ليبيا:عمق الأزمة والسيناريُوهات الممكنة

 مقدمة
يعلم الجميع ان الوضع في ليبيا يمر بمرحلة على غاية من الخطورة. فالأزمة تتفاقم على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وليس هناك ما يوحي على الأقل في المدى المنظور بفك الشفرات المعقدة لهذه الأزمة التي دخلت عامها السادس. ويبقى تحديد مظاهرها (الازمة) من الشروط الأساسية لفهم المشهد في مجمله لاستشراف ملامح هذا الملف المعقد سواء في مستوى تفاعلاته الداخلية أو في طبيعة التدخلات الخارجية التي أخذت أشكالا شتى سياسية وعسكرية واقتصادية، وهو ما زاد في تعقيد الوضع ليتحول الملف الليبي إلى محور صراع دولي وإقليمي ضحيته الأولى هو ليبيا بكل مكوناتها. وفي هذه الورقة محاولة  الإتيان على أهم مظاهر الأزمة وأشكال التداخل التي جعلت الملف على غاية من التعقيد، مما يتطلب التركيز  بالأساس على ثلاثة ملفات مهمة وهي الملف الأمني والعسكري والملف الإقتصادي والملف الخاص بأشكال التدخل الخارجي وتأثيره في الداخل الليبي .ثم تفاعل هذه الملفات فيما بينها لنخلص إلى عمق الأزمة وجوهرها محاولين استشراف أفق هذا المشهد وإلى ما ستؤول إليه الأحداث.
 مظاهر الأزمة في المستوى السياسي
 إن الواقع السياسي في البلاد تحكمه الفوضى. فالشرق يدار بحكومة مستقلة عن الغرب وهي الحكومة المؤقتة أو حكومة الأزمة كما يطلق عليها ويرأسها السيد عبد الله الثني. والعاصمة طرابلس تدار بحكومتين تتميزان بضعف الأداء هما حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا ويقودها رئيس المجلس الرئاسي المنبثق عن اتفاق الصخيرات  السيد فايز السراج وحكومة الانقاذ الوطني التي أفرزها المؤتمر الوطني العام بعد عملية فجر ليبيا ويقودها السيد خليفة الغويل . والقاسم المشترك بين الحكومات الثلاث هو سوء الأداء وضعف الإمكانات المادية والعسكرية . في ظل هذا الواقع المأزوم وفي  غياب الحد الأدني من المشتركات التي تجمعها حول سبل إدارة البلاد نجد كل حكومة تسعى  لفرض نفسها بكل أدوات الغلبة الممكنة وبكل أشكال الإستقواء سواء من الداخل أو من الخارج .هذا الواقع أدخل البلاد في حالة شلل اقتصادي كبير لأن السيد الصديق الكبير محافظ البنك المركزي الليبي يرفض تسييل أي ميزانية لأي من الحكومات الثلاث وهو ما أثار سخط رئيس حكومة الوفاق الوطني الذي يعتبر أن إدارة البنك المركزي الليبي مسؤولة إلى حد كبير عن حالة الأزمة العامة التي تعيشها البلاد ومسؤولة مسؤولية مباشرة عن تعطيل أداء حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا والذي يحملها المواطن مسؤولية الفشل في حل أهم ثلاث أزمات عاصفة بالبلاد وهي أزمة انهيار الدينار الليبي أمام الدولار. فبعد أن كان الدولار يساوي دينار وربع ليبي سنة2011 انهار في السنتين الأخيرتين ليصبح الدولار يساوي 7دنانير ليبية. وأزمة السيولة الخانقة والمتمثلة في ندرة العملة في البنوك التجارية وأزمة غلاء المواد الأساسية نتيجة عجز الحكومة عن توريد الكميات الضرورية منها وهو ما أثر على المخزون الإستراتيجي لهذه المواد. وأزمة الكهرباء المستفحلة في كامل البلاد  حيث تبلغ المدة الزمنية لطرح الأحمال في هذه الفترة ما يزيد عن اثنتي عشر ساعة في العاصمة طرابلس ناهيك عن الجنوب الليبي المحروم من الكهرباء تماما لمدة تزيد عن عشرة أيام وهو ما جعل 16نائبا من نواب الجنوب يعلقون عضويتهم في البرلمان. 
هذا الواقع الصعب الذي تعمل فيه حكومة الوفاق الوطني جعلها عرضة لكل الضغوط ولأقصى أشكال الإنتقاد. أضف إلى ذلك التحديات الأمنية الكبرى سواء في العاصمة طرابلس أو في بقية المدن والأقاليم. فهي على الأرض لا تتحكم في أغلب الأطراف المسلحة التي لها ولاءاتها السياسية سواء لأحزاب او لمدن أو لحكومات . كما أنها في حالة صراع كبير على النفوذ مع حكومتين موازيتين واحدة في الشرق يدعمها طرف عسكري قوي يرفض الإعتراف  بها رفضا مطلقا وأعني  به الجنرال خليفة بلقاسم حفتر الذي يسعى إلى السيطرة على البلاد وإدارتها عسكريا على النموذج المصري. والثانية في طرابلس برئاسة خليفة الغويل الذي حوله قوة عسكرية مهمة مكنته مؤخرا من السيطرة على مقار أربع وزارات في العاصمة وهو يرى نفسه البديل لحكومة الوفاق التي فشلت فشلاذريعا رغم الدعم الدولي أو على الأقل أن يكون رقما مهما في أي مفاوضات قادمة . إن الشرعية التي اكتسبتها حكومة الوفاق في الداخل نتيجة الإعتراف الدولي بها بدأت تتآكل كثيرا فأغلب الوزارات التي تحت إشرافها تعرف ضعفا في أدائها نتيجة الشلل الذي يميز أداء المجلس الرئاسي بفعل غياب الإنسجام بين أعضائه إذ لم يعرف أن المجلس الرئاسي منذ انطلاق عمله قد نجح في اتخاذ قرار بإجماع  أعضائه التسعة.بل يعمل الآن بستة أعضاء فقط نتيجة مقاطعة العضوين عمر الأسود وعلي القطراني واستقالة السيد موسى الكوني على خلفية الأداء الفاشل للمجلس .كما أن حكومة الوفاق لا تملك ذراعا تنفيذيا يمكنها على الأقل من فرض سيطرتها على العاصمة رمز سيادة الدولة ومركز الحكومة وهي تسيطر فقط على قاعدة ” بوسته البحرية”  مقر المجلس الرئاسي أما باقي مناطق العاصمة فهي تحت سيطرة كتائب مختلفة منها من له ولاء لحكومة الوفاق ومنها من له ولاء لحكومة الإنقاذ ومنها من لا يعترف بالحكومتين ولكن يعنيه أن تبقى العاصمة آمنة باعتبارها رمز الدولة الليبية.
ويبقى الأخطر في الملف السياسي هو تباعد أقاليم ليبيا الثلاث وأعني بها طرابلس وفزان وبرقة. فإذا كانت المنطقة الشرقية(برقة) تدار عسكريا من طرف الجنرال حفتر رغم وجود حكومة صورية وبرلمان مرتهن في قراره لدولتي مصر والإمارات العربية المتحدة. فإن الجنوب الليبي(فزان) معزول تماما عن طرابلس وعن برقة ويعيش حالة من التهميش غير مسبوقة بفعل سوء الخدمات  وغياب السلطة المركزية وانتشار الفوضى الأمنية.هذا الواقع يشجع النزعات الإنفصالية وهو ما يهدد وحدة البلاد في المستقبل.
مظاهر الأزمة في المستوى الأمني
هذا الواقع السياسي المتشظي انعكس بدوره على الحالة الأمنية العامة في البلاد حيث انتشرت حالات الخطف والقتل على خلفيات سياسية وحالات التخريب للمنشآت الخدمية إذ تكررت الاعتداءات على شبكتي المياه والكهرباء في محاولة لمزيد تأزيم الأوضاع ومزيد خنق المواطن. وفي ظل غياب أذرع أمنية قوية ومهيكلة وموحدة في ولائها لسلطة الدولة أصبح كل تشكيل عسكري أو أمني يحاول فرض أجندته في المنطقة الترابية التي يسيطر عليها خصوصا في العاصمة طرابلس وهو ما كان سببا في حصول عديد الإحتكاكات والتحرشات بين التشكيلات الأمنية المختلفة في منطلقاتها وولاءاتها السياسية. هذه البيئة الأمنية والسياسية شجعت الإستخبارات الأجنبية  على العمل في البلاد بكل أريحية وهناك اليوم ميليشيات في  طرابلس تنفذ أجندات أجنبية وتسعى إلى بث الفوضى في محاولة لإدخال العاصمة في حرب أهلية علما وأن هذا الهدف تعمل على تفعيله مع الأسف جهات داخلية  بتمويل من أطراف إقليمية من مصلحتها ضرب البلاد في قلبها النابض حتى تقنع المواطن في الداخل والفاعل الأجنبي في الخارج أن البلاد تحكمها الميليشيات المسلحة وأن الحل في دعم الجنرال حفتر الذي سيسعى عبر عسكرة الدولة إلى فرض الإستقرار والأمن بعد فشل كل المجهودات الداخلية والخارجية في إخراج البلاد من محنتها. ولسائل أن يسأل كيف في ظل هذا الوضع لم تدخل البلاد في حرب أهلية شاملة خصوصا وأنه لا يوجد منزل ليبي ليس فيه سلاح ؟ إن الجواب ليس صعبا لمن يعرف تركيبة المجتمع الليبي والطرف القوي المسيطر على أغلب المشهد في البلاد  وأعني بهم ثوار فبراير المسيطرون على العاصمة طرابلس وعلى الغرب الليبي حيث الثقل الديمغرافي والإقتصادي وحيث  مؤسسات الدولة السيادية. ولكن تبقى كل السيناريوهات واردة ذلك أن حجم المؤامرة التي تتعرض لها البلاد كبيرة جدا يضاف إليها حالة الفرقة والسلبية التي تميز تيار الثورة الذي ترك الساحة فارغة لتمدد خصومها الذين يملكون المال والإعلام والدعم الأجنبي الكبير. وأقدر أن ثوار فبراير إذا لم يبنوا جسما عسكريا موحدا بمشروع سياسي واضح يفرضون به أنفسهم في المشهد وفي المحطات التفاوضية القادمة على اختلافها فإنهم سيجدون أنفسهم طرفا ضعيفا وتفرض عليهم الأجندات التي يكرسها الأمر الواقع الخاضع لموازين القوى على الأرض. والنقطة الأخيرة تفطن لها الجميع في ليبيا ومنهم ثوار فبراير الذين أدركوا أهمية أن يكونوا موحدين وهم أكبر قوة عسكرية وبشرية في البلاد.
مظاهر الأزمة في المستوى الإقتصادي
من المؤكد أن بلدا يعيش كل هذه الفوضى السياسية وهذه الهشاشة الأمنية لا يمكن أن يعرف استقرارا اقتصاديا، إذ من المعلوم بداهة أن الإستقرار والنمو الاقتصاديين مرتبطان بمنسوب الأمن وقوة السلطة المركزية وأعني بها الدولة . والشرط الأخير غائب في ليبيا أو يكاد وانعكس ذلك على الحالة الاقتصادية في البلاد. إن الاقتصاد الليبي هو اقتصاد ريعي بامتياز ويعتمد بنسبة تكاد تكون مطلقة على تصدير النفط . وهذا القطاع الحيوي في ليبيا يعيش اليوم مجموعة من الأزمات بفعل عوامل أمنية وسياسية وإن كان  في المدة الأخيرة بدأ يعرف نوعا من الإنتعاش إلا أنه لازال لم يبلغ بعد حالته العادية والمرجوة . فعديد الحقول قد تعرضت للتخريب من أطراف ليس من مصلحتها أن تخرج البلاد من أزمتها. كما عرفت الموانئ النفطية العديد من الإعتداءات من الأطراف المتصارعة وهو ما أثر في قدرتها التصديرية وانعكس ذلك على رصيد البلاد من العملة الصعبة الذي تقلص إلى حد خطير مما أثر على سعر الدينار وعلى قدرة الدولة على الإستيراد وهو ما ساهم بدوره في ارتفاع الأسعار وفي ندرة السلع الضرورية وحتى الكمالية.إن الإنتعاشة الأخيرة التي عرفها القطاع والمتمثلة في ارتفاع نسبة التصدير التي بلغت 700ألف برميل في اليوم بفعل التفاهمات الحاصلة بين طرابلس ومصراته من جهة والزنتان من جهة أخرى في المدة الأخيرة والتي فتح على إثرها صمام الرياينة في جبل نفوسه والذي يضخ قرابة 350ألف برميل في اليوم إلى مصفاة الزاوية من حقلي الشرارة والفيل.هذه الإنتعاشة ستساهم في تخفيف الضغط على الميزانية العامة للدولة وفي ارتفاع رصيد البلاد من العملة الصعبة . ويبقى ذلك غير كاف إذ أن بقية القطاعات الإقتصادية ومنها قطاع البناء والإنشاءات اليوم يكاد يكون معطلا بالكامل فأغلب الشركات الأجنبية التي تشتغل في هذا القطاع غادرت البلاد ولم تعد. وأثر ذلك في قطاع الحديد والصلب الذي لا يشتغل بكامل طاقته الانتاجية وهو قطاع مهم وحيوي. وأما الإستثمار سواء العمومي أو الخاص فإنه معطل بالكامل وبالتالي لا إمكانية للحديث عن نسب النمو الاقتصادي.إذا أضفنا إلى كل ذلك حالة الفساد المالي المستفحلة في البلاد نتيجة غياب الهيئات الرقابية ونتيجة ضعف الدولة وهو ما تسبب في إهدار مبالغ ضخمة من المال العام. ندرك عمق الأزمة الاقتصادية  التي تعيشها البلاد والتي لا سبيل من الخروج منها إلا بتعافي الدولة عبر حكومة  مركزية قوية تفرض سلطانها على كامل البلاد.
 أشكال التدخل الخارجي وتأثيره في الساحة الداخلية
 التدخل الخارجي في ليبيا متعدد الوجوه. فهو لم يقتصر على المستوى السياسي وإنما تجاوز ذلك إلى المستويات الأمنية والعسكرية والإقتصادية. ففي المستوى الأمني يعلم الجميع أن ليبيا تشتغل فيها عديد الأجهزة الاستخبارية الأجنبية التي توظف عناصر ليبية في مستويات متعددة وهي تشتغل في طرابلس وفي الشرق الليبي وفي الجنوب . وعندما نتحدث عن الشرق فإننا نتحدث أساسا عن التوغل الإستخباراتي المصري المسيطر على المشهد في المنطقة من بنغازي إلى طبرق. وأضحى القرار في هذه المنطقة خاضع بشكل يكاد يكون مطلقا للموقف المصري. أضف إلى ذلك الدعم المصري اللامشروط سياسيا وعسكريا  لمشروع عملية الكرامة الذي يقوده الجنرال حفتر. أما عن الجهات الغربية فقد ثبت التدخل الفرنسي عبر الدعم اللوجستي  بالتدريب والمعلومات لفائدة قوات الكرامة يضاف إلى ذلك التواجد الإستخباراتي الإيطالي والأنجليزي في هذه المنطقة المهمة من ليبيا. وفي الجنوب الليبي يتحدث الجميع عن الحضور الفرنسي القوي . ففرنسا تسعى إلى ترسيخ وجودها في الجنوب الليبي حيث الصحراء الغنية بالثروات وحيث الإمتداد مع مستعمراتها السابقة في منطقة جنوب الصحراء. وتقوم القاعدة الفرنسية الموجودة في النيجر على الحدود مع ليبيا بدور كبير في دعم أطراف محسوبة على عملية الكرامة. أما في العاصمة طرابلس ومصراته فإن الوجود الإيطالي واضح وجلي سواء في المستوى السياسي أو حتى العسكري. فإيطاليا هي أكثر دولة معنية بالإستقرار في ليبيا بالنظر لحجم مصالحها في هذا البلد.ويمكن القول أن إيطاليا هي الدولة الوحيدة التي تمتلك رؤية ومشروعا غايته الحفاظ على وحدة البلاد والخروج بها من محنتها. أما الولايات المتحدة وإن كانت لا تملك استراتيجية واضحة في ليبيا ذلك أن الملف الليبي قد رحلته لحلفائها الأوروبيين بقيادة إيطاليا، إلا أن ذلك لا يمنع من كونها تلعب دورا مهما في الأزمة خصوصا في السنة الأخيرة عبر تدخلها العسكري المباشر ضد داعش في سرت بالدعم الجوي لقوات البنيان المرصوص . كما أن مبعوثها إلى ليبيا ” جوناثان واينر” لعب دورا مهما خصوصا في الملف الإقتصادي بدعمه للسيد ” الصديق الكبير” محافظ البنك المركزي الليبي الذي يعتبره البعض الحاكم الحقيقي لليبيا. فهذا الرجل كان سببا في استقالة السيد عمر الحاسي أول رئيس لحكومة الانقاذ الوطني. وحاول برلمان طبرق إقالته سنة 2014إلا أن الولايات المتحدة رفضت الإقالة وثبتته في موقعه ولم تعترف ببديله ” علي الحبري”. كما عجز رئيس حكومة الوفاق الوطني السيد فايز السراج عن إقالته بسبب عدم تسييل الميزانية للحكومة. هذا الرجل . وجد سندا  بشكل كبير من الولايات  المتحدة التي تعول عليه خصوصا في ملف الإصلاح الاقتصادي أو في إعادة هيكلة الاقتصاد  الليبي الذي لازال متأثرا بمرحلة القذافي . أما تركيا وإن كان لها دور مهم في ليبيا وساندت الثورة الليبية إلا أنها الآن غير محسوبة بقوة على طرف بعينه في ليبيا فهي تسعى لأن تكون على مسافة واحدة من جميع الفرقاء وتشتغل على المستويين السياسي والاقتصادي عبر تهيئة الأرضية لجملة من الإستثمارات التركية في ليبيا المستقرة . وعلى المستوى السياسي هي تشتغل مع حكومة الوفاق الوطني وهي مع مخرجات اتفاق الصخيرات.
 في خضم هذا التدخل الدولي المحموم إلى أين تسير الأمور في البلاد ؟
ليس من السهل التنبؤ بما سيؤول إليه الواقع.  فالقرار تجاوز الفرقاء في الداخل لأنهم عجزوا عن اجتراح حل ليبي- ليبي يغنيهم عن التدخل الأجنبي في شؤونهم الداخلية.والأطراف الدولية الفاعلة متضاربة في مواقفها وفي أجنداتها . والأمم المتحدة وجدت نفسها عاجزة على فرض اتفاق الصخيرات الذي اعتبر في مرحلة ما وربما إلى اليوم  أفضل ما يمكن الوصول إليه بالنظر لتعقد الملف الليبي وتشعبه. لكن الظاهر أن الإتفاق الذي كان المساس به بالأمس أمرا محظورا  أضحى اليوم ضرورة يفرضها واقع التوازنات وطبيعة الأداء السياسي. فحكومة الوفاق عجزت عن الوفاء بوعودها سواء للداخل الليبي أو للراعي الدولي وحالة الإستقطاب بين الفرقاء تزداد توسعا ومخاطر الإنهيار الإقتصادي تزداد بروزا وحالة الإنقسام هي أقرب ما تكون عليه اليوم. هذا الواقع الخطر فرض على أطراف الصراع في الداخل ضرورة التفكير في إدخال تعديل على تركيبة المجلس الرئاسي في مستوى عدد الأعضاء وفي مستوى رئاسة الفريق .وفي ما يخص بنود الاتفاق هناك طرف داخلي وهو البرلمان في طبرق مدعوما من مصر والإمارات يسعى إلى حذف المادة الثامنة من الإتفاق والخاصة بالمناصب السيادية في الدولة. ولكن هذا المسعى يجد معارضة شديدة في طرابلس الرافضة لأي دور لخليفة حفتر في المشهد باعتباره شخصية جدلية أبعد ما تكون عن الوفاق. والمطلع عن قرب على طبيعة المفاوضات بين مختلف الأطراف يدرك أن مجمل الخلاف الذي طال أكثر من سنة يحوم حول هذه المادة التي سحبت الشرعية من حفتر .فإلى أين وصلت المفاوضات اليوم؟  وما طبيعة الأطراف الفاعلة فيها؟وماآفاقها ونتائجها؟
تقريبا أن تغيير رأس المجلس الرئاسي، ونعني  به السيد فايز السراج، أصبح أمرا مفروغا منه ولا خلاف على ذلك سواء من الأطراف في الداخل أو الخارج والبديل لن يخرج مبدئيا عن شخصيتين هما  عبد الباسط اقطيط، المدعوم من المجلس الأعلى للدولة ومن أغلب الفاعلين في طرابلس ومصراته وفي الخارج من تركيا والولايات المتحدة وإيطاليا. والشخصية الثانية هو العارف النايض سفير ليبيا في دولة الإمارات العربية المتحدة الذي استقال من منصبه في الفترة القريبة الماضية على هذه الخلفية. والسيد النايض مدعوم داخليا من البرلمان في طبرق ومن حزب تحالف القوى الوطنية وخارجيا من دولتي مصر والامارات. وأما المستوى الثاني من المفاوضات حول المجلس الرئاسي فلا خلاف تقريبا حول تقليص عدد عناصره من تسعة أعضاء إلى ثلاثة أي رئيس ونائبين. والعقدة في التفاوض هنا من سيكون النائبان وما صلاحيتهما في صناعة القرار وإدارة الدولة
أما عقدة العقد في التفاوض فهي بين القابل لتغيير المادة الثامنة من الإتفاق وبين الرافض لذلك رفضا مطلقا . وقد حاول البرلمان في طبرق اختراق هذه النقطة بالإبقاء على المادة شرط أن يسمي رئيس البرلمان-الذي سيكون النائب الأول لرئيس المجلس الرئاسي كما جاء في نص التعديل الذي اقترحه البرلمان-القائد الأعلى للجيش وهذه النقطة رفضت أيضا من طرابلس لأنها تمكن حفتر الذي خرج من باب اتفاق الصخيرات أن يدخل من شباك البرلمان المشكوك في شرعيته في طرابلس.وأقدر أنه لو تم التوصل إلى توافق بين الفرقاء حول هذه النقطة فإن ثمانين بالمائة على الأقل من مشاكل ليبيا ستحل والبقية تفاصيل مقدور عليها.ولكن الظاهر أن الإتفاق حول هذه النقطة لن يكون أمرا هينا ذلك أن هناك أطرافا إقليمية وأساسا مصر-عبر مبادرة مقبولة في الشرق ومرفوضة في غرب البلاد أي في طرابلس ومصراته- تدفع في اتجاه فرض حفتر في المشهد ولو أدى ذلك إلى تقسيم البلاد أو دفعها إلى حرب أهلية. هذا التدخل المصري المحموم والمنحاز لطرف بعينه  أثار حفيظة الجار الغربي القوي وأعني به الجزائر-التي تملك  حضورا أمنيا مهما جنوب وغرب ليبيا-على خط المفاوضات وتقدمت بمبادرة تفاعلت معها مختلف الأطراف في ليبيا حيث زارها السيد السراج وقادة الأحزاب السياسية وخليفة حفتر الذي تم استقباله بزيه المدني بعد أن  رغب بدخولها بالزي العسكري. ولكن الجزائر رفضت ذلك معتبره إياه طرفا سياسيا وليس قائدا عاما للجيش الليبي كما أراد هو وهو ما أثار قادة عملية الكرامة الذين اعتبروا أن الزيارة فشلت. لكن مجرد استقباله في الجزائر من أطراف رسمية في الدولة يعتبر اختراقا مهما له واعتباره طرفا فاعلا لا يمكن تغييبه.؟ واليوم هناك تسابق محموم بين مصر والجزائر حول الرؤية للحل في ليبيا وهو ما جعل تونس تدخل ولو متأخرة على خط المبادرة والتفاوض. فالأمر يعنيها بقوة كما يعني الجزائر ومصر. والتحاق تونس يأتي في إطار الدعم للموقف الجزائري ذلك أن وجهات النظر متقاربة جدا بين تونس والجزائر حول طبيعة الحل في ليبيا. وهناك اليوم حوار مصري -جزائري – تونسي لمحاولة بلورة موقف موحد للحل، لأن مصر تدرك أنه ليس بوسعها فرض وجهة نظرها في هذا الملف الشائك الذي تتجاذبه أطراف عدة من دول الجوار وغيرها وخصوصا من اوربا ، وأساسا إيطاليا التي أعادت سفارتها مؤخرا للعاصمة طرابلس في خطوة تعتبر على غاية من الأهمية وفيها تحد واضح لمصر وروسيا التي دخلت إلى الساحة الليبية عبر البوابه الشرقية . وقد كثر  الحديث في الفترة الأخيرة عن دور روسي سوف يلعب في ليبيا . ولكن يبقى حديث مبالغ فيه لأسباب عديدة :أولا أن روسيا لا يمكن أن تعتمد على حفتر لفرض أمر واقع في ليبيا. فالرجل لا يمتلك القوة الضرورية التي تمكنه من السيطرة على البلاد مهما كان حجم الدعم الذي يتلقاه، والدليل عدم قدرته على حسم معركته في بنغازي أمام ثلة قليلة من مجلس شورى ثوار المدينة الذين لا يتجاوز عددهم المئات. ثانيا أن أمريكا والاتحاد الأوروبي لن يسمحا لروسيا بلعب دور كبير ومؤثر في الساحة لقلب المعطيات لصالح حفتر، ذلك أن ليبيا تعتبر حديقة خلفية لأوروبا ومجال حيوي لمصالحها. ثالثا أن إدخال ليبيا في حرب طاحنة سيكون أمرا شديد الخطورة على الأمن الأوروبي وعلى دول الجوار. وبالتالي لن يسمح لأي طرف بهذا السيناريو المرعب. إن روسيا قد تستعمل المسالة الليبية كورقة ضغط تجاه الولايات المتحدة التي تخوض معركتها الإستراتيجية في جنوب شرق آسيا حيث المجال الحيوي الروسي والصيني.
إن ما غاب على الجميع، أن إيطاليا اليوم بإعادة سفارتها إلى طرابلس، و قد تكون البديل لمارتن كوبلر المبعوث الأممي إلى ليبيا والذي فشل فشلا ذريعا في إدارة الملف. وهو ما دفع بريطانيا إلى طلب  الأمين العالم الجديد للأمم المتحدة بتغيير رئيس بعثة الدعم في ليبيا في تناغم مع الموقف الإيطالي، بما يعني إصرار إيطالي بريطاني بالمضي قدما وفق التصور الراغب في عدم المساس ببنود اتفاق الصخيرات. ويتأكد ذلك بانتصار بريطانيا لفريق طرابلس، حيث سيتم في الأيام القريبة القادمة توقيع عقود بعشرات الملايين من الدولارات في إطار إعادة الإعمار. وسيقود الوفد الليبي السيد أحمد امعيتيق النائب الأول  لرئيس المجلس الرئاسي. إن هذا الموقف الأوروبي القوي المساند لطرابلس على حساب  الجنرال حفتر تبلور في إطار تعنت الأخير ورفضه لكل أشكال الإلتقاء مع الأطراف التي تعتبر اتفاق الصخيرات المرجع الأساسي والوحيد لأي حل في البلاد
السيناريوهات الممكنة. وفي ظل هذا الواقع المعقد على كل الصعد إلى أين ستؤول الأمور في البلاد؟عديدة هي السيناريوهات الممكنة في ظل الطبيعة المعقدة للأوضاع التي تمنع من تصور سيناريو واضح يمكن الإطمئنان إليه.
 السيناريو الأوّل: الوصول إلى حل توافقي تقبل به كل أطراف الصراع يكون فيه لدول الجوار بصمة واضحة ويكون مدعوما أساسا من إيطاليا التي تقوم بدور كبير في طرابلس. ويتمثل في أن يكون حفتر في موقع غير ذي تأثير كأن يكلف بمهمة استشارية في قيادة القوات المسلحة . ويكون ذلك بالضغط على مصر الداعم الأكبر للجنرال خصوصا وأن مصر تقريبا أصبحت مقتنعة بأن حليفها غير قادر على فرض أمر واقع يجعله الطرف القوي في البلاد
السيناريو الثاني: ويتمثل في إخراج حفتر من المشهد نهائيا وذلك عبر عملية عسكرية خاطفة تتم بها السيطرة على الهلال النفطي ويكون بذلك قد خسر أهم ورقة يمتلكها بعد أن خسر ورقة محاربة الإرهاب إذ أدرك العالم أن قوات الثوار الذين تجمعوا في عملية البنيان المرصوص تحت قيادة حكومة الوفاق الوطني هم من دفعوا الدم لتحرير بلادهم من خطر داعش. ولكن تبقى لهذا السيناريو مخاطر عديدة كان تنفرط الأمور وتتوسع رقعة الصراع وتصبح إمكانية السيطرة على الأوضاع أمرا صعبا
السيناريو الثالث: انهيار المفاوضات وفشل كل المبادرات ودخول البلاد إلى المجهول بالعودة إلى الإقتتال. وهذا السيناريو لا يمكن إدراك حجم مخاطره وتداعياته على دول الجوار وعلى أوروبا.
إن الوضع اليوم في البلاد على غاية من الخطورة وأيادي السوء تسعى إلى خلق الفوضى وحالة الإظلام العام التي دخلت فيها البلاد مرتين في ظرف أسبوع نتيجة التخريب المتعمد لشبكة الكهرباء ونتيجة إغلاق صمامات الوقود المغذي للمحطات الكهربائية  يضاف إلى ذلك بقية الأزمات المستفحلة يجعل الداخل والخارج مدركا لحساسية الوضع ولخطورته
خاتمة
 ان الوضع في ليبيا لا يستحق الانتظار وخاصة من دولتي الجوار الغربي وأعني تونس الجزائر المعنيتين قبل غيرهما باستقرار البلاد لما لذلك من انعكاسات عليهما. وهما يدركان حجم التدخل الأجنبي الفاعل والقوي في الملف. وأمر التنسيق بينهما يبقى ضرورة قصوى وحيوية. والإنفتاح على الجانب الإيطالي يزيد من توضيح الرؤى ومن تذليل العقبات، ذلك أن إيطاليا التي تحمل مشروعا يحمل في مجمله المصلحة الليبية في حاجة إلى دعم موقفها أمام التعنت المصري المنحاز لطرف بعينه من أطراف الصراع والمستقوي  بالطرف الروسي الطامح إلى لعب دور مهم في ليبيا. إن بمقدور تونس والجزائر أن تجعلا من عاصمتيهما قبلة  للإخوة الفرقاء في ليبيا لدعم جسور الثقة بينهم والإنفتاح أكثر على التفاصيل المتحكمة في المشهد.
 
المهدي ثابت
عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسيّة.

Leave a Comment