ماكْرون في الاليزيه : درس في الحدس وجدل اليمين و اليسار و الوسط


ملخّص :
أسدل الستار عن نتائج الرئاسيات الفرنسية ليتضح حدس “ايمانويل ماكرون” الوافد الشاب على قصر الاليزيه. في قراءة لاهمية الوسط في سباق الرئاسة وحسم الامور، وبتجاوز لثنائية اليسار واليمين تمّ الرقص على الحبال واعتلاء سدة الحكم بالخروج عن الاحزاب تارة والظهور في اهاب الرافض لها طورا حتى استقر الامر. كان الاستثمار  في  امبراطورية الوسط، صانعة الملوك في الجمهورية الخامسة ، وتغيرات التضاريس في قلب الاحزاب السياسية ورصد تمايلاتها الايديولوجية  والسياسية وتوازناتها الاصلاحية، لينحو رئيس الاليزيه الجديد نحو  انشاء  خارطة سياسية تقوم على ثنائية جديدة بين وسط موحّد واطراف منقسمين.

 مقدّمة

لا شكّ ان وصول “امانويل  ماكرون” لسدة الحكم في فرنسا يمثل درسا في اهمية الحدس السياسي في صناعة القادة وصناعة نجاحاتهم. فقد استوعب، كما استوعب غيره  رفض الشعب الفرنسي لطبقته الحاكمة. ولكنه، و على عكس غيره، استطاع أن يطلق ديناميكية تفكيكها. ولئن كان المستقبل وحده سيجيب عن سؤال ايجابيات هذه الديناميكية من عدمه،  فان المفيد تحليل ما يجري في الساحة السياسية الفرنسية. 

اولا:  امبراطورية الوسط
تقضي القاعدة التي حكمت التوازنات السياسية في فرنسا منذ عقود بان التيار الوسطي يشكل الرافعة للوصول إلى الاليزيه بل وحتى لممارسة الحكم. ولكنها تقضي ايضا بان الوسط  كقوة سياسية لا تستطيع ان يصل الى الحكم بنفسه ويعود ذلك طبعا لأسباب عديدة. من ابرزها ضعف الروابط الايديولوجية لهذا التيار. وهو معطى ينعكس سياسيا من خلال تفتت عناصره وعجزه عن انشاء قوة حزبية مستقرة. ولكنه يعود أساسا للقطبية الثنائية التي يفرضها النظام الانتخابي. فالمرور من الدور الاول يحتاج الى وحدة الصف. ولكن الوصول الى الاليزيه يفرض القدرة على الانفتاح  ومن ثمة اهمية الوسط. ايْ انّ من لا قدرة له على تجميع عائلته السياسية مآله  الاقصاء من الدور الاول وتلك نقطة ضعف الوسط. ومن لا يقدر على الانفتاح على غيره لا يستطيع ان يدرك عتبة الخمسين بالمائة من الاصوات في الدور الثاني. ومن ثمة أهمية الوسط الذي يمكن اعتباره صانع الملوك في الجمهورية الخامسة.
ولا يقف الامر عند هذا الحد. ذلك ان ممارسة السلطة نفسها تحتاج الى سياسات وسطية لان غيرها يثير معارضة شرسة لا يحبّذها اصحاب الاليزيه. فاصبح الوسط ملجأ كل السياسيّين في ممارسة الحكم. ففي مجاله لا يبتعدون عن قواعدهم التي يحتاجونها حين العودة الى صناديق الاقتراع . في رحابه ، لا ينغلقون على عائلاتهم السياسية يمينا أويسارا. وفي ذلك تجنب لتعكير صفو الحياة السياسية بما أن فيه  تحسبا للحاجة الى الانفتاح حين تقتضي ذلك المعادلات السياسية في المستقبل. والنتيجة تشابه كبير بين سياسات مختلف الحكومات. حتى ان المختصين يقولون ان فرنسا تتبع نفس السياسات الاقتصادية والاجتماعية تقريبا منذ الثمانينات على الاقل. وهو سبب من أسباب حنق الفرنسيين الذين يعتبر كثير منهم ان الطبقة السياسية قد أصبحت تشكل أوليغارشية من المحترفين تتقاسم فيما بينها جميع موارد الحكم محليا وجهويا ووطنيا. ويذهب البعض منهم الى حد القول بعقم الديمقراطية الفرنسية التي تكفي بالتداول بين الأحزاب  دون ان تمكّن من تداول فعلي في السياسات. 
وهو ما ركّزت عليه القوى الشعبوية في اقصى اليمين واقصى اليسار ،معتبرة ان التداول الحقيقي لا يمكن ان يكون الا بالتخلص من الاحزاب التقليدية اي الحزب الاشتراكي في وسط اليسار وحزب الجمهوريين في وسط اليمين. وكان من الممكن ان يكون لهذا الطرح أثره ولكن بشرط توحيد القوى الشعبوية خلف قيادة مشتركة. وتكمن المشكلة في أن هذا شبه مستحيل، وذلك رغم التشابه الملفت لبرامجها الاقتصادية والاجتماعية القائمة على الحمائية والانغلاق. وسبب ذلك الفجوة الايديولوجية والتاريخية التي تقف بين أقصى اليمين وأقصى اليسار. وعليه ،آمنت الاحزاب التقليدية بانها في مأمن  اذا انها لم تكن تحسب حسابا للخطر القادم من الوسط. وهي في ذلك معذورة لانه يعسر  توقع ان يصب  التغيير من الموقع الذي كان الالتجاء الى سياساته سببا من اسباب الشعور بالجمود ،ومبررا للغضب الذي كانت الاحزاب التقليدية عرضة له. وهنا ياتي حدس “ايمانويل ماركون”. فقد استطاع الاستفادة من الغضب  الشعبي ،ولكن مع طرح بديل . اي انه جمع بين جاذبية الاعتدال وجاذبية الرفض. فقد قدم نفسه على انه من خارج الاحزاب ،ومناهض لها. و بدا هدفه اعادة رسم الخارطة السياسة الفرنسية تجاوزا للتقسيم القديم بين اليمين واليسار.
ثانيا: تدمير اليسار  
لقد كان “ماكرون” يعلم ان تحقيق مشروعه يفرض عليه تزعم ما يسميها ب”جبهة الاصلاحيّين” في مواجهة القوى الشعبوية في مختلف اشكالها، وحجته في ذلك التشابه الكبير بين البرامج الاجتماعية الاقتصادية لاقصى طرفَي المشهد السياسي من جهة وبين مختلف العناصر المكونة لوسط المشهد من جهة اخرى. وعليه فإن الخارطة السياسية القديمة لم تكن غير قادرة على الاستجابة لأولويات الشعب الفرنسي وتطلعاته فحسب. ولكنها كانت تمثل أيضا عائقا هيكليا أمام مأسسة الكتلة الاصلاحية التي تعود لها مسؤولية حماية فرنسا من الوقوع في براثن الشعبوية.
ولذا ،فقد كانت غاية “ماكرون” الاولى تفكيك اليسار وشلّ كل قدراته على التمترس وراء شعاراته الاجتماعية القديمة. وينبغي التذكير ان “ماكرون” قادم من الحزب الاشتراكي وبالتالي  كان من الضروري له ان يبدا رسم الخارطة السياسية الجديدة من خلال تفكيك هذا الحزب.فما كان له ان يصل الى الاليزيه دون انتزاع جناحه الأكثر ليبرالية باعتباره خزّان الاصوات الاقرب اليه. اي ان امبراطورية الوسط كانت قد بدأت زحفها يسارا. فاحتلت ما كان لها ان تحتل وتركت الباقي خرابا قد يصلح للبكاء على الاطلال.
ولقد صدق حدس “ماكرون” حين رفض المشاركة في الانتخابات الأولية لوسط اليسار . وقد راى الكثيرون في هذا الاختيار مقامرة غير محسوبة العواقب ، بما انها كانت تعني قطيعته الكلية مع عائلته السياسية ولكن هذا الراي يعتمد قاعدة تقول بان الوصول الى الاليزيه لا يكون الا عبر آلة انتخابية حزبية . اي انه سجين الاطار التحليلي القائم على ثنائية اليمين واليسار التي كان هدف ماكرون تجاوزها اصلا. لقد كان مؤسس “حزب الى الامام” يعلم يقينا ان  جثة حزبه الام ستكون العتبة الاولى التي يدوسها على طريقه نحو الاليزيه. وقد راى بوضوح نقطة الضعف التي امكنه من خلالها ان يصيبه في مقتل. الا وهي آلية الانتخابات الاولية. فقد استوعب ان اعتمادها ،خاصة في ظل وجود رئيس متخل يفترض ان يكون المرشح الطبيعي للاشتراكيين،  انما يعبر عن ازمة الحزب الاشتراكي الذي عجزت مؤسساته عن افراز قيادة ذات حظوظ معقولة للانتصار. فاستبدلت شرعية الواقعية بشرعية الانتخابات. لقد فهم “ماكرون” ان حزبه القديم بتخلي مؤسساته عن القرار، انما قد ترك مصيره للمجهول ، بل انه قد استسلم لجناحه الاكثر تشددا والابعد عن مجال الوسط الذي كان ماكرون يسعى لاستباحته. اي ان امتناعه عن المشاركة في الانتخابات الاولية قد ساهم في ترجيح كفة الجناح اليساري في الحزب الاشتراكي مما فسح المجال لامبراطوريته ان تتوسع يسارا. ولعل الامبراطور لم يكن يتوقع ان صعود نجمه اعلاميا وسياسيا على حساب “بنوا امون” مرشح الحزب الاشتراكي سيضاعف الضغط عليه في اقصى اليسار ايضا. إذ ان اليساريّين الباحثين عن تيّار ذي حظوظ حقيقية في الفوز بسدة الاليزيه لم يصوتوا كما هي عادتهم ، لمرشح الحزب الاشتراكي. وكان امامه اختياران انتقلت  لهما اغلب الاصوات. فالجناح الليبرالي صوت للوسط . في حين انحاز الجناح المتشدد الى اقصى اليسار مع “جون لوك ميلانشون” . فكانت النتيجة كارثية على الاشتراكيين. ولم تقتصر على هزيمة مدوية تكبدها مرشّحهم منذ الدور الاول. بل انها وصلت حد زعزعة مؤسسة الحزب وتهديد ماكيناته الانتخابية. فقد تفتت تياراته ،وغابت القدرة على تجميعها الى درجة ان “ايمانويل فالس” ، احد رموزه ورئيس الوزراء السابق قد اقرّ بموت الحزب سريريا. والعيب ان هذا التصريح على خطورته لم يثر اي ردة فعل تستحق الذكر. وكان الجميع قد قبل نهاية الحزب الذي لا يزال الى حد اللحظة يتمتع بالاغلبية المطلقة في البرلمان. والحقيقة ان اليسار الفرنسي اليوم منقسم الى ستة تيارات على الاقل ليس بينها اية قوة قادرة على ان تشكل تحديا جديا في التوازنات الراهنة. ويتوقع ان تطلق الانتخابات التشريعية الشهر القادم رصاصة الرحمة على اكثرها. وفي ذلك  تحقيق لاول اهداف ماكرون باقصاء احد ابرز مكونات الخارطة السياسية الفرنسية منذ نشاة الجمهورية الخامسة .
ثالثا:  تدمير اليمين
يهدف “ماكرون” الى حكم فرنسا على راس كتلة واسعة موحدة تكون قادرة على تنفيذ اصلاحات موجعة وعلى مواجهة قوى شعبوية حصدت مجتمعة في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية اكثر من نصف الاصوات. ولكنها تبقى مشتتة لأسباب  ايديولوجية وتاريخية عميقة. ايْ ان الخارطة السياسية التي يطمح لانشائها تقوم على ثنائية جديدة بين وسط موحد واطراف منقسمين. ولئن كان تحليل اليسار خطوة حاسمة نحو تحقيق هذه الغاية فانها لا تكفي اذ ليس حزب الجمهوريين اليميني باللقمة السائغة.  وبالتالي فانه اقل تاثرا بنجاحاته الانتخابية من الحزب الاشتراكي واكثر تحفزا لمقاومته وتجنب الوقوع في فخاخه. ثم ان خسارة مرشح اليمين ،”فرانسوا فيون” في الدور الاول من الرئاسيات على خطورتها جاءت اقل حدة وأثرا من هزيمة مرشح الاشتراكيين. فقد كانت نتيجته مشرفة بالمقارنة مع “بنوا امون” . كما ان هزيمته بدت مرتبطة بشخصه لما تعلق به فضائح  خدمت خصومه أكثر من ارتباطها ببرنامجه الانتخابي او بالحزب الذي يمثله. وبحكم الاستقرار الذي اظهرته الكتلة الانتخابية اليمينة في مواجهة الضغط المزدوج الذي سلطه عليها “ماكرون” عن يسارها و”مارين لوبان” عن يمينها ، حق للجمهوريين ان ياملوا في استغلال الانتخابات التشريعية القادمة للثار سياسيا من خلال الحصول على أغلبية في البرلمان. وهو سيناريو لن يؤدي فقط الى الحفاظ على توازن الحزب وضمان وحدة مؤسساته، بل انه سيفرض ايضا على أصحاب  الاليزيه تعايشا لا يحبّذه . اي ان حزب الجمهوريين يشكل اليوم القوة السياسية الاكثر خطورة على “ماكرون” ومشروعه خاصة انه يعتبر ان عجز حزبه عن حصد اغلبية مريحة في البرلمان سيعيق تنفيذ برنامجه الاصلاحي. ولذا  فانه قد انبرى لتفكيك اليمين بعد ان كان قد فكّك اليسار. وكانت اول خطواته ان فتح الباب منذ ترشحه للدور الثاني للرئاسيّات امام رموز أحزاب الجمهوريين. للالتحاق بقوائم حزب الى الامام في تشريعيات جوان. وهو موقف محرج  للكثيرين بحكم انهم وجدوا انفسهم ممزقين بين إغراءات مشروع جديد واعد ومنتش بالانتصار في الرئاسيات ولكن دون ضمانات واضحة للاستمرار من جهة ومؤسسة حزبية عريقة وصلبة، ولكن اركانها قد تخرّ في اية لحظة تحت ضغط امبراطورية “ماكرون” او امام اغراءاتها. واذا كان لابد من التخلي عن العائلة السياسية القديمة فإن من الافضل المبادرة الى ذلك قبل ان تحسم الامور ، والتاخر قد يقلّل من فرص التموقع الجديد وقد يؤكد تهمة الانتهازية على أصحابها. ولكن التسرع قد يعني ايضا القطيعة مع موروث قديم دون القدرة على  ادارك مواقع القيادة في الحركة الجديدة ،عملا بالمثل الفرنسي الذي يقول ” للمنتدبين حديثا ان يشاركوا في الحرب ولكن ليس لهم ان يحملوا الرايات”. ثم ان ماكرون قد بادر منذ وصوله الى الاليزيه ،الى تعيين “اداورد فيليب” رئيس لحكومة طغى عليها اللّون اليميني.ورئيس الوزراء نفسه من وسط اليمين. اي انه يتموقع سياسيا في المنطقة التي يحتاج “ماكرون” لضمها الى امبراطورية الوسط التي يقودها في اقرب وقت ممكن. وفي ذلك اشارة واضحة الى انه قد بدا زحفه يمينا. ونتيجة الزحف تبدو شبه مضمونة . فبالإضافة  الى التقارب الكبير بين خطابه السياسي ومبادئ وسط اليمين ،يملك صاحب الاليزيه اكثر من سهم في قوسه. فإمّا ان يفكك حزب الجمهوريين باغراءات الالتحاق الى الحكومة. بما يضمن لحزبه اوفر الحظوظ للهيمنة على البرلمان، واما ان يفككه من خلال اعتماد سياسات تثير الانقسام بين صفوف الجمهوريين في البرلمان .
خاتمة
لاشك ان للحظ ،كما للاعلام وللوبيّات المال الاعمال دورا حاسما في ملحمة “ايمانويل ماكرون” على طريق الاليزيه ،وفي نجاحه في زعزعة الخارطة السياسية التي حكمت فرنسا منذ عقود طويلة. ولكن ذلك لا ينفي ما أثبته الرجل من حدس سياسي في تحسس الفرص ،ومن قدرات ميكيافيلية على استغلالها بأقصى قدر ممكن ن النجاعة . ولا شك انه يعتبر ان تفكيكه لليمين واليسار انما هو قائم على فكرة “التدمير الخلاّقة” بلغة “جوزيف شمبيتير” الاقتصادية مطبقة على الحياة السياسية. ولئن كان التدمير فعالا فان الايام القادمة وحدها كفيلة ببيان مدى قدرة ماكرون على الانتقال من الهدم الى البناء.

أكتب تعليق