببعده الثاني بعد الحاضر" (25). ويلامس غالي شكري هذه العلاقة بين التراث والماضي والحاضر ويدرك البعد العملي الناجم عن طبيعة التراث الدّيناميكية حين يقول "ليس التراث شيئا جامدا ولا مقدّسا ولا مطلقا خارج الزمان والمكان وإنّما هو إحدى ثمرات فكر الإنسان" (26). ولعلّ نفي القداسة والجمود والإطلاق عن التراث يدخله في حيّز تاريخي يجعله يعانق مفهوم تيزيني للتراث ويلتحم به حين يعرّف هذا الأخير التراث انطلاقا من مقارنته بالتّاريخ في سياق الحديث عن الحادث الاجتماعي "لقد قلنا إنّ الحادث الاجتماعي يتحوّل إلى مادّة تاريخية حينما يدخل في حيّز الماضي إذّاك يكتسب هذا الماضي بعدا وسياقا تاريخيين وبعدا وسياقا تراثيين وبذلك وصلنا إلى القول بأنّ التّاريخ يساوي هنا الماضي وبأنّ التراث يساوي الماضي (أي التاريخ) في حال استمراره وامتداده حتّى اللّحظة المعاصرة (الحاضر)" (27). إنّ مفهوم الاستمرار هذا مفهوم أساسي لأنّه يساعد على تلمّس مدى هذا التواصل في إطار الرؤية المستقبليّة عند طه حسين وزريق، إنّ بين مباشرة الرجلين مسألة التراث فرقا أساسّا هو الانتظام عند الثاني والتشتّت عند الأوّل بمعنى أنّنا نجد عند زريق في المؤلف المخصوص بالنّظر مبحثا خاصّا بالتراث ولا نجد عند طه حسين إلاّ شتات أفكار ذرأها هنا وهناك إضافة إلى الاختلاف في منحى النظر. فطه حسين يتحدّث عن التراث من حيث هو حادث اجتماعي مرتبط بواقع معلوم محدود في حين يعرض زريق له من حيث هو مفهوم عامّ جامع مجزّأ مرتبط بالعقليّة المستقبليّة. ويشترك الرجلان في عدم التقيّد بموقف واحد حاسم إذ نجد الرفض والانتقاء مناكبين للتبنّي والقبول، فطه حسين يرفض الرجوع إلى التراث لاستلهامه أو اعتماده مرجعا في الحياة السّياسيّة القادمة وذلك عند دفاعه عن مكتسبات مصر الّتي غنمتها من اتّصالها بأوروبا وخاصّة ما تعلّق منها بتقييد السلطة والحدّ من أوتقراطية الحكم، والتراث المستدعي هنا كلّ التراث المصري المتراكم عبر كلّ أدوار تاريخ مصر وكلّ الحضارات الّتي تعاقبت عليها، فهو تراث مناف للدّيمقراطية ومعارض للحياة الدّستورية مكرّس للاستبداد في غير تمايز، وجليّ ها هنا أنّ طه حسين يعمّم حكمه الضمني على كلّ الحضارات الّتي يسوّي بينها تسوية تخطيطية مسطّحة خالية من كلّ حسّ تاريخي قادر على التّنبيه إلى بعض الفويرقات والخصوصيات المميّزة لحضارة دون أخرى أو لفترة في حضارة دون فترة أخرى. يقول "هل الحياة الدّستورية النيابية إلاّ شيء أخذناه من أوروبا أخذا ونقلناه نقلا؟... وإنّني لأتخيّل داعيا يدعو المصريين إلى أن يعودوا إلى حياتهم القديمة الّتي ورثوها عن آبائهم في عصر الفراعنة أو في عصر اليونان والرومان أو في عصرها الإسلامي، أتخيّل هذا الدّاعي وأسأل نفسي: أتراه يجد من يسمع له ويسرع إلى إجابته أو يبطىء في هذه الإجابة ولكنّه يجيب على كلّ حال؟ فلا أرى إلاّ جوابا واحدا يتمثّل أمامي بل يصدر من أعماق نفسي: وهو أنّ الدّاعي إن وجد لم يلق بين المصريين إلاّ من يسخر منه ويهزأ به، والّذين نراهم في مصر محافظين ومسرفين في المحافظة ومبغضين أشدّ البغض للتّفريط في التراث القديم هؤلاء أنفسهم لن يرضوا بالرّجوع إلى العصور الأولى ولن يستجيبوا لمن يدعوهم إلى النظم العتيقة إن دعاهم إليها" (28).

ويتجاوز الرفض حيّز السياسة إلى مجال عليق بها متّصل بالحرب وفنونها وعدّتها وتظلّ المرجعيّة الأوروبية ثابتة وطرف المقارنة قائما، فأوروبا ونظامها الحربي يظلاّن المعيار المعتمد لرفض التراث والمقياس المحدّد للإعراض عن التليد "فلو قال قائل إنّا قد ورثنا عن آبائنا وأجدادنا حرب الكرّ والفرّ وهذه العدّة الّتي تنحصر في السيف والرمح والقوس.. فلندع للأوروبيين نظامهم الحربي وما استحدثوا من ألوان السّلاح وأدوات التّدمير ولنكتف بجيوش تشبه في عددها وعدّتها جيش خالد إبن الوليد أو جيش بيبرس... لو قال قائل هذا الكلام للقيه المصريّون جميعا بالضحك والسخريّة والاستهزاء ولكان المحافظون وأنصار القديم أشدّ التواء عليه وازورارا عنه" (29).

وإذا كان رفض طه حسين جوانب من التّراث لعجزها عن مسارية مقتضيات الحال وعدم ملاءمتها تجدّد الزمان رفضا واضحا عدميّا قاطعا فإنّ الموقف الرّافض "للتراث كلّه" عند زريق مغمور مواري في زحمة الموقفين: القابل له والانتقائي، وينطلق هذا الرّفض من طبيعة ما يوجد من علاقة بين مفهوم مركزيّ عند زريق هو مفهوم الإبداع والتراث إلى أن يصل إلى رفض التراث بالاعتماد على التراث نفسه، فإذا كان الإبداع خصيصة من خصائص العقليّة المستقبليّة وركنا من أركانها فإنّ اتّصاف السلف به قد ارتبط بل ارتهن بإعراضهم عن التراث ظهريّا، وهذا يعني أنّ الإبداع مناقض للتراث وأنّ تنكّب التراث والانصراف عنه عاملا إبداع وبالتالي أساسا المستقبليّة وقواما كلّ تطلّع إنشائي إلى المستقبل يقول زريق "وإذا نحن ركّزنا نظرنا على مظاهر الإبداع في التراث وعلى المبدعين من سلف وجدنا أنّهم لم يكونوا من الّذين تقيّدوا بماضيهم وتراثهم أو اكتفوا بحاضرهم من الّذين حاولوا أن يتجاوزوا هذا وذاك إلى ما هو أفضل وأجدى أي أنّهم كانوا مستقبليّين تطلّعيّين" (30).

وإذا جاز للمرء أن ينتظر تمايزا وتطوّرا في موقف طه حسين من التراث على أساس ما أسلفنا واعتبارا للطبيعة الجزئية للأوجه المرفوضة منه فإنّه يبدو من خطل الرّأي أن يكون الأمر كذلك بالنّسبة إلى زريق نظرا إلى الحسم الّذي ميّز موقفه من علاقة الإبداع بالتراث وعلاقة الإبداع بالاستشراف. لكنّ نصّ زريق يبيّن عن أوجه أخرى من تصوّره للتراث وهذه الأوجه مناقضة تماما لما سلف، فرفض زريق للتراث لم يعد يتعلّق بكليته بل بعرضه أيّ بجزء منه. أمّا الجوهر فينبغي أن يصان وأن يكون الحرص الشّديد على بقائه واستمراره لأنّ العقليّة المستقبليّة الصحيحة "هي الّتي تحرص على جوهر التّراث وهي المؤهّلة بالفعل للحفاظ على الأصالة ورعايتها وتنميتها والإفادة منها خير إفادة في تحقيق الذّات وفي الإنجاز والإبداع" (31). فهذا الجوهر المطلوب حفظه ممثّل الأصالة ومجسّدها وهذه الأصالة عامل من عوامل التّحديث والتّغيير اللّذين ينهض بهما الإبداع، وتبعا لذلك فإنّ جوهر التراث أداة تأصيل وتحديث في نفس الآن، وبعبارة أخرى فإنّ الأصالة الّتي يجسّدها التراث تنهض بمهمّتين: مهمّة دعم الهويّة ومهمّة المساعدة على التقدّم المادي، فالأصالة سادنة لإيديولوجية التقدّم كما هي خادمة لإيديولوجية المتّحد، وبهذا المنظور يتنزّل خطاب زريق حول التراث والأصالة في صلتهما بالهوية والتقدّم في صلب الحوار الدّائر اليوم حول المستقبل المعلوم ومصير الهويّات الوطنية والخصوصيّات المحلّية، وكأنّ زريق إذ يتّخذ الموقف المذكور من التراث والأصالة ينحاز إلى صفّ الّذين يعتقدون أنّ العولمة مهما سعت إلى التّنميط الكلّي والتّجانس التام بين السلوكيات والأفعال اليومية والمتصوّرات العامة لآليات الإنتاج والإبداع لا تستطيع أن تدحر النواة الصلبة من مركزها ولا يمكنها أن تطمس طمسا تامّا المميّزات الدقيقة الّتي تنفرد بها المجموعات المدنيّة أو الطائفية أو العراقيّة، ولعلّ تركيزه على العلاقة القائمة بين الأصالة والإبداع يفسّر بإيمانه بأنّ الأصالة ليست صنوا للتقليد والجمود ممّا يؤهّلها لأن تلعب دورا في المستقبل المعولم باعتباره دور الإبداع بلا منازع، وهذا الإبداع في نظره ليس سليل الحار ولن يكون نتاجا لدور قادم بل هو رحم الماضي كذبك "إنّ استخلاص الإبداع الماضي وتملكه هما جوهر التأصيل وقوامه والجهد للإبداع في الحاضر والمستقبل هو جوهر المستقبليّة الصحيحة" (32).

وليس من فضل الخطاب أن نذكّر بأنّ الإقرار بوجود جوهر وعرض في التراث مؤدّاه فصل الصالح عن الفاسد يكاد يكون أمرا جامعا بين المفكّرين العرب الانتقائيين والتلفيقيين وحتّى العدميين الّذين يغلب عندهم الرّفض على القبول، يقول وريق عن هذه التركيبة المتفارقة الأطراف "إنّ التراث يتضمّن الصالح الّذي يجب أن يبقى والفاسد الّذي يجب أن يزول" (33). وهذه الفكرة القديمة المتجدّدة تجدّد الخطاب حول التراث ورجوعه باستمرار نجدها عند زكيّ نجيب محمود الّذي تربطه بزريق صلات الوضعيّة ومنجزاتها والليبرالية وفتوحاتها. وثنائيّة الفاسد والصالح مرتكز لانتقائية مخلّصة من الإعدام والإفناء وهذه الانتقائية تتدقّق عندما يضبط مضمون الصالح ويتحدّد محتوى الفاسد. أمّا الطرف الأوّل فيتعلّق بكلّ ما له صلة بالعقل من "إنجازات رائعة وفتوحات زاهية في ميادين العلم والفكر والخلق يتوجّب علينا إدراكها ببصيرة وصدق وإحياؤها إحياء فعليا في كياننا الحاضر وكياننا المقبل" (34). أمّا القيم الثاني فيخصّ من التراث عناصر اتّفق الليبراليون والماركسيون على اعتبارها عاملا أساسيّا من عوامل التخلّف وسببا محدّدا من أسباب الهزائم السياسية والعسكرية وعامل تعرية خبيث لأصول المجتمع العربي وجذوره المكينة "فالغيبيّة والتوهّمية والفرديّة والعشائرية والطائفية (الّتي) يتوجب علينا أن ندرك أصولها الرّاجعة إلى أدوار البدائيّة والانحطاط وأن نعي أخطارها علينا حاضرا ومستقبلا فنعمد إلى التخلّي عنها والتطهّر منها وتجاوزها إلى متطلّبات الحاضر والمستقبل وقيمها المنشودة" (35) وسبيل الانتقاء "الموضوعيّة التامة" وغايته وظيفيّة ذرائعيّة صريحة "وإنّنا إذ نفعل ذلك لا يكون فعلنا من أجل التراث ذاته بل من أجلنا نحن... فإحياء التراث هو عمل فعلي من جانبنا ومن أجل خيرنا وخير الإنسانيّة لا من أجل عرض آخر" (36). والعقليّة المستقبليّة هي الّتي تنهض بمهمّة الانتقاء وتضطلع برسالة التقويم معيارها في ذلك "الغد ومتطلّباته": "إنّ العقليّة المستقبليّة إذا أحسنت التصوّر وأتقنت الإدراك استطاعت أن تتّخذ من حاجات الغد ومطالبه ومن التطلّعات الرّاجحة والمطامح الحصيفة معيارا لتقييم التراث ولاستخلاص عناصره الخيّرة الّتي تسعف في تحقيق هذه التطلّعات والمطامح" (37). والعقليّة المستقبليّة الّتي يرشّحها زريق لتقويم التراث هي المستقبليّة الراجحة "المتجوهرة بالعقلانيةّ المستمدّة منها مزايا الريادة والإبداع ومناقب الانضباط والانتظام" (38). وهكذا يؤدّي حرص زريق على "جوهر التّراث الموصّل" والجانب الصالح فيه إلى أن يوكله إلى الراجح ويبعده عن الماضي بسكونيته ووثوقيته ، فالتراث ينبغي أن يوكل أمره إلى تعادلية واتزانية ترفضان الشطط من خلفهما ومن أمامهما، وهذا التعلّق بالتراث العربي نجده عند سلفه طه حسين لكنّه تمسّك يتنزّل في سياق توفيقي تركيبي بين حضارتين: العربية الإسلامية والأوروبية: "فنحن بين اثنين: إمّا أن ننكر ماضينا كلّه ونجدد أسلافنا جميعا ونرفض مجد المسلمين الّذين أسّسوا الحضارة الإسلاميّة وما أظنّنا مستعدّين لشيء من هذا وإمّا أن ننهض نهجهم ونذهب مذهبهم ونأخذ بأسباب الحضارة الأوروبية في قوّة" (39). فهذا التعايش بين التراث العربي الإسلامي التليد والأوروبي الطريف تعايش بين الأصيل والمحدث وتوفيق بين نقيضين وليس استلابا ولا إفناء للتالد من قبل الطارف، وفي هذا التجاوز الإنشائي تزكية للقديم وتنمية له، وهذه الفكرة قديمة في الفكر العربي إذ روّج لها الآباء المؤسّسون وأرسوا لها القواعد ووضعوا لها المسوّغات منذ بواكير النهضة في القرن الماضي، فطه حسين في هذا مواصل سنّة وسائر في سمت الإصلاحيّة الأولى، يقول متحدّثا عن عنصرين أساسيين من مكوّنات التراث، اللّغة والدين في علاقتهما بالغرب "فهل ندعو إلى أن تفنى مصر في أوروبا إذا دعوناها إلى أن تحتفظ بهذا الدين وتلائم بينه وبين مقتضيات الحياة.. فهل ندعو إلى فنائها في أوروبا إذا دعوناها إلى أن تحتفظ بهذه اللغة وهذا التراث وتنمّيها حتّى يسعا ما وسعته اللغات الأوروبية وألوان التراث الأوروبي وحتّى لا يكون للغة أخرى ولا لتراث آخر عليها فضل؟ كلا ليس على الشخصية المصريّة خطر من الحضارة الحديثة" (40). إنّ تأكيد طه حسين هذا يعدّ في نظرنا سبقا فكريّا وردّا مبكّرا على حاملي الدروع الواقية من هجمة الآخر بعولمته وقيمه وطمأنة لحرّاس القلعة من الاختراق "الغربي- الكوني" وتهدئة لحفائظ من يدقّ أجراس الفزع ونواقيس التعبئة العامّة للتصدّي لأخطار التنميط والتجانس الكلّي، فالشخصيّة الأساسيّة بالمعنى العامّ وليس بمفهوم علم النّفس التربوي في نظرنا أعتى وأقوى من أن تطمس طمسا مغيّبا مفنيا مهما كانت رياح التعرية عاتية وقوى الاختراق جبّارة عنيدة لأنّ الإنسان مهما طرأ عليه من تحوّل واستوعب من ثقافة يظلّ ابن ماضيه بالمعنى الاجتماعي وليس بمفهوم التحليل النفسي الضيّق، والتراث يظلّ في اعتقادنا مكوّنا من مكوّنات هذه الشّخصية الصلبة إن لم نقل سائرا في تركيبة الجنّة المكوّنة لهذه الشخصيّة لذلك فإنّنا لا نتصوّر مستقبلا لأمّة بدون تراث داعم ولا تطوّرا لها بدون إرث حافز.

وخلاصة الرّأي في موقف طه حسين وزريق من التراث في صلته بالتقدّم والمستقبل أنّ متصوّر الرجلين للتراث في هذا السياق التاريخي لا يخرج عمّا أثر في الفكر الليبرالي بوجه عامّ وهو موقف الانتقاء الحصيف المتولّد عن غربلة دقيقة لمضامين هذا التراث غربلة تطرح منه الكثير وتبقى اليسير الّذي حدّد له طه حسين الإطار والمرحلة العمريّة والأهداف إذ قال: ".... والثالث أن هذا التعليم الأوّلي هو الوسيلة الوحيدة لتمكّن الأمّة من البقاء والاستمرار لأنّها بهذا التعليم الأوّلي تضمن وحدة التراث الوطني اليسير الّذي ينبغي أن تنقله الأجيال وأن يشترك في تلقّيه ونقله الأفراد جميعا في كلّ جيل" (41).

 

الدكتور عبد المجيد البدوي (أستاذ الحضارة (سابقا) بكلية الآداب منوبة)

 

لهوامش

(1) محمد عابد الجابري: مجلّة الوحدة. فكرية ثقافية شهرية تصدر عن المجلس القومي للثقافة العربية. السنة الأولى العدد 6 مارس 1985 ص8.

(2) LAROUI ABDALLAH: l'idéologie arabe contemporaine Paris Maspero 1973

(3) قسطنطين زريق: نجن والمستقبل. الطبعة  الثانية- بيروت دار العلم للملايين 1983. ص 37 وما بعدها.

(4) نفس المرجع ص ص 12-37.

(5) محمد عابد الجابري: مجلّة الوحدة: العدد 6 ص 12.

(6) عبد الله العروي: العرب والفكر التاريخي. الطبعة الأولى بيروت دار التنوير للطباعة والنشر- الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي ص ص 77.78.

(7) طبّ تيزيني: من التراث إلى الثورة: حول نظرية مقترحة في التراث العربي. ط 1 بيروت دار ابن خلدون 1976 ص 221.

(8) قسنطين زريق: نحن والتاريخ: الطبعة الأولى بيروت دار العلم للملايين 1959.

(9) طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر المجلّد التّاسع من المجموعة الكاملة لمؤلّفات الدكتور طه حسين- الطبعة الأولى. بيروت دار الكتاب اللبناني 1973 ص 16.

(10) ق. زريق: نحن والمستقبل ص18.

(11) طه حسين: المرجع المذكور ص 16.

(12) ق. زريق نحن والمستقبل ص 21

(13) نفس المرجع ص 21

(14) نفس المرجع ص 20

(15) نفس المرجع ص 20

(16) نفس المرجع ص 21

(17) نفس المرجع ص 21

(18) نفس المرجع ص 21

(19) نفس المرجع ص 2013.

(20) Nietzche: Considérations intempestives: Paris Aubier- Montaigne 1964 II p. 209

(21) ق. زريق: نحن والمستقبل ص 17

(22) طه حسين: المرجع المذكور ص 18

(23) نفس المرجع: ص 25

(24) عزيز العظمة: دنيا الدين في حاضر العرب: الطبعة الأولى بيروت دار الطليعة للطباعة والنشر 1996. ص ص 181-182

(25) طيّب تيزيني: المرجع المذكور ص 254

(26) شكري غالي: التراث والثورة. الطبعة الثانية. بيروت دار الطليعة والنشر 1979 ص 43.

(27) طيّب تيويني: المرجع المذكور ص 254

(28) طه حسين: المرجع المذكور ص 45.

(29) نفس المرجع ص 56.

(30) ق. زريق: نحن والمستقبل ص 213

(31) نفس المرجع ص ص 211-212

(32) نفس المرجع ص 214

(33) نفس المرجع ص 214

(34) نفس المرجع ص 212

(35) نفس المرجع ص 212

(36) نفس المرجع ص 212

(37) نفس المرجع ص 213

(38) نفس المرجع ص 215

(39) طه حسين: المرجع المذكور 67

(40) نفس المرجع ص 73

(41) نفس المرجع ص 104

 

 

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك