القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

التطبيع في تونس وخيانة التاريخ

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-07-05 14:22:00 | 272 مشاهدة

ملخص:

      يعود الجدل حول التطبيع في تونس إلى واجهة الأحداث مع كل مناسبة تنكشف من خلالها خيوط علاقات وصلات لتونسيين مع الكيان الصهيوني تقيمها مجموعات أو يتولاها أفراد لتثير موجات واسعة من الاستياء والتنديد والاستنكار كالكشف عن تنظيم وكالات أسفار تونسية لرحلات من وإلى إسرائيل أو دعوة صهاينة وإسرائيليين إلى محافل سياسية أو رياضية أو ثقافية.

    ولعل ما يبرر هدا الجدل تهافت بعض النخب على توطيد علاقاتها بالكيان الصهيوني في تحد لضمير الأمة ولمشاعر المؤمنين بعدالة القضية الفلسطينية إذ أن هناك قطاعات كثيرة قد طبّعت وكانت ولا مزال تتعاطى مع هذا الكيان بدعوى النشاط الأكاديمي كعبد الحميد لرقش ومحمد العربي والحبيب كزدغلي والمخرج السينمائي النوري بوزيد والمخرج رضا الباهي الذي صوّر فيلمه" الخطاف لا يموت" في القدس بتقنيات إسرائيلية في تل أبيب والمخرجة مفيدة التلاتلي وغيرهم...

  ويزيد من عزلة المنادين بالتطبيع والمنخرطين فيه جهلا وطمعا طبيعة الكيان الصهيوني الذي يفتقر إلى مؤهلات التطبيع أصلا ولا يقبل أن يكون مثل بقية الشعوب لاعتقاده أنه الأسمى منزلة والأكثر قوة وسطوة وتحكما في خيوط اللعبة العالمية وهو ما يسفّه الدعوات الرامية إلى الاعتراف بهذا الكيان اليهودي العنصري واعتبار التطبيع معه طريقا مجدية ومؤدية  إلى فرض السلم والتعايش فاليهود الصهاينة عموما لا يريدون سلاما بل ينشدون استسلاما من الجميع والتسليم لهم بالهيمنة المطبقة والتفوق المطلق كما تنص عليه بروتوكولات حكماء صهيون.

 ومع تواصل الغطرسة الإسرائيلية وسياسة التقتيل والتجويع والتهويد واستغلال الولايات المتحدة لهذا الوضع المربك والمنبئ بوهن الشعوب العربية وضعفها وتشتتها لتهيئة الظروف لتمرير صفقة القرن من أجل إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بأجندة مشبوهة وظالمة وتكريس أمر واقع يجبر الفلسطينيين على قبول الخطة الأميركية فإن أي مبادرة للتطبيع ستمثل حالة من فقدان الوعي بأهمية الانتماء والإيمان بالوطن والحرية والكرامة وسيضل به وبواسطته التطبيع الذي تمارسه النخب الثقافية والفكرية والعلمية والسياسية والإعلامية وغيرها من أخطر أنواع التطبيع وأكثرها ضررا لما تمثله من تأثير على الرأي العام وتشكيل للوعي وصناعة للمواقف.

مقدمة:

    يؤكد التونسيون في كل الأزمنة وتحت كل الظروف على مساندتهم المطلقة للقضية الفلسطينية في مواقف ثابتة وبقناعات راسخة بما يدلل على وجود حقيقة مطلقة ومؤكدة مفادها رفض الشعب التونسي بكل أطيافه وطبقاته وشرائحه لمسارات التطبيع مع الكيان الصهيوني أنى كان المناصرون لها والمدافعون عنها نخبا أو أفرادا وهو ما يعزز موقف تونس الرسمي المساند دوما لعدالة القضية الفلسطينية والذي ظل من الثوابت التي لا تقبل النقاش ولم تجرؤ أي من الحكومات المتعاقبة حتى قبل الثورة على المساس به أو الانحياز عنهخاصة وأن الكيان الصهيوني يعتبر عدواً لا يمكن الصلح معه ظل اعتداءاته المتكرّرة على تونس بداية بقصف مقرّ منظمة التحرير الفلسطينية في أكتوبر1985 مروراً باغتيال القيادي الفلسطيني الشهيد خليل الوزير في أفريل 1988 وصولاً إلى أحدث جرائمه الاستخباراتية على الأرض التونسية التي استهدفت الشهيد محمد الزواري في ديسمبر 2016 على خلفية نشاطه مع كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس.

    ولعل المد التّضامني مع القضية الفلسطينية قد أخذ مداه في ثلاثينات القرن الماضي في ارتباط بالتحوّلات التي عرفتها البلاد التونسية من ناحية وما شهدته السّاحة الفلسطينيّة مع اشتداد الخطر الصهيوني حيث تطور الوعي والارتباط بفلسطين مع الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي حضر مؤتمر القدس سنة 1931 نائبا عن مسلمي شمال إفريقيا وكذلك شيخ الأزهر لاحقا التونسي محمّد الخضر حسين وغيرهما من الذين ساهموا في جعل قضيّة فلسطين موضوع اهتمام وهمّ لدى النّاس في تونس من مواقعهم المختلفة بهدف التصدي للاختراق الصهيوني ومنعالزيارات المشبوهة مع "جابوتنسكي" الذي استقدمته التنظيمات الصهيونية بتونس في أفريل 1932 لنشر الدعاية الصهيونية و"هلبرن" الذي منع من إلقاء محاضراته الداعية للصهيونية في مدن التونسية وانخراط عدد كبير من المجاهدين العرب التونسيين مبكرا في الدفاع عن فلسطين ومقاومة الصهيونية وبروز العديد من المنظمات الداعمة لثورة فلسطين والمناهضة للصهيونية وتطوع الكثير من أبناء تونس للدفاع عن فلسطين  وروى العديد منهم ثراها بدمائهم الغالية .

 

 

 

 

ولعل الضجة التي خلقتها بعض الأحداث مؤخرا وأعادت إلى الواجهة قضية التطبع بوصفها معرة في حبين القائمين بها واعتداء على تاريخ الأمة وقضيتها المركزية مع تفطن بعض المراقبين إلى بضائع إسرائيلية في إحدى الفضاءات الكبرى بالعاصمة وصدمة الرأي العام بوجود معاملات تجارية بين تونس وإسرائيل بالإضافة إلى مظاهر التطبيع الثقافي الذي انكشف بإقامة عدد من الفنانين لحفلات في مدن إسرائيلية هذا بالإضافة إلى التطبيع السياحي الذي كشفته مؤخرا ارقام رسمية إسرائيلية كما كشفه تعامل عدد من وكالات الأسفار مع إسرائيل.

وعلى الرغم من هذا المزاج الشعبي المعادي عموماً للصهيونية، والمؤيّد للمقاومة الفلسطينية فقد كشفت هذه الأحداث جانبا كبيرا من المسكوت عنه في هذا السياق فمنذ قيام دولة الاستقلال رصدت عديد الممارسات المكرسة لتقارب مع دولة الكيان الصهيوني وبأشكال مختلفة كانت بدايتها من لقاء السفير التونسي في فرنسا محمد المصمودي مع رئيس المؤتمر اليهودي العالمي ألكسندر استرمن سنة 1966 وفتح مكتب العلاقات التونسية الصهيونية في تل أبيب سنة 1996وصولاً إلى مشاركة وفد إسرائيلي في القمة العالمية لمجتمع المعلومات في تونس سنة  2005برئاسة الوزير سيلفان شالوم.فهل أصبح التطبيع أمرا واقعا؟ وهل يعد خيانة للتاريخ واعتداء على ضمير التونسيين وعلى تمسكهم بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الصامد أمام مشاريع الغطرسة والإبادة والتمييز؟

 

 

التطبيع بين الوهم والحقيقة

    تعود مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني إلى واجهة الأحداث في كل مناسبة يحاول فيها مناصروه إثارة مشاعر التونسيين وخدش التزامهم بالتضامن التام مع الشعب الفلسطيني من أجل تحقيق استقلاله التام وإقامة دولته الحرة على أرض العروبة والمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وعاصمتها القدس الشريف، فهذه المسألة تعتبر واحدة من أهمّ نقاط الارتكاز التي يعتمدها ضمير التونسيين في تحديد مدى وطنية الأفراد والجماعات وخاصة عند الترشيح للوظائف السامية في الدولة قبولا واعتراضا ورغم الاختلافات الظرفية التي تحدّدها المصالح والتجاذبات الحزبية والإيديولوجية فإن العائلات السياسية تتّفق مع الرأي العام ظاهريا في رفض كلّ أشكال التطبيع، لكنّها تختلف إجرائيا في تحديد المدى الذي يمكن أن يبلغه هذا الرفض غير أن الوجه الخفي لهذا الجدل هو ما يتعلق بإصرار معسكر التطبيع الثقافي ومن يتزعمه على مواقفهم حتى بات شاملا للعديد من المجالات رغم حالة الرفض الشعبي التي يجابه بها وهو ما برز من خلال حملة بدأت في تونس منذ ثورة الرابع عشر من جانفي وتتواصل إلى حدّ الآن تطالب بتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني.

 

1 / التطبيع الثقافي والأكاديمي:

 

    في أواخر سنه 2018 استنكرت جمعيات وهيئات حقوقية تونسية عدّة مناهضة للتطبيع مع إسرائيل افتتاح فرع لمنظمة صهيونية في تونس تحت غطاء العمل الجمعياتي معتبرة ذلك تحولاً خطيراً ومحاولة لفرض التطبيع كأمر واقع وذلك بالسماح والترخيص لفرع "الرابطة الدولية لمناهضة العنصرية ومعاداة السامية" (ليكرا) وهي منظمة مُتّهَمة بدعم الصهيونية أعلن على إثرها حزب المسار عن اليساري تجميد عضوية العميد السابق لكلية منوبة الحبيب الكزدغلي إلى حين البت في وضعيته بصفة نهائية على خلفية الحرج الذي طاله بعد ما راج من معلومات تفيد بتوليه الرئاسة الشرفية لفرع الجمعية المذكورة والذي اعتبرته عديد الأطراف تطبيعاً مباشراً وصريحاً مع إسرائيل ومعتبرة العميد الكزدغلي عميدا المطبّعين في تونس ومحذرة في نفس الوقت  أنّ مثل هذه الأنشطة تشكل خطوات استفزازية في ظل ما تتعرض له القدس من تهويد.

    ولم يقتصر معسكر المطبعين على النخب الأكاديمية والعلمية بل توسع وطال أهل الفن والثقافة ففي صيف سنة 2010 فوجئ التونسيون بفيديو انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي للفنان التونسي محسن الشريف يغني في إحدى الحفلات التي يحضرها يهود من أصول تونسية في فلسطين المحتلة وهو يصيح على المسرح هاتفا بحياة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقد تعرض هذا الفنان إلى عملية عزل اجتماعي وحملة في مختلف وسائل الإعلام التونسية ومواقع التواصل الاجتماعي دفعته إلى الانسحاب من الساحة الفنية لفترة قصيرة  إلا أنه أعاد الكرة من جديد مستفيدا من مسار الديمقراطية والحرية وغياب الآليات القانونية المجرمة لمثل هذه السلوكيات  المستشرية والتي منها تبجح الفنان التونسي قاسم كافي في أحد البرامج الإذاعية المحلية قبل وفاته بمدة قصيرة بأنه زار الأراضي الفلسطينية المحتلة أربع مرات وغنى في عاصمة الكيان الصهيوني مضيفا أنه ليس الوحيد الذي غنى في فلسطين المحتلة وذكر أسماء فنانين آخرين منهم كمال رؤوف النقاطي ونورالدين الكحلاوي وغيرهم.ويذكر أن التطبيع مع الكيان الصهيوني لم يقتصر على الحفلات الغنائية التي يحييها بعض الفنانين التونسيين للإسرائيليين من أصول تونسية فقط بل شمل أيضا مجالات أخرى مثل السينماحيث يشار إلى قيام المخرجة التونسية المثيرة للجدل نادية الفاني كذلك بزيارة إسرائيل والمشاركة في مهرجان سينمائي.

 

2 / التطبيع السياسي والرسمي:

 

   ليس ثمة موقف واضح ومحدّد من إسرائيل لدى النخب السياسية حيث لا تخلو المسألة من فخاخ كثيرة فالساحة السياسية التونسية كمثيلاتها على امتداد الوطن العربي منقسمة بين توجّهين أحدهما مثالي موغل في الالتزام بالإيديلوجيا وبمعايير الخمسينات ويحلم معتنقوه بإزالة إسرائيل من الخارطة وإلقاء شعبها في البحر وهذا الشق يلاحق في مسألة التطبيع حتّى النوايا المضمرة وهذا موقف يزايد حتّى على الفلسطينيين أنفسهم بعد ربع قرن من اتّفاق أوسلو الذي نظم أفق القضية الفلسطينية على أساس الدولتين وحصر سقف الأولويات النضالية في وقف الاستيطان وحقّ العودة وملّف القدس، أمّا الموقف الثاني فموقف براغماتي يتبنّاه عادة كلّ من يجلس على كرسي السلطة يأخذ بعين الاعتبار إكراهات الالتزامات الدولية والمنظمات العالمية حيث يلتبس الموقف الرافض للفكرة الصهيونية بمعاداة السامية ويكتفي بإعلان المساندة المطلقة للشعب الفلسطيني ورفض التطبيع وتيسير كل أشكال مناهضته في الشارع وعن طريق الجمعيات والفعاليات دون الوصول إلى تجريمه.

  تشير عديد المصادر أن المرحلة البورقيبية لم تشهد علاقات معلنة ومباشرة مع إسرائيل نظراً لما شهدته تلك الفترة من مقاطعة عربية شاملة لها واحتضان تونس منظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1982، غير أن فترة التسعينيات من القرن الماضي شهدت نقلة نوعية، أثناء فترة حكم الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، وتحديداً عام 1996حين فُتحت مكاتب تمثيل بين الطرفين

وقد ذكر البشير التركي المسؤول التونسي السابق عن إدارة الاتصالات بوزارتي الدفاع والداخلية التونسيتين أن الرئيس التونسي المخلوع كانت تجمعه علاقات وثيقة بإسرائيل ومنها الموساد الإسرائيلي. مضيفا أن أول تونسي كشف علاقة بن علي بالموساد كان طالبا من خلال قيامه بعملية قرصنة لأجهزة بن علي وتمّ قتله على أثرها. وقد أغلقت مكاتب التمثيل بين الدولتين أبوابها مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، ولم تجرِ لقاءات رسمية بين تونسيين وإسرائيليين إلى حدود سنة 2005 تاريخ احتضان تونس للقمة العالمية لمجتمع المعلومات إلا أنه ومنذ الثورة يسود الغموض العلاقة بين إسرائيل وتونس إذ لا توجد علاقات مباشرة ولكن في المقابل لم يصدر عن الحكومات المتعاقبة ما يشير إلى رفض وجود مثل هذه العلاقات خاصة وأن الفاعلين السياسيين في تونس رفضوا التنصيص في الدستور على تجريم التطبيع مع إسرائيل.

 

3 / التطبيع الاقتصادي:

 

لم يكن اكتشاف ترويج مناديل مصنوعة في إسرائيل داخل السوق التونسية معروضة للبيع بفضاء تجاري معروف بالعاصمة التونسية سوى حادثة بسيطة تخفي وراءها كماً من المعاملات التجارية وتبادلاً مطردا بين الموانئ الإسرائيلية والتونسية تحت غطاء بواخر أخرى ويتم في إطار قانون التجارة الدولية حيث تشير بعض المصادر أن نسق المبادلات بين تونس وتل أبيب طيلة 22 سنة وإن كان متذبذباً فإنّه لم يتوقّف على الرغم من المتغيّرات السياسيّة التّي شهدتها فلسطين المحتلّة أو تونس على حدّ سواء. فقد مثل اللقاء الذي جمع وزير الخارجية التونسي الأسبق الحبيب بن يحيى بوزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك في برشلونة سنة 1995 النقلة النوعيّة في مسار العلاقات بين الطرفين. فبعد سنوات من التعامل عبر قنوات الاتصال السريّة في السفارات البلجيكية في كلّ من تونس وتل أبيب، افتتح هذا الاجتماع الثنائيّ المباشر مرحلة التطبيع الاقتصاديّ. وتشير إحصائيّات منظّمة التجارة الدوليّة وقاعدة بيانات الأمم المتحّدة للتجارة أنّ أولى الشحنات التجاريّة قد انطلقت منذ سنة 1995، أي قبيل افتتاح مكتبي رعاية المصالح بسنة. ليكون الكيان الصهيوني سبّاقا إلى اختراق السوق التونسيّة مقابل تأخّر تونسي نسبيّ، حيث لم تبدأ تونس في توجيه صادراتها نحو الموانئ الإسرائيليّة سوى سنة 1997. ورغم تواضع حجم هذه المبادلات الثنائيّة بالنسبة لإجماليّ العلاقات التجاريّة للطرفيّن بقيمة جمليّة بلغت 3.3 مليون دولار سنة 2015.

 

 

تُوضّح الإحصائيّات التفصيليّة الواردة في قاعدة البيانات الخاصّة بمنظّمة التجارة والأمم المتحّدة، والتّي لا يوجد أثر لها في المواقع الرسميّة للوزارات التونسيّة المعنيّة على غرار وزارة التجارة أو الخارجيّة، طبيعة السلع المتبادلة بين الطرفين. حيث تتكوّن معظم صادرات الكيان الصهيوني إلى تونس من الأسمدة الزراعيّة والمواد الكيميائيّة والمعدّات الفلاحيّة المختلفة، لتستحوذ على ثلاثة أرباع رقم معاملات التوريد بقيمة تجاوزت سنة 2012 ذروة الصادرات الإسرائيلية إلى تونس12 مليون دولار، في حين تشمل باقي الواردات المعدّات الطبيّة والصيدليّة والمكوّنات الصناعيّة الإلكترونيّة. أمّا من الجهة التونسية، تمثّل المنتوجات الفلاحية على غرار اللحوم والزيوت والبقول والحبوب 85% من الصادرات التونسيّة إلى إسرائيل. بينما تتوزّع باقي السلع المصدّرة بين الجلود والخشب والنسيج والتّي بلغت قيمتها 825 ألف دولار من إجمالي 5.5 مليون دولار في أعلى مستوى لها سنة 2017.

 

أ / الغريبة وشبهة التطبيع

     هناك إجماع شبه بديهي يؤكد أن التونسيين ليست لهم مشكلة مع اليهود في حد ذاتهم الذين لهم الحق في زيارة معبد الغريبة وهم من عاشوا في تونس كمواطنين كاملي الحقوق والواجبات إلا أن الإشكال الرئيسي يكمن في مساعي الحركة الصهيونية التي تسعى بكل جهدها الى أن تطبّع وأن تقيم علاقات تطبيع وتستغل مثل هذه المناسبات للتغلغل في النسيج المجتمعي والسياسي في تونس حيث تشير بعض أرقام التي نشرتها مؤخرا سلطة السكان والهجرة الإسرائيلية أن 949 تونسيا زاروا إسرائيل خلال عام 2018 بإدارة من إحدى وكالات الأسفار التونسية التي تقوم منذ أشهر بتنظيم رحلات سياحية إلى الكيان الصهيوني عبر الأردن والقدس المحتلة بالتنسيق مع قوات الاحتلال.

     وتسعى تونس الثورة إلى تكريس قيم المواطنة والحرية والتعددية وعدم التفريق بين المواطنين على أساس الدين أو العرق تطبيقا لما جاء به دستور جانفي 2014 من تكريس للمبادئ الإنسانية المشتركة التي تجمع بين الناس في مختلف أصقاع العالم والمؤسسة لقوانين وضوابط تجعل من حرمة الإنسان وقيمته محورا لكل المتغيرات بل وأدوات للتصدي للعابثين بكرامة البشر وحياتهم عبر أشكال متعددة من الإرهاب وهو ما يتيح ليهود جربة المحافظة على ممارستهم الدينية

 

 

 

وثقافتهم في بلد يفاخر بتساوي جميع مواطنيه بقطع النظر عن الديانات ويبرز تقاليد تونس الراسخة في التسامح واحترام جميع الأديان كرافعة أساسية للسلام والاستقرار ومكافحة الإرهاب الذي يهدد الجميع في أي بقعة من بقاع العالم.

    ولكن هذا الجو المفعم بالإنسانيات الطوباوية تبدده عديد التجاوزات التي رافقت زيارة الغريبة لهذه السنة فقد بثت القناة الثانية عشرة الإسرائيلية تقريرا مثيرا للجدل أكدت خلاله أن عدد السياح الإسرائيليين الذي شاركوا في الموسم الحالي والذي بلغ رقما قياسيا منذ 2011 وأرفقته بفيديو أظهر عددا من الإسرائيليين القادمين من عدة مناطق في فلسطين المحتلة وهم يهتفون "تحيا تونس.. تحيا إسرائيل.. فليبارك الله لجميع جنود الجيش الإسرائيلي" أثناء جولة للسواح الإسرائيليين في أرجاء تونس شملت منزل الشهيد الفلسطيني "أبو جهاد" في سيدي بوسعيد الذي اغتالته يد الغدر الإسرائيلية على الأراضي التونسية في تحد صارخ لمشاعر التونسيين.

    إن كلّ هذه الدلائل تشير إلى أنّ مجرّد التفريق بين اليهودية والصهيونية لم يعد كافيا لحلّ معضلة الالتباسات الديبلماسية والسياسية لهذا المفهوم فهذا الموقف هشّ لأنّه ينبني على ضبابية في المفاهيم ولم يعد يفي بالحاجة لتفادي شبهة التطبيع في كلّ ما يستجدّ من تطوّرات لا تتجلّى فيها العلاقات واضحة مع الكيان الإسرائيلي بشكل مباشر. كما أن مفهوم التطبيع في حدّ ذاته يحتاج الى مراجعة أو إعادة تحديد بعد كلّ التطورات الميدانية والديبلماسية التي شهدها الملفّ الفلسطيني على امتداد السنين الماضية لاسيما بعد إمضاء معاهدة كامب دافيد الأولى التي فصلت نهائيا بين عهدين في سياق العلاقات العربية الإسرائيلية وتوقيع معاهدة أوسلو ووجود سلطة فلسطينية في غزة والقطاع.

الخاتمة

عُرفت بلادنا تونس تاريخيا بمواقفها المساندة للقضية الفلسطينية وتسود القناعة أن الشعب التونسي مرتبط ارتباطا عضويا بالقضية الفلسطينية من خلال عديد التعبيرات السياسية والفكرية التي ما فتئت تجدّد العهد مع القضية وآخرها الحرب على غزّة سنة 2008 وما أتاه الشعب التونسي من مظاهرات واحتجاجات وكذلك الحضارية من خلال تاريخ حافل بين الشعبين بدأه التونسيون المناضلون وهم يتوجهون إلى فلسطين سيرا على الأقدام من أجل نجدة فلسطين

 

المنكوبة سنة 1948وتواصل مع محطة حمام الشط 1985 والتي اختلط فيها الدم التونسي بالدم الفلسطيني.

فما المبرر اليوم لوجود من يحاولون فرض التطبيع في أشكاله وتمظهراته المختلفة السياحي والتجاري والثقافي في الوقت الذي يكشر فيه الكيان الصهيوني عن لأنيابه في غزة والأراضي المحتلة ويمعن في التقتيل والتهجير والاستيطان  والاعتداء على الأرض والعرض في غفلة ولا مبالات بالقانون والأعراف وفي الوقت الذي لا توجد فيه تربة سياسية وفكرية وحضارية وثقافية في تونس تقبل بالتطبيع مع إسرائيل لاسيما بعد ثورة أعادت للشعب ساداه على القرارات والمواقف.

    وتسعى الديبلوماسية التونسية في كل مناسبة إلى تذكير المجتمع الدولي بحجم المعاناة المتواصلة للشعب الفلسطيني المناضل من أجل حثه على "ضرورة تحمّل مسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية العادلة، لاسيما في ظلّ تمادي سلطات الاحتلال في سياساتها العدائية وانتهاكاتها الممنهجة لحقوق الفلسطينيين ومقدساتهم وأراضيهم ومقدراتهم الوطنية، في تحدّ صارخ لقرارات الشرعية الدولية واستهتار كامل بالمعاهدات والأعراف الدولية (ببيان تونس بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني) ولاسيما التعدي السافر على السيادة التونسية من خلال تنفيذ الاغتيالات الجبانة للمناضلين ورموز الكفاح الفلسطيني بدءا بأبي جهاد وصولا الى الشهيد الطيار محمد الزواري رحمه الله.

   وقد أصبح الحذر والانتباه واجبين في ظل التطورات الدولية والإقليمية المحيطة بالقضية الفلسطينية من أجل التصدي لكل المحاولات الرامية الى تهيِّئة الرأي العام في العالم العربي والدولي لمزيد من خيارات التطبيع مع إسرائيل خاصة وأن  بعضاً من الدول العربية تسارع الخطى من أجل تنفيذ ما يسمى "بصفقة القرن"باعتبارها محطَّة أخرى من محطات التطبيع الفعلي والمباشر والأكثر انتقاصا وإجحافا بالحقوق الفلسطينية والعربية منى جهة وإرضاءً للولايات المتحدة الأمريكية وموافقة علنية على تمرير هذه الصفقة المشبوهة والمشوهة التي يرفضها الشعب العربي بكامل مكوناته  من جهة أخرى إذ لا أحد يستطيع إقناع العرب طوعا أو كرها بالتنازل عن القدس أو التفريط في حق العودة وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وتركيز دولتهم الحرة والمستقلة.

 

عبد الباسط الشايب (باحث وإعلامي)

 

 

 

 

 

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك