القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الصين..الزحف الاصفر

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-07-11 11:21:00 | 702 مشاهدة

ملخص

إنّ المنعرجات الحضارية الكبرى للإمبراطوريات العظمى وبروزها على الساحة الدولية ترفض صعود أي قوة جديدة تهدد مصالحها. إذ يعد صعود الصين مثالا صارخا لهذا الدرس التاريخي حيث تساهم الأرقام والمؤشرات في بيان سرعة هذا العملاق الأصفر في انجاز تقدمه الاقتصادي وتصاعد مؤشر نموه في العشريتين الأخيرتين، ومما يزيد تغذية قلق الدولة الأمريكية القوة الراهنة والقائمة منذ أكثر من مائة عام ويعززه النمو السريع للتنين الأصفر ومبادرة الحزام والطريق الصينية وأهداف استراتيجيتها "صنع في الصين 2025"، علاوة على نمو نفوذ شركات صينية مثل هواوي وعلي بابا التي تغزو السوق العالمية بتؤدة وتنحونحو  ريادة العالم في القرن الواحد والعشرين.

المقدمة

أصبح شبه يقين لدى الخبراء الاستراتيجيين أن الصين الدولة الصاعدة الجديدة ستصبح في وقت قريب الدولة الأولى اقتصاديا في العالم، وستكون القوة الرائدة على العالم على نحو تنتهي فيها سيطرة الولايات المتحدة الأميركية. هذه القناعة تشترك فيها الإدارة الأمريكية. من هنا أصبح الصراع القائم بين الصين والولايات المتحدة يتسم بالخطورة لأنه وعبر التاريخ ما من قوة قائمة تقبل بوجود قوة صاعدة، فعلى مدار القرون العابرة غالبا ما تنتهي حالات الصراع والتنافس على الهيمنة الدولية بالنزاع العسكري الدامي.

بالرجوع إلى جراهام أليسون الأستاذ في العلاقات الدولية الذي كتبمقالاً في مجلة "ذي أتلانتك" الأميركية، بعنوان "فخ ثوسيديدس: هل الصين والولايات المتحدة مقبلتان على الحرب"، يرى أن ما يجري بين الصين والولايات المتحدة من قبيل فخ ثوسيديدس"، ويقصد بالفخ "المخاطر المحدقة عندما تنافس قوة صاعدة وقوة مهيمنة".وقد استوحى تحليله للعلاقة الصينية الأمريكية من كتابات المؤرخ اليوناني ثوسيديدس الذي أقام تفسيره على الصراع بين أثينا وإسبرطة والحرب الطويلة التي دارت بينهما في الفترة من عام 431 وحتى 404 قبل الميلاد والقائمة على رفض أي قوة قديمة صعود أي قوة جديدة تهدد مصالحها.

هذا عمق المعركة الاستراتيجية، لكن ماهي مبررات الصراع التي تغلف بها الولايات المتحدة الأمريكية قلقها ومخاوفها من تصاعد التنين الأصفر على المستوى العالمي؟ وهل ينتهي الصراع الاقتصادي إلى نزاع عسكري في وقت تقدم فيه القانون الدولي وتأسست فيه المنظمات الدولية الراعية للسلم في العالم وكثرت فيه القوى الإقليمية وتعددت مصالح الدول والشركات الضخمة العابرة للقارات على غير ما كانت عليه زمن أثينا وإسبرطة؟

1 / هواوي المعركة التكنولوجية:

إلى الآن تتسم ملامح الصراع بين الصين والولايات المتحدة بالحرب التجارية ولم تتجاوز السلاح التجاري التقليدي وهو لا نبيعهم ولا نشتري منهم. فقد وجهت الولايات المتحدة عقوبات تجارية على شركة هواوي الصينية الأولى في العالم في مجال تكنولوجيا الجيل الخامس وهيأكبر منتج لمعدات الاتصالات في العالم، وثالث أكبر مورّد للهواتف الذكية. في هذا الاتجاه قرر ترامب حظر منتجات هواوي ثاني أكبر مصنعي الهواتف الذكية في العالم للولوج إلى السوق الأمريكية ومنع التعاون معها بأي شكل من الأشكال في الولايات المتحدة.وهدد بحرمانها من البرامج الأمريكية والمعدات التي تحتاج إليها لتصنيع منتجاتها. كما طالبت واشنطن الأوروبيين بالتخلي عن خدمات هواوي لإنشاء شبكات جيل خامس. ومنع" ترامب" أيضا شركة "برودكوم ليميتد" السنغافورية من شراء شركة "كوالكوم" الأمريكية عملاق صناعة الرقائق الإلكترونية المتخصصة في تكنولوجيا نظم الاتصالات في عرض خيالي تُقدربـ 142 مليار دولار أمريكي بسبب اتهامات بإضعاف المنافسة الأمريكية لصالح الصين وفي ذات تصعيد الحرب التجارية القائمة أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شرارة أخرى بإعلان شركة جوجل العالميةتعليق أعمالها التجارية مع عملاق الاتصالات الصينية شركة هواوي. كما أصدرت وزارة التجارة الأمريكية قرارًا بمنع شركتي هواوي وZTE الصينيتين من شراء معالجات الهواتف الذكية والمحمولة من شركة "كوالكوم" على خلفية مزاعم بانتهاكها لوائح إدارة التصدير الأمريكية وبيع منتجات لإيران.

 

تتميز شركة هواوي التي تأسست سنة 1987 بتفوقها في مجال البحث والتطوير إذ تملك عددا هائلا من مكاتب البحث والتطوير مما خولها امتلاك عشرات الآلاف من براءة الاختراع الشيء الذي جعلها تتبوأ موقع أكبر الشركات الصينية لإنتاج معدات الاتصالات في العالم، وتنتشر منتجاتها في أكثر من 170 دولة حول العالم. وحسب آخر الدراسات فإن شركة هواوي استطاعت الحصول على 74.307 براءة اختراع، والتقديم على 64.091 براءة اختراع في الصين و48.758 براءة اختراع خارج الصين بتاريخ 31 من شهر جانفي ل عام2017، وحسب تصنيف "فوربس" السنوي لأعلى العلامات التجارية قيمة بالعالم في عام 2018 أصبحت هواوي الشركة الصينية الوحيدة التي اندرجت علامتها التجارية في للعام الثاني على التوالي، حيث بلغت قيمة علامتها التجارية 8.4 مليارات دولار أمريكي.

 

لقد ازدادت التخوفات الأمريكية من تصاعد سيطرة الصين على التكنولوجيات المتقدمة مما يهدد واشنطن على المستوي الاقتصادي والعسكري. ومن مؤشرات هذا الصعود يكفي مجرد إلقاء نظرة في تطور رقم أعمال شركة هواوي من سنة 2009 إلى سنة 2019 حيث ارتفع رقم أعمالها من 20 مليار دولار إلى 107 مليار دولارأي قفز رقم المعاملات في غضون 10 سنوات فقط إلى خمس مرات.وزادرد رئيس شركة هواوي على الهجوم الأمريكي على شركته من مخاوف الولايات المتحدة حيث قال في تصريح: أنتم لا تقدرون قوة شركة هواوي، لهذا اليوم كنا نستعد. حيث جهزت الشركة نفسها لمثل هذا التحدي ووعدت أنها ستطلق نظامها الجديد للتشغيل في شهر سبتمبر.

 

ومما يجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن العقوبات تجاوزت شركة هواوي إلى حكومة الصين حيث أعلنت إدارة ترامب فرض تعريفات جمركية إضافية بقيمة 200مليار دولار على الواردات الصينية وفي المقابل ردت الصين بوضع قيود تصدير عناصر الأرض النادرة تدخل في عديد الصناعات الأخير حيث تحتكر الصين من إنتاج هذه العناصر أكثر من 70 بالمائة. وأعلنت فرض رسوم على سلع أمريكية بقيمة 60 مليار دولار اعتبارا من الأول من جوان، وذلك بعد إيعاز الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بزيادة قيمة التعريفات الجمركية على البضائع الصينية من 10 بالمائة إلى 25 بالمائة، وتحذيره الصين من الرد على الرسوم الجمركية الأميركيةأضف إلى ذلك أنزلت الصين عقوبات على شركة آبل الأمريكية.

 

كل هذه العقوبات تقوم مبرراتها على خلفية ظاهرها لا تقنع المتتبعين للعلاقات الدولية وهي محاولة الالتفاف على العقوبات الأمريكية على إيران مما يستوجب العقوبة وفقا للقانون الأمريكي ثانيا ممارسة الصين التجارة غير العادلة ثالثا سرقة أسرار تكنولوجيا لشركات أمريكية وغربية رابعا تجسس شركة هواوي لصالح الحكومة الصينية. ولكن تبقى الحقيقة خلاف ذلك وملخصه ما جاء على لسان ترامب إذ يعتبر من وجهة نظرهإن الأمر يتعلق فقط بإصلاحعجز الميزان التجاري بين أمريكا والصين وهو 500 مليار دولار، والحقيقة على ما أرى هو أن شركة هواوي تعد فقط واجهة التنافس الجيوسياسي المتصاعد بين البلدين وعنوانه القوي هو القلق الأمريكي من تصاعد النفوذ الصيني ومحاولة التصدي لذلك

2 / عافية التنين الزاحف والقلق الأمريكي

من أهم ما جاء في الاستراتيجية الصين تحت عنوان «صنع في الصين 2025» أنها تهدف إلى تطوير القطاع الصناعي بالجهود الذاتية من عدة جوانب تركز في مجملها على الصناعات المتقدمة والتكنولوجية العالية (هاي تك) وليس الصناعات الرخيصة كثيفة الاستهلاك للطاقة. ولقد استمدت استراتيجية لصين 2025 من قرار الرئيس الصيني "شي جين بينج" منذ انتخابه في مارس 2013 تغيير العقيدة الصناعية للصين لكي تتخلص من تبعيتها التكنولوجية للغرب، وتصبح إحدى الدول الكبرى في مجال التكنولوجيا المتقدمة.

ولقد بدأ الصين منذ ذلك الوقت في تنزيل هذه الاستراتيجية محل التطبيق فاهتمت بما يسمى "صناعة الفضاء" وما يرتبط بها من أقمار صناعية وصواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت، كما اهتمت أيضا بالتكنولوجيا الدقيقة مثل أشباه الموصلات، وتطبيقات الواقع المعزز، والروبوتات والمركبات الآلية، إضافة إلى الاهتمام المتزايد بالطاقة النووية والتجارة الرقمية. كمازادت من اهتمامها بمجال التعديل الجيني، والخلايا الجذعية الجنينية، والطب الحيوي. وفي هذا المنحى شجعت ودعمت الحكومة الصينية الشركات التكنولوجية الوطنية الكبرى مثلBaiduوAlibabaTencentو ZTEوWe Chat، لتنافس الشركات الأمريكية الكبرى مثلGoogleوFace bookو Appleو Amazon.

لم يأت صعود الصين ونموها السريع من فراغ وهو ليس سرابا بل هو عمل خارق وإنجاز ينسب إلى العقل الصيني الذي تطور وفهم المعادلات الدولية وهو يملك المخزون الثقافي الذي يؤهله لخوض المعارك الاقتصادية والسياسية. ولا يذهب إلى الظن أن نجاح الصين راجع إلى عدد سكانها فالهند على سبيل المثال لديها نفس حجم السكان تقريبا ولكنها بقيت متأخرة بالمقارنة مع تطور الصين. (ويكبيديا الموسوعة العالمية) حيث تساوى الدخل الخام للبلدين منذ الخمسينات إلى حدود سنة 1980 في حدود 300مليار دولار أما في سنة 2010 فقد سجل الناتج المحلي  للهند 1.7 تريليون دولار بينما بلغت الصين في نفس السنة 6تريليون مليار دولار .

إن مقارنة بسيطة بين الناتج المحلي الخام للصين لسنة    1979 وسنة 2019 أي في ظرف أربعين عاما توضح بما لا يدع مجالا للتردد أن التنين الصيني بدأ يزحف بسرعة نحو تربع ريادة العالم ما يشكل قلقا كبيرا للولايات المتحدة الأمريكية. كما تفيد تكهنات الخبراء أن الناتج المحلي الصيني سيتجاوزأكثر الناتج المحلي الأمريكي ويبلغ 27تريليون في غضون سنوات قليلة.

 

الناتج الخام المحلي السنة

1979

2019 

الصين

178 مليار دولار  

23 تريليون و3 مليار دولار

اليابان

تريليون و55 مليار دولار

 

الولايات المتحدة الأمريكية

2 تريليون و760 مليار دولار

19 تريليون و1 مليار دولار

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يكفي استحضار الرقم التالي حتى نفهم حقيقة الوضع الاقتصادي بالصين إذ توجد في الصين أكثر من 77 مليون شركة وفقا لوزارة الصناعة الصينية. وتشير المؤشرات إلى أن الاقتصاد الصيني سجل في الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2019 نموّاً أكبر مما كان متوقعاً بعدماأخذت الحكومة الصينية التدابير الضرورية لدفع النمو من خلال التعويض عن ضعف الطلب العالمي للمنتوجات الصينية والإجراءات اللازمة المتعلقة بالحرب التجارية بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية. وتشير التقارير إلى بلوغ الصين هذه السنة نسبة النموّ 6.4 في المائة، لتؤكد استقرار ثاني أكبر قوة اقتصادية بعد التباطؤ الذي شهدته العام الماضي.

إن رغبة المسؤولين الصينين في تحويل الصين إلى نموذج للنمو الأكثر استدامة من خلال استمرار النمو الاقتصادي في الصينواستقراره، مع تنامي القدرات الصينية التكنولوجية سيزيد من قلق الولايات المتحدة الأميركية وسيشكل تهديدا لمصالحها وخاصة خطرا على مركز نفوذها العالمي الاقتصادي وحتى العسكري بداية بالوجود الأمريكي في آسيا.

ثالثا: الجيل الخامس الرقمي والكابوس الأمريكي

يقصد ب(5G) الجيل الخامس تكنولوجيا للاتصالات عالية السرعة. إن الأرقام والصفقات التجارية في هذا المجال تعطي الأسبقية للعملاق الصيني على كسب السوق العالمية ومنها السوق الأوربية، فلقد أصبحت الصين رائدة عالمياً في مجال تكنولوجيا المعلوماتوهي جاهزة اليوم لتزويد العديد من البلدان ومنها أوروبا بـ "حزمة كاملة من الجيل الخامس" من الرقائق ومعدات استقبال الإشارة وإرسالها والمحطات الأساسية. بينما اعتادت فيما مضى السلطة الأمريكية على إملاء إرادتها على الدول في تشغيل المنظومات الرقمية التكنولوجية المتطورة أما اليوم فرغم أنها تشارك أيضاً في تشغيل الجيل الخامس، إلا أنه لايمكنها تقديم مثل هذه "الحزمة الكاملة" أو حتى التزود بها إذ أنها تأخرت في هذا المجال. لقد أصبحت السيطرة الرقمية لواشنطن في أوروبا تحت تهديد التنين الصيني. وعلى سبيل المثال فإن بريطانيا وألمانيا تتجهان نحو إدخال الجيل الخامس ولا تستخف بالتعاون مع هواوي. واتضح من خلال ذلك أن أوروبا لم تعد تعول على الولايات المتحدة في إنجاز شبكات الاتصال بالجيل الخامس بل ما يلاحظ في مؤشر خطير على السيطرة الأمريكية على هذا المجال هو عصيان أوروبا لواشنطنحيث لم ترفض لندن خدمات هواوي وكذلك ألمانيا. لقد قلب التنين الصيني الوضع بسرعة على راعي البقر "العم صام". في عالم التقدم والتطور لا يمكن للدول أن تقدم الصداقات التاريخية على حساب مصالحها. إن الجيل الخامس يعطي تأخيرا أقل بين إرسال الرسالة والحصول على الاستجابة كما يدعم أكثر عددا من الأجهزة المتصلة وهذا من شأنه أن يعطي فرصة أكبر لتطور الخدمات وفرص للعمل بشكل أسرع سواء على المستوى الأمني أو الإداري أو التجاري وهو ما لا تتأخر في الحصول عليه الدول بقطع النظر عن العلاقات الجيدة والاتفاقات الثنائية بينها، فالأمر يتعلق بمزايا التكنولوجية التي توفرها شبكة الجيل الخامس وهو أمر قد يتعلق بالأمن القومي للدول. 

رابعا: معركة البحار والموانئ أو الحرب الباردة الثانية

يعتبر البحر في علم الفنون الحربية والاستراتيجية أساسا لعديد من الاستراتيجيات السياسية الوطنية. لقدقامت الحضارة القديمة مثل قرطاج وروما والإمبراطورية العثمانية على محيط حوض البحر المتوسط واليوم بعد اتساع الرقعة الجغرافية الحضارية امتد التوسع والنفوذ إلى أصقاع الأرض وبحارها. فالدول الكبرى تصبح تمتلك بموجب القوة الحق في إنشاء القواعد والقيام بدوريات عسكرية استكشافية وتنظيم التجارة عبر الممرات المائية، ما يعني تأمين مجالاتها الحيوية للحفاظعلى ريادتها وسطوتها.

يمثل بحر الصين الجنوبي منطقة توتر. وأصبح يشكل محرارا للعلاقة بين الصين والولايات المتحدة، فالصين تصور النزاع حول بحر الصين الجنوبي مسألة سيادة، أما الولايات المتحدة فتعتبر أن المسألة تتعلق بحريتها في الملاحة. معلوم أن الولايات المتحدة تمتلك قوة بحرية خولتها التربع على المحيط الهادئ عسكريا بمساعدة حلفائهاوأبرزهم اليابان وكوريا الجنوبية وفيضوء تصاعد النفوذ الصيني الاقتصادي والعسكري بات الأمر يشكل خطرا على النفوذ الأمريكي في المنطقة.

إذا لم تمتلك جزر فاصنعها، وإذا صُنعت في الصين فهنا مربط الفرس. لقد بدأت الصين فعلا وبشكل سريع على عادتها في إنشاء سبع جزر صغيرة في مياه بحر الصين الجنوبمنذجوان2015تُعزز بها موطئ قدم على بحر الصين الجنوبي. وعلى سواحل الجزر الصناعية شيدتمهبطًا للطائرات ومباني عسكرية ومواني بحرية بما يسمح بدعم الوحدات العسكرية ويمكن من التواجد الدائم عبر الدوريات البحرية والجوية للقوة العسكرية الصينية في البحر الصيني. في مقابل ذلك تتمسك أمريكا برغبتها في الحفاظ على موقعها المتنفذ على البحار وتفوقها في هذا المجال تحقيقا لأهدافها ومنها حرية الملاحة التي تضمن لها حرية تنقل بضائعها ولكن ما لا تعلن عنه الولايات المتحدة الأمريكية هو رفضها للمنافسة على البحار وصعود أي قوة جديدة تهدد إمكانية الولايات المتحدة في نشر قواتها العسكرية على مناطق العالم برا وبحرا.

في هذا العالم الجديد الذي أصبح قرية صغيرة أصبح الأمن القومي للدول الكبرى يقاس على بعد آلاف الأميال من مركز الوطن. إن أي تهديد للأمن القومي في المنظور الجديد يبدأ معالجته على بعد أميال. لذلك ترى انتشار القواعد العسكرية الأمريكية في المحيطات والقارات البعيدة مثل أفغانستان في أسيا وفي إفريقيا وغيرها على بعد ألاف الكيلومترات عن واشنطن ونفس الأمر بالنسبة لروسيا، ولقد بدأت الصين تنتهج هذه الاستراتيجية منذ مدة طويلة والمثال على ذلك قاعدتها العسكرية في جيبوتي.

ومع امتداد طريق الحرير من المراكز التجارية في شمال الصين حيث ينقسم إلى فرعين شمالي وجنوبي. يمرّ الفرع الشمالي من بلغاريا مرورا بكامل شرق أٍوربا وصولا إلى البندقية بإيطالية أماالفرع الجنوبي فينطلق من تركستان ويمر من العراق وتركيا وسوريا إلى البحر المتوسط أو يمر من الشام باتجاه مصر ويصل منتهاه إلى شمال إفريقيا، بدأ توسع القوة العسكرية الخارجية للصين عبر إنشاء قواعد عسكرية وموانئ تجارية ضمن خطتها الاستراتيجية ومبادرتها طريق الحرير.

وفي عملية استباقية عن ردود أفعال دولية انتهجت الصينسياسة الطمأنةوالتهدئة من خلال إقامة منتدىالحزام وطريق الحرير وذلك ب "تبديد المخاوف بشأن خطتها الضخمة لإنشاء بنية تحتية تربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا"، حيث تثير خطة طريق الحرير مخاوف "من وقوع الدول المشاركة في الاستثمار تحت عبء الديون الكبرى التي تَعرضها الصين ضمن إطار المشروعات المنضوية في الحزام والطريق"، بالإضافة إلى شك الغربيين من فكرة "ربط كل هذه المشروعات بالشركات الصينية".

الخاتمة

هل تأخذ الحرب الباردة الجديدة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية شكلا جديدا، وطبيعة من نوع خاص وهي الحرب على المواقع من خلال التواجد على امتداد البحار في العالم والسيطرة على مداخل المياه التجارية والمضايقالاستراتيجية، أم تأخذ شكل حرب التكنولوجية والرقمنة وحرب الفضاء؟ لكن في كل الأحوال ما يلفت انتباه الخبراء في الشأن الاستراتيجي، هو التقدم السريع لمنوال الاقتصاد الصيني ونموذجها التنموي. فالسؤال هنا، هل ستصدر الصين للعالم نظرية جديدة في الاقتصاد ليست بالاشتراكية ولا بالرأسمالية، وإنما نمط آخر تساهم فيه الدولة مع الشركات الخاصة والقوية في صعود مؤشرات التنمية، التي تكون رافعة للقوة العسكرية وربما الحضارية؟  وأمام هذه الحالة، هل مازال بمقدور الولايات المتحدة أن تعرقل نهوض الصين ورغبتها في الريادة العالمية على المستوى الاقتصادي والسياسي، وربما العسكري لفترة القرن الواحد والعشرين؟وبذلك تتحقق مقولة جديدة إن رفض أي قوة قديمة قائمة على عرش السيطرة العالمية صعود أي قوة جديدة تهدد مصالحها، لا يعني بالضرورة انتصار هذه القوة القائمة وبقائها على الدوام.

 

د. كمال الصيد (باحث تونسي)

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك