قطار الوحدة الوطنية بين دفع اتفاق قرطاج وكوابح الحسابات الصغيرة

مقدّمة :
مثّل اتفاق قرطاج (13جويلية 2016) آخر العناوين الكبرى لثقافة الحوار وسياسة التوافق اللتين رافقتا مسار البناء الديمقراطي في تونس منذ انطلاقه غداة 14جانفي 2011. ورغم كلّ ما حفّ بتلك المبادرة”الرئاسية” ممّا يشبه المفاجأة لحكومة الحبيب الصيد ولشركاء الائتلاف الحاكم ، فإن تمخّضها عن حكومة “وحدة وطنية” يوم 26 أوت 2016 بمشاركة ستة أحزاب ومستقلّين  ومباركة ثلاث منظمات وطنية كبرى جعل الجميع يتوقّع دخول البلاد مرحلة استقرار سياسي واجتماعي سيمكنها من الشروع في الإصلاحات الهيكلية الكبرى لوقف الانهيار الاقتصادي المتسارع والبدء في تحقيق التنمية المؤجّلة وإنجاز الانتخابات البلدية والمحلية ،آخر وأهمّ استحقاق انتخابي وطني سيرسم ملامح الديمقراطية التونسية الحديثة. بعد ثلاثة أشهر من آخر “تعديل” للمشهد السياسي في تونس، ها هي البلاد تقف أمام اختبار حقيقي لكلّ البناء السياسي الجديد الذي استغرق إنجازه ست سنوات راوحت خلالها البلاد بين كوابيس الفوضى المدمّرة وأحلام التقدّم في ترسيخ ديمقراطية مدنية حاضنة للحرية والتنوّع والاختلاف.
 حكومة إنقاذ   بين الوطني والحزبي :
نجحت مفاوضات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في جمع أغلب مكوّنات الساحة السياسية من أحزاب ومنظمات حول طاولة واحدة وكادت تنتهي إلى التقاء تاريخي لطرفي المشهد السياسي (الجبهة الشعبية والنهضة) في حكومة واحدة، لولا حسابات اللحظة الأخيرة. (
مفاوضات قرطاج وقبلها صياغة الدستور في مجلس تأسيسي جمع كلّ أخلاط المجتمع، ثمّ الحوار الوطني العسير، ثم توافق قطبي السياسة في انتخابات 2014 (النهضة والنداء) .. كلّها مسارات وطنية جامعة كشفت زيف الانقسامات التقليدية بين “اليمين”(الديني والليبرالي بلغة التعاليم الماركسية) و”اليسار”. انقسامات نظرية لا تعدو أن تكون إلا “تراثا” ديماغوجيّا سطحيّا يغفل عن حركة التاريخ الهادرة ولا يفعل أكثر من رفع جدران الفصل/الوهم الإيديولوجي  وتضبيب المشهد أمام شعب وضع قدمه على طريق المستقبل ويوشك أن يزيح عن طريقه نخبا لا تنتمي للحظة الراهنة وتعيق تقدّمه نحو حريّة دفع من أجلها دما لم يجفّ بعد. هذه الروح العامّة التي انتهت بالجميع (تقريبا) إلى المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية لا تخفي اختلاف دوافع المشاركة الكاملة أو “المشاركة المتحفّظة” من حزب إلى آخر:
 فقد أقبل النداء على حكومة الوحدة الوطنية مدفوعا بتجربة سياسية لافتة من حيث كثافتها وجِدّتها وتقلّباتها. إذ لم يمرّ على فوزه بمنصب الرئاسة وبأغلبية برلمانية سوى سنة ونصف حتى وجد نفسه في قلب أزمة شاملة . غادر رئيسه المؤسّس “الكاريزمي” نحو رئاسة الدولة وخلّف وراءه “رؤوسا” قيادية كثيرة عجزت عن إدارة عملية انتشار صفوف الراغبين في التموقع على خارطة المسؤوليات في مؤسسات الدولة ( الرئاسة والحكومة والبرلمان والإدارة) بما يناسب حجم العطاء خلال مرحلة التأسيس الصعب ثمّ خلال “ملحمة” الانتخابات من جهة، وبما يناسب “طاقة استيعاب” هذه المؤسسات في ظلّ حكومة برئاسة مستقلّة وبمشاركة حزبية واسعة(ائتلاف رباعي) خفّض سقف طموح هذه القيادات الجذلى بانتصارها التاريخي. بلغ نداء تونس مرحلة خطيرة من الانشقاقات والانقسامات طالت كل مؤسساته القيادية المركزية والجهوية وتعمّقت بنشأة كيان حزبي جديد من رحمه أفقده أغلبيته البرلمانية.أزمة استمرّت في شكل انسحابات وانقسامات تكاد تكون يومية انتهت بالحزب إلى حالة شلل فعلي. في هذا السياق جاءت المبادرة الرئاسية التي اختارت قياديا ندائيا شابا لرئاسة “حكومة وحدة وطنية” يستعيد بها النداء “الحكم”بعد أن أجمعت قواعده على خطإ تنازله عنه لصالح رئيس حكومة مستقلّ لم يكن دائما منسجما مع مقترحات الحزب خاصة في ملفّ التعيينات في المناصب التنفيذية.
كان رئيس الدولة صاحب المبادرة يدرك أن الحكم “جمّاع” أفئدة. وكان يدرك أيضا أن الشريك الأكبر في الحكم لا يبحث بأي شكل عن تصدّر حكم المرحلة ولا في التحوّل إلى صفّ المعارضة لاعتبارات فصّلها في مؤتمره الأخير  خلاصتها انه يعتقد في حاجة البلاد إلى التوافق لسنوات طويلة قادمة نظرا لعدم نضوج الساحة السياسية لديمقراطية تنافسية تداولية مستقرّة.
صادفت مبادرة إعادة تشكيل مشهد الحكم اتفاقا في أجندات أهمّ الأطراف السياسية والاجتماعية الفاعلة. كان الجميع أمام فرصة الانضمام إلى المسافة القصيرة الموصلة للانتخابات البلدية المنتظرة من بوابة الحكم ولو كان تشريفيا. فكان أن انضمّت لاتفاق قرطاج ثم لمفاوضات تشكيل الحكومة  احزاب ضعيفة الاحجام الانتخابية  ولكنها تدرك أن البقاء في سطح المشهد سيعصمها من النسيان الكلّي في انتظار مفاجآت السياسة . لكن الأهمّ واللافت في هذا المسار هو الانخراط الفاعل لحركة مشروع تونس المنشقة عن النداء في كامل أطوار المبادرة دون المشاركة في الحكومة.وهو موقف اتضح فيما بعد أنه كان محكوما بالتردّد بين قطع الخطوة الأولى في العودة الآمنة إلى البيت الأوّل (النداء) من بوّابة الحكم الواسعة، ولو تدريجيا بهدف إعادة مناخ الاستقطاب الضروري في نظر قيادة هذا الحزب لخلق ظرف انتخابي جُرّب فنجح.
فإذا كان النداء يحتاج استعادة قيادة الحكم لإعادة بناء شرعية سياسية متآكلة ومهدّدة، فإن حركة مشروع تونس كانت تحتاج بوابة عبور لوراثة المشهد برمّته مع النداء أو على أنقاضه. وهو ما أكدته خطواتها اللاحقة في السعي إلى تشكيل “جبهة جمهورية” و”أغلبية برلمانية جمهورية” في سياق إعادة إنتاج مناخ الاستقطاب السياسي في مواجهة حركة النهضة. توجّه حركة مشروع تونس يجد صدى له في بعض أوساط نداء تونس المنزعجة ممّا تراه ثمنا باهضا للتوافق مع النهضة ، ويتقاطع مع أصحاب فكرة”حزب الوحدة الوطنية” (التي لم تتوضّح معالمها بعد)، وهو الآن يجد حليفا جديدا له ممثلا في حزب الاتحاد الوطني الحر الذي لم يقبل بنصيبه من الحقائب الوزارية في الحكومة ويلوّح بالانسحاب من اتفاق قرطاج استعجالا للمشهد الجديد حتى لا يطول احتجابه عن الساحة فيسقط من حساب الناخبين.  أما الجبهة الشعبية التي كادت تلتحق، ممثّلة في أحد قياداتها البارزة، بحكومة الوحدة الوطنية، فقد ارتبكت أمام زخم وربما تعقّد اللحظة الجديدة. لحظة انضمّ فيها حزب المسار إلى الحكومة، وهو حزب يساري كانت تخوض معه مشاورات توحيد حتى وقت قريب، وانخرط في مسار تشكيلها اتحاد الشغل بقوّة وحماس لافتين، حتى أنه دفع بقياديّين من قياداته التاريخية إلى الحكومة (رغم حرصهما على التأكيد أنهما يشاركان باسمهما الخاص لا باسم الاتحاد، وهو أمر بروتوكولي مفهوم طبعا) وصاغ وثيقة قرطاج في أهمّ مفاصلها وضمّنها رؤيته الإقتصادية التي يتقاطع فيها مع الجبهة الشعبية عموما. هذا الارتباك انتهى بها الوضع, شبه شريك, شبه معارض بما مكّنها من مجال مناورة واسع يتيح لها الاحتجاج الدائم والمجزي انتخابيا في تقديرها، والحضور الدائم أيضا في مشهد الحكم المتحرّك. مع هذا، ورغم قدوم مكوّنات اتفاق قرطاج من طرقات مختلفة ،ورغم الفسيفسائية الحزبية التي ميّزت تشكيلة حكومة الوحدة الوطنية، يمكن تسجيل قدر كبير من الانسجام في أداء هذه الحكومة إلى حدّ الآن. قد يعود ذلك إلى نضج سياسي لأغلب عناصرها المؤطّرين والقياديّين في أحزابهم، أو ربما إلى وعي الوزراء بخطورة المرحلة وضرورة العمل السريع على إنجاز الحدّ الأدنى الضروري لاستمرار التحوّل الديمقراطي في تونس. وعي مأتاه قناعة لدى مكوّنات الإئتلاف الحاكم في غياب بدائل “سياسية” مطمئنة من داخل المنتظم الحزبي الحالي في تونس فضلا عن خارجه، إذ يدرك الجميع أن لا وجود لأي حزب قادر على، أو راغب في قيادة  مثل هذه المرحلة المتفجّرة لوحده. مرحلة تزداد غموضا مع ما يطفو الآن على السطح من عمل حثيث على استعادة وتغذية مناخ الانقسام السياسي المفتوح على كلّ المفاجآت.
مناقشة ميزانية الدولة والحكم في قضية مقتل لطفي نقّض و جلسات العدالة الانتقالية :
بعد بداية هادئة بدت فيها حكومة الوحدة الوطنية وكأنها تتجه بثقة نحو عقد تسويات عاجلة وضرورية تسمح لها بالتفرّغ للملفات الكبرى، إذ نجحت في حلحلة مشكلة “بيتروفاك” في جزيرة قرقنة، ثم باشرت معالجة ملفّ الفسفاط الذي عجزت أمامه كل الحكومات المتعاقبة، ها هي تجد نفسها وهي تطرح مشروعي قانون المالية والميزانية العامة للدولة في مواجهة مفتوحة مع أكبر طرف اجتماعي/سياسي منظّم في البلاد ألا وهو “الاتحاد العام التونسي للشغل”. إذ ترفض المنظمة النقابية مقترح الحكومة القاضي بتأجيل زيادات الأجور المقرّرة في الوظيفة العمومية لسنة 2017 بحجّة عجزها عن توفير الموارد المالية الضرورية لميزانية الدولة الجديدة وتلوّح بالإضراب العامّ لإسقاط مشروع قانون المالية الحكومي. حجّة المنظّمة النقابية هي رفض تحميل فئة الأجراء لوحدهم ضريبة الأزمة الاقتصادية وفشل الحكومات المتعاقبة، وهي حجّة ترفعها كل القطاعات المهنية الأخرى كالمحامين والأطباء الذين يرون أنهم مستهدفون بقانون المالية الجديد دون غيرهم من المهن. ورغم دخول الطرفين الحكومي والنقابي في مفاوضات مكثّفة منذ مدة يبدو أن اتحاد الشغل اختار التحرّك من خارج روحية اتفاق قرطاج أو على هامش منها رغم اعتقاد البعض أن تلويحه بالإضراب العام في ظرف يدرك جيّدا خطورته  وهو على مسافة شهرين من مؤتمر عام (جانفي 2017 ) ستعرض خلاله قياداته الطامحة حصيلة “نضالاتها ومكاسبها” أمام القواعد الناخبة. ومع هذا  فليس من المبالغة في شيء القول أن عدم حصول اتفاق بين الحكومة والاتحاد قد يعصف لا فقط باتفاق قرطاج بل بقواعد الانتظام السياسي الهش برمّته.   
أما تطوّرات ما عرف بقضية “لطفي نقض” فقد كشف الحكم ببراءة المتهمين بقتله حجم الجهد الذي ما زال على التونسيين بذله لترسيخ ثقافة احترام استقلال القضاء كشرط من شروط مدنية الدولة الحافظة للحقوق والحريات. لقد صادف الحكم القضائي عقولا حزبية  تبحث عن تعبئة عاطفية دغمائية لجماهير تفقد تدريجيا ارتباطها بعالم الأحزاب (لا السياسة عموما كما يروّج الكثيرون رغم العلاقة بين الأمرين ) بعد أن شحنتها الثورة بطاقة وجدانية عالية مثّلت وقودا ضروريا وواثقا للمرحلة التأسيسية المتقلّبة. الحكم ببراءة المتهمين التقطه المنشقون عن نداء تونس كفرصة للمزايدة عليه واتهامه بالتفريط في دم الفقيد. ومنازعته شرعية تأسيس يراد لها أن تُؤسطَرَ متناسين أن الاجتماع السياسي المدني الحديث لا يحتاج “طوطما” بقدر ما يحتاج فهما علميا لاتجاهات المستقبل . هذا الحكم القضائي التقطه المختلفون داخل النداء كفرصة نادرة لاستعادة الوحدة المفقودة . فبدا لهم طريق إثارة غريزة الثأر أقرب وأيسر قبل أن ينتبهوا إلى انه طريق محفوف بالدم والغرائز البدائية المفتوحة على الانقسام والفتن المظلمة فيعدلوا عن لغة التشكيك المطلق في المؤسسة القضائية ويتبرّؤوا ممن دعا من داخلهم إلى القصاص البدائي من “القاتل”. هذا التدارك الحكيم ينبئ عن صلابة ما في قاعدة البناء السياسي التوافقي السلمي الذي قد يصبح ثقافة مشتركة وجامعة إن توفرت له العقول الواعية بطبيعة اللحظة التونسية الحرجة.
الامتحان الثالث الذي يوشك مسار الوحدة الوطنية أن يتعثّر فيه هو ما نَكأته شهادات ضحايا الاستبداد في جلسات العدالة الانتقالية من جراح ومآسي الذاكرة الجماعية. جراح عميقة ومذهلة ومرعبة ولكنها  يمكن أن تلتئم ويُلأم معها النسيج الوطني المشروخ إن قُيّض لمسار العدالة الانتقالية الصعب أن يحيي في التونسيين رصيد الشعور الإنساني والوطني العابر لانقساماتهم الإيديولوجية المرَضية ولحساباتهم السياسية الصغيرة. ولكن فتح هذه الجراح بطريقة فوضوية غير محاطة بحكمة المعالجة النهائية وبالنظر إلى المستقبل قد تعمّق الأخاديد الفاصلة بين ضحايا كثر ما زالوا ينزفون إنسانيتهم وجلاّدين يستنكفون من تقديم شهاداتهم لتفكيك آليات نشأة الاستبداد وتمأسُسِ الجريمة في المجتمعات ويمنعهم عنادهم المكابر من بوح  تطهّري يخفّفهم  من طبيعة التوحّش التي طرأت على إنسانيتهم لأسباب ربما قد يجهلونها هم أنفسهم وتمثّل جلسات الاعتراف والمصارحة فرصة لهم وللبشرية لفهمها ومعالجتها.
نجاح العدالة الانتقالية هو “فرصة” ولادة جديدة للجميع، للضحية والجلاّد (اللذين سيتخلّصان من لعنة  الاسم )  وللسياسيين وللإنسان في هذا الوطن المتخبّط في شراك ماضيه، شرط أن تخرج من دائرة التوظيف السياسي الانتهازي ومن الرغبة المرضية في الانتقام. هذه العدالة “الجذرية” أفق يقصر دونه خيال الذين رفضوا مواكبة الخطوات الأولى لهذا المسار التأسيسي الجديد غافلين عن أنه يوفّر لهم فرصة التأسيس الإنساني للسياسة بما يتعالى عن حساب المغانم والتجاذبات المهدّدة للمسار الانتقالي وللوطن برمّته.
خاتمة:
ميزة الحراك التاريخي التونسي منذ الثورة، وربما مصدر غرابته وفرادته، أنه يراوح في اللحظة نفسها بين قمّة الممكن الإنساني المستقبلي وحضيض البدائية المتوحّشة. فهل يمكن اعتبار هذا الترنّح الخطير جزء من طبيعة اللحظة الثورية الانتقالية وتعقيداتها؟ أم أن اللحظة مثقلة بقصور أصيل وعميق في بنية تفكير تعجز عن التحرّر من أثقال الماضي ومن حسابات المصلحة الصغيرة. في هذا الوضع يصعب وجود جهة تضبط حدود سير البلد ، وأنها مقبلة على تحوّلات تتجاوز قدرة الجميع على الضبط والتحكّم . تحوّلات لا تقلّ جذرية عما أنجزته من إسقاط مفاجئ  لاستبداد ظنّه الكثيرون راسخا لا يزول.         

أكتب تعليق