سوريا ما بعد “آسِتانا”: تعايش المتناقضات ومستقبل النظام والمعارضة


تلخيص :
يوم 20 من شهر فيفري الجاري ، وبعد ست سنوات من الثورة، تمكنت القوى المتصارعة في سوريا من ضرورة تجديد محادثات لاعطاء فرصة لمبادرة “الاستانة”. ستجري جولة جديدة من المفاوضات في جنيف برعاية الامم المتحدة، وفق ما أعلنه المبعوث الأممي الى سوريا “ستيفان ديمستورا” لاختبار مدى قبول جميع الأطراف في النظام والمعارضة لما تم الاتفاق عليه دوليا. و بعد ان طالب البيان الختامي لمحادثات “أستانا” بمحاربة تنظيمات مثل “دَاعش” و”النُصرة”، تبقى الأطراف الدولية اللاعب الرئيس في المسألة السورية لعقد من الزمن في المستقبل، وتظل المصالحة سبيلا وحيدا يخفف من خسائر سوريا في كل المجالات ويعجل بالوئام المدني ويحدد ملامح النظام والمعارضة .


مقدّمة
تأجل اجتماع جنيف الذي كان مقررا في الثامن من فيفري الجاري، إلى 20 من نفس الشهر للتأكد وفق مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، من رغبة الأطراف المتنازعة في التوصل إلى سلام حقيقي في سوريا،أو بتعبيره” لإعطاء فرصة لمبادرة أستانا، والتأكد من صمود وقف إطلاق النار” علاوة على” تمكين المعارضة من تشكيل وفد موحد للمشاركة في المحادثات المرتقبة” وذلك بعد 6 سنوات من الحرب المدمرة في سوريا التي خلفت آلاف القتلى فيها وملايين المهجرين. وفي حال لم تتمكن المعارضة من تشكيل وفدها فان المبعوث الحالي، هو من سيقوم باختيار المجموعات التي يمكنها المشاركة في المفاوضات. ويبدو أن الطريق معبدة للمفاوضات القادمة رغم وقف اطلاق النار الهش، وجهود الإغاثة التي لا يرى المبعوث الدولي سببا يعرقلها.
تعقيدات المشهد وحسابات الاطراف المتدخلة
بدا أخيرا أن جميع القوى المتداخلة في الأزمة السورية وتحديدا روسيا وتركيا وايران قد أدركت أن لا حل عسكري في البلاد، بل إنه مستحيل، وفق تعبير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو ما تمخضت عنه مباحثات أستانا، في 23 و24 جانفي الماضي.وكانت تلك أبرز الاستخلاصات حسب التصريحات الصادرة عن رعاة المباحثات. وهي تصريحات ربما جاءت متأخرة نسبيا عن توصيات لجنة الأمم المتحدة في جنيف سنة 2012 والتي دعت إلى جملة من المبادئ في مقدمتها وقف اطلاق النار بشكل نهائي والدخول في المفاوضات السياسية حول مستقبل سوريا ونظام الحكم الذي يجب أن يسود فيها. وعندما يؤكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ذلك بعد 6 سنوات من الصراع الدموي في سوريا، وبعد أكثر من عام من التدخل الروسي العسكري في الصراع وتحديدا في سبتمر 2015، أو التورط الروسي بحسب اختلاف المكاييل السياسية والعسكرية، ويجدد تلك القناعة بعد الزيارة التي أداها مؤخرا العاهل الأردني إلى موسكو، فإن ذلك ينبئ عن تحول في سير اتجاه الحرب أو قل استئنافها بالوسائل والطرق الدبلوماسية والسياسية. مستعدون لكل شئ: مما لا شك فيه أن النظام السوري والمعارضة قد تعبوا من الحرب والصراع وتكاليفها المادية والمعنوية وجميعهم مقر بأنه لن يستطيع تحقيق النصر النهائي على الطرف الآخر في ظل موازين القوى على الأرض، وبعد تجربة كافية للحكم على الأداء الشخصي وقوة الضفة الأخرى. فالنظام السوري وعلى لسان بشار الأسد قد أكد قبل انطلاق مفاوضات أستانا أنهم،أي النظام ومن معه” مستعدون لكل شئ”. ولم يكن ذلك موقف النظام السوري وحسب، إذ أن المعارضة كانت أحرص منه أثناء المفاوضات في كازخستان، على وقف اطلاق النار، بل أن يكون شاملا لكل التراب السوري.
في 20 فيفري الجاري ستجري جولة جديدة من المفاوضات في جنيف لاختبار مدى قبول جميع الأطراف في النظام والمعارضة لما تم تخطيطه دوليا لسوريا، وهو أمر غير سري وليس مجرد تحليل للنوايا بقدر ما يرتكز على أوراق التفاوض التي اعتمدتها الأمم المتحدة والنتائج التي خرجت بها في الجولات السابقة، وتعذر في ما مضى من وقت تنزيلها لعدة عوامل سياسية وعسكرية، وسقوط حلب وما تلاه كان كافيا لإقناع المعارضة باستحالة النصر النهائي، بل لم يكن التدخل العسكري الروسي الذي لم ترفع واشنطن فيتو ضده سوى لتحقيق هذا الهدف وهو حماية النظام السوري من الانهيار التام، ولكن ليس لتأبيده في السلطة. وقد ساعدت تركيا وواشنطن في هذا المنحى عندما قامتا بعمليات عسكرية داخل سوريا دون أن تستهدفا القوات العسكرية السورية. لقد أصبح من العسير تحقيق المعارضة نصرا عسكريا على النظام السوري بعد التدخل الروسي، ولم يبق أمامها سوى القبول بالتفاوض مع النظام، بعد أن قدم الشعب السوري نحو نصف مليون قتيل ونحو 5 ملايين لاجئ حول العالم، ولم يعد نظام الأسد قادرا على إدارة الدولة بعد انخفاض الميزانية في هذه السنوات من 60،19 مليار دولار سنة 2010 إلى أقل من 30 مليار في السنتين الماضيتين وارتفع معدل التضخم من 4،4 سنة 2010 إلى 89،62 في السنتين الأخيرتين . وهو ما يمنع النظام من الاستمرار في الحرب حتى بوجود الجيش الروسي. اللعب على التناقضات : ممالا شك فيه أن التدخل الروسي وغيره في سوريا يمثل إرادة دولية، لا ينفي المصالح الشخصية التي تتقاطع مع بعضها البعض. إذ أن نصر عسكري نهائي للنظام في سوريا، لا يخدم السلم الأهلي، ولا مصالح الأطراف التي تود التخلص منه لعدة اعتبارات جيوسياسية وجيواستراتيجية وانسانية لها علاقة بالوضع الداخلي في بلدانها وتوجهات الرأي العام. كما إن تحقيق المعارضة لنصر عسكري على النظام السوري لا يخدم أهداف القوى الدولية الساعية للعب دور محوري في الساحة العربية ومنها السورية لا سيما وهي تجيد اللعب بحكم الخبرة والتراكمات التاريخية على حبال التناقضات في المنطقة، سواء كانت آيديولوجية أو دينية أو طائفية أوسياسية وغيرها. ووجود متناقضات في الساحات العربية يمكن القوى الدولية على مختلف مسمياتها من لعب دور المشرف والوسيط والمدير والمرجع عند الاختلاف.
إدارة الأزمة بيد الخارج
يبقى إذا جمع المتناقضات في السلطة والمجتمع هدفا رئيسيا للقوى الكبرى في البلاد العربية يسمح لها بالتدخل، والتحكم في مخرجات اللعبة السياسية، وعدم السماح بإختلال التوازن في هذا السبيل،إلا إذا اقتضت المصالح ذلك كما حصل في انقلاب مصر الذي تحاول بعض القوى حاليا تليينه للقبول بوجود معارضة فاعلة بعد أن أوصلته للسلطة بضوء أخضر منها. وسيناريو مصر الذي يعمل خليفة حفتر على نسخه في ليبيا وفشل، ومع ذلك يرفض لعبة المتناقضات في السلطة ويحاول الاستئثار بها، يمكن أن يتكرر في سوريا بعد التوصل إلى توافقات سياسية في المدة القادمة، إذا لم تكن هناك صمامات أمان وضمانات مؤكدة على الميدان. حيث أن بقاء بشار الأسد على رأس السلطة في سوريا أثناء إجراء الانتخابات المزمع اجراؤها في وقت لاحق يعني استمرار الأزمة السورية، وامكانية انفجارها في أي لحظة بعذ ذلك، وهو ما يدركه المجتمع الدولي. بيد أن القوى الدولية ليست جمعيات خيرية سواء في نشاطها الإغاثي أو مساعيها السياسية لوقف القتال بشروطها هي، وقد حققت الحرب في سوريا جزءا كبيرا من تلك الشروط ومن بينها { 1 } عدم امكانية اجراء تفاهمات بين النظام والمعارضة بدون تدخل مباشر من تلك القوى { 2 } عدم استغناء الأطراف السورية عن تلك القوى أثناء العملية السياسية، التي لا تزال تشوبها الكثير من التحديات ومنها عودة القتال لأكثر من ساحة في سوريا بعد محادثات أستانا، وقبيل انطلاق مفاوضات جنيف في20 فيفري الجاري. { 3 } استمرار حاجة سوريا للدعم الخارجي لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وإعادة المهجرين، ومعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن الحرب، وهو ما ذكر به مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئيين فيليبو غراندي بداية الشهر الجاري أثناء زيارته لحلب ومشاهدة أنقاض القصف الروسي على أحيائها المدمرة حتى بدت كبيوت النمل، قائلا” من الضروري إرساء السلام لإعاة البناء وتابع” انظروا إلى هذه الأطلال ، هذا الذي فر منه المهجرون ، وحتى يعودوا إلى هذا الحكام لا بد من توفير أبسط الأشياء للبدء من جديد ، ونحن في حاجة للموارد والمساعدات الانسانية وقبل ذلك السلام من أجل الأمن والعيش الكريم”.{ 4 } هذه العوامل تفرز رغبة لدى جميع الأطراف في كسب ود القوى الدولية، ليس فيما يتعلق بالقضايا آنفة الذكر فحسب، بل بتموقعها ذاتها في السلطة والمجتمع السوري والمحيط والمنتظم الدولي، وذلك لن يكون بدون ثمن، هناك مواقف يجب أن تتخذ ، واجراءات لا بد أن ترى النور، وتنازلات قد تكون مؤلمة من قبل بعض الأطراف سياسيا وثقافيا وغير ذلك. وهذا ما جعل بعض الأطراف السورية سواء كان نظام بشار أو المعارضة وبدون شك اللاعبون الرئيسيون في الملف السوري من خارجها يعرقلون أو يؤجلون أو يماطلون أو يتريثون في الدخول في مرحلة التفاوض السياسي حتى تنضج الطبخة السورية وعلى طريقتهم ليحصلوا على السفرة { بضم السين } التي يريدون.
عندما تنضج الطبخة السورية حسب معايير ومكاييل و ذوق الطهاة، هناك اجراءات عاجلة واستثنائية ومصيرية لا بد من اتخاذها، ومن بينها { 1 } اطلاق سراح الأسرى لدى جميع الأطراف، والكشف عن أماكن المقابر الجماعية أو الفردية. وضمان حرية التنقل للأفراد وللمجموعات وللمؤسسات الدولية والصحافيين والجمعيات الإغاثية المحلية والإقليمية والدولية { 2 } تشكيل حكومة انتقالية تشرف على الانتخابات، ووقف العمل بالقوانين المخالفة للديمقراطية وحقوق الانسان، حتى قبل سن قوانين بديلة في وقت لاحق. ويقوم البرلمان المنتخب بسن دستور ديمقراطي تعددي يضمن حقوق الانسان لجميع أهل سوريا والنص على حقوق الأقليات في سوريا { 3 } يعرض الدستور على الاستفتاء العام. وهناك من يدعو لحوار وطني حول الدستور قبل اجراء الانتخابات. وهو أمر ورد في أعقاب محادثات جنيف، وهناك توصيات بتمثيل المرأة في البرلمان.
مستقبل بشار و المعارضة المسلحة
في جميع البلدان التي شهدت حروبا وتدخلت الأمم المتحدة أو حلف شمال الأطلسي فيها، جرت عمليات جمع السلاح من أيدي المسلحين، على أيدي قوات حفظ السلام، وهو ما لم يتحدث عنه أحد حتى اليوم في سوريا. لكن العملية السياسية في سوريا لن تنجح للأسف إلا بوجود قوات أممية فوق الأرض تقوم بالمساعدة على استتباب الأمن بين مجموعات شديدة العداوة في ما بينها. وتقوم بالمهام الانسانية أو تأمينها بالأحرى في المناطق التي تحتاج للمساعدة في المرحلة الانتقالية بسوريا. وضمان الخدمات العامة للمواطنين من بريد وبنوك ومستشفيات وغيرها. وفي الوقت الذي سيسرح فيها كبار الضباط في الجيش واستخبارات نظام بشار سيتم الإبقاء مقارنة بتجارب مماثلة على الضباط الأقل رتبة في العمل. في حين سيسرح أفراد قوات المعارضة ، ويتم إعادة ادماجهم في الحياة الاقتصادية ، وتمكينهم من مبالغ مالية لإقامة مشاريع صغرى ، ويشمل ذلك أيضا الكثير من قوات جيش النظام وهو ما تم العمل به في الحرب اليوغسلافية التي شهدتها البلاد في تسعينات القرن الماضي. لم يتم الحديث عن مستقبل بشار في المدة الأخيرة، ولكن تم الحديث عن امكانية مشاركته في الانتخابات المزمع إقامتها مستقبلا، وهوما أثاره الرئيس الفلسطيني محمود عباس في حواره مع الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما حول مستقبل بشار حيث طلب إزاحة بشار عن السلطة، لكن محمود عباس تحدث عن بشار المواطن السوري الذي يرغب في المشاركة في الانتخابات فوافق الرئيس الأمريكي الأسبق. ولأن الشيطان يكمن في التفاصيل فقد تم تحاشي الحديث عن مستقبل بشار في محادثات أستانا، في حين تطرقت إليه مجموعة الاتصال الدولية المتعلقة بسوريا في جنيف 2 بطريقة غير مباشرة ، عندما تحدثت عن حكومة انتقالية تجرى في ظلها انتخابات حرة وشفافة. ومن غير المعقول أن تكون الحكومة الانتقالية على رأسها بشار الأسد. ومن المتوقع أن يتم ابعاد بشار الأسد على أمل أن يسمح له بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية لاحقا وكمواطن سوري وفق ما ذهب إليه محمود عباس.
خاتمة
الطبخة السورية جاهزة تقريبا، لأن رغبة أي طرف سوري في استمرار الحرب ستكلفه كثيرا وقد تقضي على مستقبله { 2 } إذا استمرت الحرب فهناك مصلحة ما لطرف محلي أو دولي لم يحققها ويريد تحقيقها من خلال استمرار الحرب ولا سيما التنظيمات المسلحة التي طالب البيان الختامي لمحادثات أستانا بمحاربتها كداعش والنصرة { 3 } الأطراف الدولية ستظل أحد اللاعبين إن لم تكن اللاعب الرئيس في المسألة السورية لعقد من الزمن على الأقل { 4 } المصالحة ستخفف خسائر سوريا في كل المجالات وستعجل بالوئام المدني { 5 } مسار العدالة الانتقالية مهم في سوريا وسيأخذ وقتا طويلا { 6 } إعادة بناء ما دمرته الحرب وجبر الضرر الذي لحق بالممتلكات العامة والخاصة يحتاج لمشروع دولي ودعم من الدول النفطية { 7 } يجب على دول المنطقة استخلاص العبر من التجربة الدموية في سوريا حيث أدت عمليات مواجهة المتظاهرين بالرصاص في سوريا إلى حمامات دم، حيث يمكن لطرف أن يطلق الرصاصة الأولى لكنه ينبغي أن يفكر جيدا في كونه لن يضمن أن يكون من يطلق الرصاصة الأخيرة. رفض طرف داخلي لآخر هو دعوة للاحتراب الداخلي والحرب الأهلية وللتدخل الدولي في المسألة الوطنية. فقد كان بإمكان بشار الأسد التوصل إلى اتفاق مع المعارضة يجنب البلاد كل هذه الويلات التي عاشتها سوريا على مدى 6 سنوات، فضلا عن التدخلات الدولية وقتل الشعب السوري بكل أنواع الأسلحة البرية والجوية والبحرية وتهجيره وتدمير مقدراته الاقتصادية وجزء كبير من استقلاله السياسي علاوة على خضوعه الكامل للوصاية الدولية كما هو الحال توا . فعندما اقترح على بشار قبل الأزمة بسنوات فتح صفحة جديدة مع فصيل من المعارضة السورية رد” هذا الملف أغلق نهائيا” لكنه فتح بالدم وتكدست الملفات على صدر سوريا والشعب السّوري الذي ينوء وحده بحملها الآن.

عبد الرزاق بلحاج مسعود
عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.

أكتب تعليق