ورشة عمل : العنف المسلّط على المراة والطفل في تونس

 في ورشة عمل عقَدها مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسيّة بتاريخ  9 جوان 2017 ، بعنوان : “العنف المسلط على المراة والطفل في تونس” تناول ممثّلون عن مجتمع مدني ونوّاب برلمانيون ونشطاء سياسيّون ما أشْكل من القانون المعروض على البرلمان للمصادقة عليه. افتتح الورشة رئيس المركز، الدكتور رفيق عبد السلام مبينا أهميّة المبادرة التشريعية المعروضة موضحا اتساع دائرة الجدل حولها  داخل أروقة المجلس وخارجه. فالعنف ظاهرة اجتماعية صارت لافتة للاعناق، مكينة  يشتد وقرها على المراة في تونس رغم المكتسبات التشريعية الضامنة لحقوقها منذ تشكيل دولة الاستقلال.  تعززت مكانة المراة بعد الثورة  بفضل مشاركتها  في كل مناحي الحياة، لكن تبقى مناطق فراغ تشريعي تحتاج رؤية في المدونة القانونية، وكل مدوّنة تحتاج إلى إعادة نظر وقراءة أثرها في الواقع. ثقاتنا السياسية العامة تمارس أقدارا متفاوتة من العنف الجسدي يسبقه العنف  المعنوي المهين , والاسئلة الرئيسية الحارقة  تتطلب اكثر ضمانات تشريعية وقانونية وثقافيّة سياسية  نابذة للعنف طاردة للتمييز  رافضة للفصل بين الجنسين. يبقى العنف ثاويا في الفؤاد الانثوي بسبب التقاليد والاعراف والخوف الاجتماعي. وتبقى اشكالية  النّوع الاجتماعي وتعريف المصطلح في سؤال  الحركات النسوية بمختلف مشاربها. والحركة النسوية التونسية ليست معزولة عما يقع في العالم من  تغييرات قانونية ومن الطبيعي ان تصلها امواجه.
ابتهال عبد اللطيف: رئيسة لجنة المراة بهيئة الحقيقة والكرامة
قامت فلسفة العدالة الانتقالية على  العدالة بين الجنسين. فصول القانون تروم منع تكرا ر العنف ضد النساء ظاهرة مستحكمة وفق إحصاءات حديثة. العنف ليس من الرجل تجاه المراة فقط ، بل كان  مسلَّطا  من الدولة وباسمها ايضا، و يظل النوع الاجتماعي في مفهومه المطلق الذي  طرح بالطريقة نفسها في العدالة الانتقالية  مراعاة لخصوصية النساء. في كل بلدان العالم تفضل المراة الصمت عما يلحق بها من أذى. و خصوصية  طرح “النوع الاجتماعي” لازالت قضية على تطفو على سطح نخُبوي  ولم تلامس  قاعا اجتماعيا حقيقيا. أثبتت الاحصائيات في العدالة الانتقالية ان المراة ضحية العنف. وعند بداية عملنا لاحظنا ان  5 % فقط الضحايا أودعن ملفاتهم  حذر كشف السرّ. ولذلك ارتأت  الهيئة ان تكون  كل  متقبلات الضحايا من الهيئة  من النساء ايضا.  وولذلك كانت الانتهاكات الجنسية تستقبل ثم توثّق بطريقة مشفّرة دون اسماء. وتركزت وحدة العناية الفورية والمختصين النفسيين للعناية بالغرض. الاثار لازالت ثاوية في وجدان الضحايا وفيهن من تنهار يوم ايداع الملف. هول ما جرى زمن الاستبداد جعلت خبراء الانتقال الديمقراطي في العالم يتعجبون  من ظاهرة  التطليق القسري  في عهد بن علي واخذ الزوجة “بجريرة” الزوج السياسية المعارضة  .  استقبلت الهيئة   16 الف ملف مودع من قبل النساء ، ومن بين 4 آلاف حالة وقع الاستماع اليها توجد 87 حالة  اجبرت  فيها الشرطة الزوجة على تطليق زوجها السجين. و 48 منهن دُفعن  الى الهجرة القسريّة، و1070 خضعن  للمراقبة الادارية و 1486  مُنعن  من الارتزاق. المنشور 108 لم يكن فقط منعا للحجاب بل توالت تداعياته الى حجْر  القوت والعمل وحق الحياة ومنع الارزاق وضرب الاعناق. يبدو القانون الجزائي التونسي بعيد جدا عن القوانين الدولية، و التحرش له تعريف ضيق في القانون. يرفض لفيف اعتبار خلع حجاب المراة عُنوة  تحرشا جنسيا رغم انه تعرية لجزء من جسدها. فظاعات النظام كانت كبيرة، ومن الضحايا من  افتضت  بكارتها  بآلة  حادة عن طريق طبيب. توالت القصص المؤلمة، ابشعها حالات اغتصاب جماعي لفتاة شارفت اثرها على الجنون  والعتَه. ردهة من الايقاف وبرهة  التحقيق  في مركز الشرطة  بسبب قضية سياسية كفيلة بجعل  المراة موسومة بالسّوء على وجه الدهر وينظر اليها كمن قلّدت أهلها عارا ، اما الرجل فان نضاله  قد يعدّ  بطولة. في الحقيقة  كان الجلاّد الاكبر للمراة المناضلة هو المجتمع نفسه بعد  السّجن. دفعت المحنة نساء الى التفكير في الانتحار تخلصا من ضَيْم القمع.  وظللن  تحملن  إصرا يفوق طاقتهن على التحمل.  وما يؤسف، ان تونس تحوز  أعلى الارقام في المنطقة في العنف ضد المراة واكبر العَسف والخسْف كان من الدولة ذاتها. يجب تجريم التطليق القسري والتزويج القسري وكلاهما في الظلم شرق . ومما يزيد الطين بلة ان نسبة العنف المسلط على الاطفال تجلى في مغادرة  300 طفل مقاعد الدراسة قبل السنة السابعة اساسي. ويبدو المجتمع التونسي متضررا في عمقه وجبْر الكسْر فيه يحتاج وقفة . كل شواهد التاريخ وردت فيها الدولة موارد الزّلل والفظاظة والفظاعة و كان فيها العنف على جدول أعمالها اليومي في هدر بغيض للكرامة الانسانية .
محرزية العبيدي : عضو لجنة الحقوق والحريات بمجلس النواب
انطلقت مسيرة القانون بمبادرة تشريعية قُدّت في حكومة المهدي الجمعة سنة 2014،  رُفضت صيغته  الاولى، وأعيدت في حكومة السيد الحبيب الصيد وأواخر عهده بالحكم. اعتقد ان جذور التغييرات في تصحيح وضعية المراة  متأتية من فترة المجلس التاسيسي ، وليس ادل على ذلك من ان الفصل 46  من دستور الثورة اوضح “ان  الدولة ملزمة باتخاذ جميع الاجراءات لحماية المراة من العنف” فهو استحقاق دستوري. ولكن منذ 2008 قاد “بان كيمون” الامين العام لمنظمة الامم المتحدة الحملة لصالح تغييرات لوضعية المراة. وقبلها سنة 1995 و1996 في مؤتمرات دولية  لينطلق التشريع على المستوى القُطري والدولي. و بلدان المغرب العربي معنية بتغيير التشريعات التزاما امام المجموعة الدولية. رُفض مشروع كاتبة الدولة ليلى شعبان لاشكاليات وردت فيه ، من ضمنها كيفية  تنزيل مفهوم النوع الاجتماعي ووقع التساؤل  هل يقع الاكتفاء بالاتفاقيات الدولية ام نمنحه  مفهوما خاصا. وقد اثارت جريمة اغتصاب الزوج لزوجته  جدلا واسعا في ثنايا تعريف انواع العنف، وازيح من الفرضية الاولى لمساسه بقيم الاسرة واستقرارها. مع السيدة  سميرة مرعي وزيرة المراة ، جاء المشروع الجديد. المشروع حساس ومر بمجلس الوزراء وهو الآن من أنظار المجلس. جوهر  القانون  معياري ويسمى قانونا اطاريا لشموله. يعرّف الضحية  والسؤال يبقى من الضحية؟ فكثيرا ما يُقرن بين المراة و الاطفال كضحية. للقاضي سلطة  تقدير ظروف الاستضعاف، وكان الخيار بين لفظ الاستضعاف او الهشاشة في القانون في التوعية بأنواع العنف، وانتهينا الى القبول بمصطلح الاستضعاف. بعد حانبه المعياري، احتوى القانون ايضا على  الجانب  الحمائي،  كالاحاطة بالمراة في قضايا العنف مثل طريقة الاستقبال في مراكز الأمن بعد التعنيف  و وتوفير أماكن الايواء. في حالات كثيرة سيقع  تشديد العقوبة في الاعتداء على حقوق  الطفل والمراة. لكن لا ننسى ان  العديد من الفصول في المجلة الجزائية سيتم تعديلها، وهذا قد  يحدث اظطرابا في المجلة الجزائية وهنا يطرح مشكل تقني. مجلتنا الجزائية عمرها اكثر من قرن ولكن تعديلها لا يجب ان يكون مسكونا بمواكبة المعايير الدولية وينأى  بجانبه عن خصوصية مجتمع واثر التشريع الجديد فيه.  الاغتصاب قانونا يقصد به الاعتداء الرجل على المراة ولكن حالات الاغتصاب أصبحت تشمل الذكور وخاصة في صفوف الاطفال، ومن هنا يصبح مفهوم الضحية المراة وابنائها. اسئلة عديدة تطرح وقد يقع الاغتصاب بين مراهقين، بين شباب حدثاء الاسنان،طفل  عمره 16 وفتاة بعمر 15. ما يمكن الانتهاء اليه  ان  العديد رفضوا القانون دون  الاطلاع عليه وأرى ان فيه  حماية للاسرة. القانون رفض دون فهمه ولست ادري  كيف يتُهم بتمزيق الاسرة؟. النوع الاجتماعي عبارة  تثير الغموض واعتقد بافضلية استعمال عبارة  العنف القائم على التميز بين الجنسين وليس على النوع الاجتماعي.
يمينة الزغلامي : عضو لجنة  المراة والطّفولة بمجلس النواب
لا تكفي التشريعات لحماية المراة رغم تفاقم الظاهرة المستفحلة. و رغم الانجازات التشريعية، فان المراة  التونسية لازالت ضحية العنف.  والقانون يطبق  بينما العنف يستفحل ويشتد ساعده وصار يخلّف عاهات. خطر النقاش في انحساره  في المربعات الايديولوجية التي لا تفيد المراة و المقاربة يجب ان تكون اجتماعية ثقافية وتربوية. الاشكاليتان تبدوان في  النوع الاجتماعي، والفصل 227 مكرر.اعتقد ان تعريف الامم المتحدة سنة , 1994 والمواثيق الدولية للعنف القائم على النوع الاجتماعي يبدو مقبولا. بعد قضية فتاة مدينة الكاف بالشمال الغربي  في عمر – 16 عاما – و المغتصبة  والتي حكم  القاضي بتزويجها ، كانت هنالك مبادرة تشريعية الغت جزءا من  الفصل 227 مكرر. قُدمت قراءتان نقديتان للقانون، الاولى من جمعية “نساء تونسيات” و”جمعية النساء الديمقراطيات”  اللتان شددتا على ضرور الغاء الاحام التي تمكن الجاني من الافلات من التتبعات القضائية،  وحذف امكانية زواج الجاني بالضحية. فقد اثبتت الاحصائيات ان  العلاقة الزوجية بين الجاني والضحية  فاشلة بالضرورة ، بل ليس مبررها بناء الحياة الزوجية بل   مصلحة الجاني ف”زواج الجاني بالضحية يوقف التتبع”. ولست ادري كيف نجمع بين الضحية والجلاد تحت سقف واحد. 
 النقاش :
تناول الجدل  بين الحضور  عدم ايلاء القانون اهتماما للمراة المعوقة التي لا تجد متسعا للحياة بين الناس، ومدى جدوى القوانين وقدرتها على كبح  جماح العنف.  ففي فرنسا، التي لا تفتقد الى القوانين تكون المراة ضحية العنف كل 3 دقائق.  اكد البعض على ان  المصلحة الاسرية تُسبّق على دور القاضي وضرورة اعادة دور الوسيط قبل اللجوء الى القضاء. تبقى  السلطة التقديرية  للقاضي في حسم الامور بين المتنازعين. ولكن ما يعاب على القانون  التكرار والكثافة ، والحال ان القاعدة القانونية يجب ان تكون مجردة و يغلب عليها الطابع الانشائي. علامة استفهام كبرى حول مفهوم النوع الاجتماعي والصورة النمطية للمراة  بالاضافة الى  خلل في تعريف “حالة الاستضعاف” في  الفصل  3 الذي يعتبر مهزلة حسب البعض، لانه يعرّف  حالة الاستضعاف، بانها “الحالة التي تعتبر فيها المراة مُكرهة على الاستغلال ” بما يعني ان المراة هي بناصيتها تحديد حالة الاستضعاف وليس القاضي وتحوز مكانة  الخصم والحكم . يتجلى الحيف فاقعا خاصة اذا ماربطناه بالفصل 226 الذي ينص على انه في حالة عدم سماع الدعوى وبطلان الدعوى لا يحق للمشتكَى به ان يطالب بالتعويض، وهذا انتهاك صارخ لحق الانسان وحيف وقسمة ضيزى تزيد من الاحتراب الاجتماعي. القطاع الاعلامي فيه 75 بالمائة من النساء ولكن من يشرف هم الرجال  . للقانون اهمية  ولكن العقلية الذكورية هي المهيمنة وسط المؤسسات الاعلامية. بينما تساءلت  ناشطات عن سبب مصطلح النوع الاجتماعي وسبب تمويل المشروع والتحفز له اصلا، وتساءلن عن خلفيته  وجدواه وخلفيته الحضارية والفكرية وعدم اعتماد : مصطلح الطفل والمراة والرجل كما دأَبت البشريّة على تسميتهم .

أكتب تعليق