مسارات الثورة و الانتقال الديمقراطي في تونس وسؤال المسير


الملخص
” تشخيص الوضع محلّ شبه إجماع ويلُوكُهُ الجميع “، هكذا تحدّث الأمين العام السابق للاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي في ندوة انعقدت الخميس 27 أفريل بالعاصمة موضوعها الوضع الاقتصادي والاجتماعي( تنظيم قسم الدراسات باتحاد الشغل) .فضبابية المشهد السياسي في تونس وصعوبة الوضع الإقتصادي وارتفاع وتيرة الحراك الإجتماعي الإحتجاجي والتنازع حول التشريعات وتباين المواقف حول إرساء الهيئات والمجالس الدستورية غدت علامات مُميّزة لمسار الثورة ذات السنوات الست ولسيرورة الانتقال الديمقراطي وكذلك لواقع حكومة يوسف الشاهد في مفتتح شهرها التاسع. لكن الضبابية والهشاشة وربما التعثّرُ تُعدُّ منتظرة بل يمكن وصفها ب” الطبيعية” في فترات استكمال مسار الثورة وتنزيل مبادئها المدسترة وهو ما يُعْرَف بطبيعة الانتقال الديمقراطي. صعوبات يراها البعض حُجَّة كافية للارتداد والحنين إلى واقع ماقبل الثورة ، و يقتنصها آخرون لاسترجاع لحظة انبجاس الثورة ذاتها، في حين أنّ المطلوب اليوم هو السير لاستكمال الاستحقاقات المُدَسْترة والمُجْمع عليها وطنيا . السير في اتجاه التجسيد لا يحرّكه الخوف من الفراغ وسيناريوهاته المفتوحة، وإنما دافعه اليقين بأنّ المجالس الدستورية والهيئات المستقلة وإدارة التنمية والشأن المحلي لامركزيا آليات قادرة على إدارة ” الصراع” بشكل ديمقراطي يعصمنا من الارتداد ومن العودة إلى نقطة الصفر.


المقدّمة
الشعور العام بعدم الرضا عن آداء مؤسسات السلط التنفيذية والتشريعية والقضائية بل والحزبية والمنظماتية ليس مجرّد حالة نفسية في حاجة الى التأكيد ، بل هي حقيقة أثبتتها عمليات قياس الرأي المعلن عنها للعموم أو المُنجزة حصريّا لفائدة فاعلين سياسيين في الداخل أو منظمات تُعدّ امتدادات لوزارات خارجية ووكالات استخباراتية. ومن المؤكد أنّ للخطاب السياسي والإعلامي المتداول دورا هاما في تغذية هذا الشعور الذي يعكس في الحقيقة واقعا معيشاً وملموساً. فما نراه اليوم ، في الأغلب الأعم، هو عملية تحميل للمسؤوليات سواءً للتغطية عن عجز تجسيد المعلن من الأهداف التنموية والسياسية أو من أجل التهرئة الإنتخابية ، في حين أنّ مرحلة الانتقال الديمقراطي وتجسيد مبادئ الثورة المدسترة تقتضي نقاشاً عموميا حول قسط المسؤولية في الإنجاز بغض النظر عن التموقع سواءً في السلطة أو المعارضة ، في منظمات العمال أو الأعراف ، في صفوف النخبة العالمة أو المجتمع المدني.
بين الرِئاستَيْن أو ماوراء التناغم
السلطة التنفيذية برأسين أو النظام شبه الرئاسي أو الشبه البرلماني بصيغته الحالية لم يكن وليد خيار عقل جمعي أو رؤية استراتيجية للمؤسِسِين ،وإنما كان وليد توافقات حركّتها تجاذبات سياسية وحسابات لتموقعات مستقبلية مفترضة لحظة كتابة الدستور. فالمفترض في ” مخيّلة” سياسيي لحظة كتابة الدستور هو أن يكون رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة من حزبين أو بالأحرى من توجهين وخيارين سياسيين مختلفين ، غير أنّ التصويت المفيد وأشياء أخرى أفرزت أغلبية برلمانية( لحظة فرز الأصوات ) ورئاسية من ذات الجنس ، ولن نجانب الصواب إن قلنا أنه من الطبيعي أن يكون التناغم هو المميّز للرئيسين . فرئيس الجمهورية موجود في قرطاج بذاته ، ورئيس الحكومة في القصبة بغيره الذي هو رئيس الجمهورية زائد وثيقة قرطاج. والموجود بغيره مطالبٌ بالإنجاز على الأرض وباحترام الوثيقة وتفعيلها وتجسيدها والحفاظ عليها حتى لا تهترئ . لكن واقع الحال يشير إلى تراجع حزبين عن سقف الوثيقة( حركة مشروع تونس والاتحاد الوطني الحر) و دعوة اتحاد الأعراف إلى تجديد التلاقي حول “النص المؤسس ” للنظر وربما التحيين ، في حين أشعل اتحاد العمال الضوء البرتقالي في أكثر من مناسبة بحجة خرق النص من قِبَل السلطة التنفيذية وفي أدنى الحالات اعتبار الاتحاد تأويل السلطة التنفيذية فاسداً بالمعنى المنطقي للفساد. رئيس الحكومة ليست لديه شرعية الانتخاب بل لديه مشروعية الأداء وتجسيد مقتضيات الوثيقة ، وواقع الحال يؤكد أنّ النوايا متوفرة والسعي حثيث لكن اكراهات الواقع لها الكلمة العليا. الإنجاز بترفيع نسبة النمو وتسريع نسق الاستثمار والمحافظة على التوازنات المالية والشروع في تجسيد الإصلاحات الكبرى والتخفيض من التوتر الاجتماعي تُعدّ مفاتيح استمرار التناغم بل تفتح الأبواب لرسم سيناريوهات مابعد العهدة الانتخابية الحالية ، أما خلاف ذلك فللضرورات مقتضياتها.
الأداء الحكومي والبحث عن الإسناد.
المألوف الديمقراطي يقضي بالمحاسبة بعد مائة يوم من نيل الثقة البرلمانية ، لكن المناخ الإعلامي العام تغاضى عن هذا الموعد تقديراً لاعتبارات عدّة وأعطى فترة سماح أطول للحكومة قطعتها ” الأزمات الذاتية” على غرار مضمون مشروع قانون المالية و اقالة وزير الشؤون الدينية عبدالجليل بن سالم واستقالة أو اقالة وزير الوظيفة العمومية والحوكمة عبيد البريكي والاحتجاج على معوّضِه ثم إلغاء الوزارة ذاتها ،إضافة إلى ملف دعوات اتحاد الشغل الممضي على وثيقة قرطاج( نقابتا الأساسي والثانوي وتبنّي المركزية للمطلب ) إلى اقالة وزير التربية ناجي جلول. فترة السماح انقطعت ذاتيا كذلك بسبب أزمة المالية العمومية وتوازناتها المنخرمة و تفاقم التوريد وتقلص التصدير وانهيار الدينار بفعل سوء الأداء الاتصالي وغيره . ولعلّ العامل الأبرز للعيان عن انتهاء فترة السماح هو عدوى الاحتجاجات الإجتماعية الجهوية على خلفية تعطل قطار التنمية ، وذلك بغض النظر عن المتسبب فيها هل هي دولة الاستقلال ككل أم حكومات مابعد الثورة أو فشل حكومتيْ ما بعد انتخابات 2014 في تجسيد مقولة استمرارية الدولة ومواصلة تنفيذ تعهدات الحكومات السابقة لها . نجاح حكومة يوسف الشاهد مشروط بتحقيق انجازات سريعة يشعر بها المواطن سواء كان طالب شغل أو عامل أو مستثمر ، فالشعور بأنّ شيئا ما بصدد التحقق من شأنه أن يفتح بوّابة الأمل . والنجاح مشروط كذلك باستعادة ثقة عموم التونسيين من خلال تحويل الخطاب إلى فعل ، من ذلك ملف الفساد سواء بحسن التصرف في أموال المجموعة الوطنية بعدم انفاقها في أبواب يعتبرها المواطن غير ذات جدوى لأنّ الرمزية مهمة جدا ، أو بإعطاء الدليل المادي والملموس على أنّ الحكومة تحارب الفساد فعليا لا بالخطاب ذي الصبغة التسويفية.أمّا الشرط الثالث للنجاح والكفيل بحلّ أزمة الثقة فيدور حول الاتصال ، بدْءا بالعمل على تقديم صورة الحكومة الموحدّة وليس ” حكومة وزراء” لا رابط بينهم ، ومروراً بتجويد الأداء و القطع مع عقلية المطافئ وتوحيد المواقف والخطاب بين الوزراء والمستشارين، وانتهاءً بالوعي بأنّ ما يريده المواطن هو مصداقية الاتصال السياسي وليس التسويق الدعائي. ويبقى نجاح الحكومة رهين مدى التفاف الائتلاف المكوّن لها حولها. فالراصد للمشهد الحكومي والائتلاف الداعم له لا يجد أيّ عناءٍ للوقوف عند غياب أُطر التنسيق والتشاور على مستوى مشاريع القوانين والاصلاحات الكبرى والقرارات ذات التأثير المباشر على الائتلاف ذاته( التغيير الجزئي للحكومة مثلا) . و يزداد الوضع سوءًا وتعقيدًا عند إحصاء مواقف أحزاب الحكم عند الأزمات حيث نجد الحسابات الحزبية سابقة على ضرورات توحيد الموقف. فانفراد رئيس الحكومة بالقرار تفعيلا لصلاحياته الدستورية تُقابله مُكوّنات الائتلاف بتغليب الحسابات الذاتية على ما سواها من أهداف.
الحراك الإجتماعي بتطاوين و ارشيف الحلول
الاحتجاج الإجتماعي وصعوبة الوضع المالي والاقتصادي وجدل الطبقة السياسية حول إرساء المجالس والهيئات وحول بعض مشاريع القوانين وعدم استقرار الوضع الأمني والسياسي في الدولة الجارة ليبيا ،تُعتبر نقاط ضعف المشهد الوطني عموما وليس المشهد السياسي ، ذلك أنّ مفاعيلها وتأثيراتها لن تتضرر منها رئاسة الجمهورية أو حكومة يوسف الشاهد أو الائتلاف الحزبي الحاكم والمنظمات الوطنية الداعمة فقط بل ستتضرر الدولة ككل ومسار الانتقال الديمقراطي بما هو مُنتَج الثورة الأساسي والمُميَّز للتجربة التونسية. الماسكون بالسلطة اليوم يحاولون تدارك نقاط الضعف تلك دون أن يسجلوا نجاحا ذَا اعتبار ، غير أنّهم أغفلوا إحدى أهم أبجديات العمل السياسي وتقدير المواقف فيه والمتمثل في ضرورة القيام بالتحليل الرباعي( نقاط الضعف ونقاط القوة والمخاطر والفرص). فنقطة الضعف الرئيسية اليوم هي التركيز على نقاط الضعف والمخاطر ومحاولة تلافيها ( وهذا مطلوب وضروري) دون إيلاء الأهمية اللازمة لنقاط القوة وللفرص . أرشيف الحكومة رئاسةً ووزارات يُمثِّل أولى نقاط القوة ، وسنضرب على ذلك مثالا وفي رصيدنا عدد كبير منها . الأزمة الحالية في تطاوين تعاطت معها الحكومة ورئيسها على أساس أنها أزمة تشغيل أساسا فحملت معها و ” في يدها” حزمةً من القرارات ذات الصبغة التشغيلية بغض النظر عن طبيعتها( دائمة أو ظرفية أو هشّة ) ، في حين أنّ جوهر الأزمة هي انعدام الثقة في السلطة المركزية في علاقة بالشفافية في الثروات الطبيعية وفي عدالة توزيعها ليس وطنيا فقط وإنما خارجيا كذلك . أرشيف الحكومة يحتوي تجربة أثبتت نجاحها وهي انتهاج وزارة الطاقة والمناجم لحظة التأسيس ( رئيس الحكومة الحبيب الصيد والوزير منجي مرزوق) سياسة الشفافية بنشر العقود والعمل تدريجيا على نشر ليس الإنتاج الشهري العام وإنما التفصيلي إضافة إلى الزام المؤسسة الأم ( المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية) بضرورة النشر الدقيق لكل المعطيات المالية والجبائية ، أضف إلى ذلك أنّ الوزارة حينها اتخذت خيار إعادة النظر في مجلة المحروقات ( وكذلك المناجم) برُمتّها لجعلها أكثر عدالة وشفافية . لكن المؤسف هو أنّ الشفافية اليوم في ذات الوزارة غدت جزءا من الملفات المسكوت عنها.
لقد كان بوسع رئيس الحكومة عند زيارته لتطاوين أن يُعلن عن التزامات ذات صلة بالشفافية وذلك ضمن رؤية شاملة وتشاركية ، وهي في الحقيقة رؤية موجودة في أرشيف الحكومة ( الانخراط في المبادرة الدولية للشفافية في الصناعات الاستخراجية ، وهي مبادرة قوامها التشاركية مع المجتمع المدني في هذا الملف الحسّاس) .أرشيف الحكومة يحتوي جهدا محمودا في نطاق المسؤولية المجتمعية للشركات البترولية ، وكان بإمكان رئيس الحكومة أن يرتقي بهذه الآلية إلى مستوى القانون علما وأنه توجد مبادرة تشريعية من النواب في هذا الباب ، ولا يوجد إيّ مانع قانوني أمام الحكومة للتبنّي والتطوير ودعوة المحتجين للإسهام فيه ضمن استشارة وفق آجال زمنية تشمل كل مناطق الانتاج والتطوير وليس تطاوين فقط .أرشيف الحكومة يحتوي وعودا والتزامات لا يمكن شطبها بالقول أنها لم تكن واقعية ، بل المطلوب هو القيام بعملية جرد تفصيلي لها ومتابعتها من حيث الإنجاز والتنفيذ وتقديم جدول تفصيلي لها لعموم المعنيين مع وضع الاصبع على ما أنجز وماهو بصدد الإنجاز وماهو مبرمج فعليا ، وهنا يمكن وضع قائمة في الوعود غير القابلة للتنفيذ مع عدم الاكتفاء بذلك بل ضرورة تقديم البدائل الواقعية . وبذلك تحافظ الحكومة على مفهوم استمرارية الدولة وتنتزع ثقة المواطن بِحُكْم تصرّفها الأخلاقي . أمّا شطب الوعود السابقة وتعليقها على كاهل السلف فلن يُثمر إلاّ اهتزاز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة ، دولة كلما جاءت حكومة نفضت يدها من التزامات السابقين.
استثمار نقاط القوة
الخروج من الأزمة الحالية في أبعادها السياسية والإقتصادية لن نصفه بالوارد أو الممكن ،فهو ضروري بل نحن مجبرون على جعل النجاح في عملية الانتقال الديمقراطي وتجسيد مبادئ الثورة المدسترة السياسية منها والإقتصادية والإجتماعية قَدَرنا.والسبيل إلى تجاوز اللحظة الحالية المتسمة بنوع من الضبابية وبسعي البعض لإعادة رسم المشهد السياسي برُمّته يمُرّ حتما عبر تثمين نقاط قوة التجربة التونسية وتلافي الاخلالات البادية للعيان ،من ذلك:
– تجسير الهُوّة بين المواطن ومؤسسات الدولة عبر إعادة الثقة وضخّ الأمل ببناء سردية قوامها الحلم بمستقبل أفضل . وهذا من أوكد مهام السلطات التنفيذية والتشريعية كذلك . وإعادة الثقة مشروطة بشعور المواطن بتطابق الأقوال للأفعال وعدم تضارب السياسات والقطع مع بعث الرسائل السلبية .
– ضبط سياسة اتصالية شاملة تُبرز خط سير السلطات التنفيذية برأسيها نحو تحقيق الأهداف الوطنية والمواطنية
– إعطاء مضمون للائتلاف الحكومي عبر ارساء اليات تنسيق لتوحيدالسياسات والمواقف ولوضع حدّ لكل ما من شأنه أن يُعطي انطباعا بأنّ الائتلاف مجرد تجمّع ظرفي ومصلحي وغير متناغم .
– تثمين نجاح الجهود إلى الآن في الحد من مخاطر الارهاب رغم استمراره كتهديد للأمن القومي مما يستوجب يقظةً مستمرّة وحدةً وطنيةً حقيقية من الضروري ترجمتها في ساحة الفعل السياسي ، وعدم انتظار اعتداء ارهابي – لا قدر الله- لتفعيل شعارات الوحدة لمقاومة الخطر الداهم بل الواقع فعليا.
– تحقيق إنجازات سريعة يلمسها المواطن وذلك في مجالات التشغيل والاستثمار الداخلي والحفاظ على المقدرة الشرائية من مزيد الاهتراء.
– الإسراع في استكمال تنزيل الدستور وتجسيده وارساء المجالس والهيئات الدستورية وذلك لطمأنة النخبة والطبقة السياسية وبالطبع عموم المواطنين من أنه لا ارتداد على المكاسب .
– الشفافية كأولوية مطلقة في إدارة الملفات كفيلة بترفيع منسوب الثقة ، وعليه من الضروري إن تكون لنا سياسة شاملة في المجال .
الخاتمة
ضبابية المشهد وصعوبات الواقع والتحديات الاقتصادية والاجتماعية حقيقةٌ لا يمن التغاضي عنها أو انكارها ، لكنّ سبل تجاوز هذا الوضع الملازم في الأغلب الأعم لكل تجارب الانتقال الديمقراطي إثر الثورات الشعبية على نُظم الاستبداد والديكتاتورية متوفرة شريطة عدم الارتهان الى منطق الارتداد والارتكاس أو الارتهان الى الخيارات العدمية أو الفوضوية . ولعلّ المهم في معركة أو مسيرة تجسيد مبادئ الثورة المدسترة في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو التنافس حول تقاسم المسؤولية في الإنجاز عِوَض التنابز برشق بَعضنا البعض بتحمّل مسؤولية التعثّر .

أكتب تعليق