زيارة  يوسف الشّاهد إلى أمريكا : الرّهانات في سياق المتغيّرات

 
ملخّص
 تتجه أنظار التونسيين خلال هذه الأيام  إلى الزيارة الهامة التي يؤديها رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن انشغلوا على امتداد الأسابيع الأخيرة بملفين هامين هما ملف االحرب على الفساد ، والتحوير الحكومي المنتظر. وتكمن أهمية هذه الزيارة في أنها الأولى لمسؤول تونسي رفيع المستوى في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، وفي أنها تتزامن مع تحولات هامة وطنيا وإقليميا ودوليا ، للولايات المتحدة دور رئيس فيها. وإذا كانت الدبلوماسية التونسية قد استبقت هذه الزيارة بمواقف واقعية ، رصينة ،  متوازنة متجانسة مع ثوابت سياستها الخارجية  في علاقة بأزمة الخليج ، أو في علاقة بالملف الليبي ، فإن الوضع الداخلي تميز هو الآخر بتحقيق حالة من الاستقرار السياسي ، وتقدم في المسار الديمقراطي في ظل توافق بين نداء تونس وحركة النهضة ذات التوجه الإسلامي الديمقراطي ، مكّن من تحقيق إنجازات هامة  في تركيز المؤسسات الدستورية المستأمنة على التحول الديمقراطي الذي تعيشه البلاد منذ ثورة 17 ديسمبر 2010 / 14 جانفي 2011 . كل هذه المواقف ، إضافة لما تحقق في مجال الحرب على الإرهاب ، ومحاربة الفساد ، لا يمكن إلا أن تنظر له الولايات المتحدة بعين الرضا  ويدفعها إلى مزيد دعم تونس اقتصاديا وسياسيا وامنيا. 

مقدمة
من المنتظر أن  يلتقي رئيس الحكمة التونسية يوسف الشاهد خلال زيارته  من 9 إلى 13 جويلية الجاري إلى الولايات المتحدة بنائب الرئيس الأمريكي وعدد من الشخصيات في الإدارة الأمريكية الجديدة من أهمها وزراء الخارجية والدفاع و الخزانة . كما انه سيلتقي أعضاء لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ وأعضاء لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب. ومن المنتظر أن يلتقي بالمدير العام المساعد لصندوق النقد الدولي وبمسؤولين من البنك الدولي بالإضافة إلى لقاء مع مجموعة الأعمال الأمريكية. هي زيارة بالغة الأهمية ، سواء من حيث التوقيت ، أو من حيث الرسائل ، أو من حيث ما يمكن أن تعود به على العلاقات الثنائية بين البلدين من مكاسب . وهي أيضا فرصة لتبيان موقف الإدارة الأمريكية الجديدة من تركيبة المشهد السياسي التونسي خاصة في علاقة بحجم مشاركة حركة النهضة خاصة إثر إعلانها  في مؤتمرها العاشر عن التزامها بالطابع المدني ومشاركتها الفاعلة في صوغ دستور مدني ديمقراطي ، وفي الانتقال الديمقراطي ، والحرب على الإرهاب ، ودعمها للشاهد في حرب حكومته على الفساد .
1 ) تاريخ العلاقات التونسية الأمريكية : قرنان من العلاقات المتميزة
أولت الولايات المتّحدة أهمّية كبرى لعلاقاتها الدّيبلوماسيّة مع تونس ،إذ أبرمت يوم 26 مارس 1799 أوّل اتّفاقية للصّداقة والتّبادل التّجاري بين تونس والولايات المتّحدة.  وتبعا لذلك وقع بعث أوّل قنصليّة أميركيّة بتونس يوم 20 جانفي 1800 بساحة العملة بالمدينة العتيقة بالعاصمة .تلاه  تعيين سفير تونسي لدى الولايات المتّحدة سنة 1865. وأثناء فترة الاحتلال الفرنسي لتونس ، أقام قادة الحركة الوطنية علاقات طيّبة مع الولايات المتّحدة التي كانت أول قوة عظمى تعترف بسيادة الدولة التونسية  وذلك يوم 17 ماي 1956 . وفي شهر مارس 1957 تمّ إمضاء اتّفاق تقدّم بمقتضاه  الولايات المتّحدة المساعدة الفنّية والاقتصادية لتونس ومثّل ذلك الاتفاق الأوّل لقائمة طويلة من الاتفاقيات. فخلال الخمس وثلاثين سنة لتواجدها في تونس، وفرت الوكالة الأميركيّة للتّعاون الدّولي لتونس أكثر من 1.4 مليار دولار في شكل قروض بفوائض منخفضة، وهبات، وبرامج للدّعم الفنّي ومبيعات ومواد فلاحيّة  ولعبت  دورا فعّالا في تشييد مطار تونس قرطاج الدّولي وعدد من المشاريع الضّخمة الأخرى على غرار سد وادي نبهانة، وشبكات الرّي  والطّرقات السّيارة والجسور بمختلف مناطق البلاد » ( * )
واذا كانت العلاقات التونسية الأمريكية تعود الى أكثر من قرنين ، فإنها صارت  اكثر متانة مباشرة إثر استقلال تونس التي اختارت الانخراط في ما يسمّى بـ”العالم الحرّ” والمعسكر الغربي الذي تمثل الولايات المتحدة أحد قطبيه .وقد شهدت هذه العلاقات تطورا ملحوظا لم يعكره سوى العدوان على حمام الشط سنة 1985  من خلال تهديد الرئيس الحبيب بورقيبة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة إن هي مارست حق النقض أمام  قرار إدانة الكيان الصهيوني . كما لم تشهد العلاقات بين البلدين الصديقين تغييرا من حيث الطبيعة والمتانة ومجالات التعاون في عهد بن علي الذي عمد إلى إعلان اصطفافه مع إدارة الرئيس بوش في حربها على الإرهاب إثر اعتداء 11 سبتمبر لتبرير سياساته القمعية حتى قامت الثورة التي أسقطت نظامه .والشعب التونسي ، لا يمكن أن ينسى اللحظة التاريخية التي وقف فيها أعضاء الكونغرس في عهد الرئيس السابق باراك أوباما يصفق تحية لثورة الحرية والكرامة في جانفي 2011 .
 2) علاقات التعاون التونسية الامريكية بعد الثورة : المجالات وحجم المساعدات ( **)
ظلت الولايات المتحدة منذ قيام الثورة التونسية ملتزمة بدعم المسار الديمقراطي بما  يدعم المجتمع المدني ويسمح بتمكين المرأة والشباب ويحفز الإصلاحات الاقتصادية ويرسخ مشاركة المواطنين في الحكم ويدعم الأمن. وفي هذا الإطار، عمل الرئيس أوباما بالتعاون مع الكونغرس على تقديم 100 مليون دولار  كدعم لتونس، مما رفّع في قيمة الدعم الأمريكي الجملي إلى ما يقارب 700 مليون دولارا . وفي 20 ماي 2016 ، وقع ممثلون عن الجانبين الأمريكي والتونسي مذكرة تفاهم تؤكد  علاقات الصداقة والقيم المشتركة التي تجمع بين البلدين وتدعم الانتقال الديمقراطي  بتونس . وقد نصت الوثيقة على جملة من أنشطة التعاون بين البلدين، من أهم مجالاتها وبرامجها:
توسيع نطاق النمو الإقتصادي الشامل 
· استعداد الولايات المتحدة  للنظر في تقديمضمانة قروض تصل قيمتها إلى 5000 مليون دولار موجهة لدعم برنامج الإصلاحات الجاري.   (  سبق للولايات المتحدة أن قدمت ضمانات للقروض السيادية التونسية في مناسبتين مكنت الحكومة التونسية من اقتراض 485 مليون دولارا  سنة 2012 و500 مليون دولار سنة 2014  ) وساعدتها بالتالي على النفاذ إلى الأسواق المالية العالمية.
· عمل كل من الولايات المتحدة وتونس من خلال الاتفاقية الإطارية للتجارة والاستثمار علىدفع الاستثمار والتجارة الثنائية و  تيسير الشراكة بين المؤسسات الأمريكية والتونسية و تحسين شفافية الإطار القانوني و دعم نفاذ القانون وحماية الملكية الفكرية بالإضافة إلى  تشخيص فرص تنمية القدرات و حل بعض الإشكاليات التجارية .
· توفر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من خلال مشروعها الإصلاح في مجال الأعمال والمنافسةBusiness Reform and Competitiveness Project مساعدة فنية لفائدة شركات تونسية قصد تحسين نفاذها إلى رؤوس أموال وتطوير فرص النفاذ إلى أسواق جديدة وتنمية جمعيات الأعمال.
· يوفر المشروع أيضا بالاشتراك مع برامج أمريكية أخرى، تربصات لفائدة الشبان التونسيين تطور قدرتهم التشغيلية إلى جانب تنمية قدرة المؤسسات الداعمة للقطاع الخاص التونسي وتحفيز الإصلاحات المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات والاتصال بما يخدم تطوير النمو الاقتصادي. ويواصل الصندوق التونسي-الأمريكي للمؤسسة، بفضل تمويل أمريكي يقدر ب60 مليون دولارا  دعمه للقطاع الخاص التونسي من خلال الاستثمار في المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي من شأنها المساهمة في التشغيل وفي تطوير نمو اقتصادي شامل.
دعم الديمقراطية والمجتمع المدني وبناء التوافق 
  ·تدعم الولايات المتحدة بقوة جهود الحكومة التونسية الرامية إلى تطوير الحوكمة الشاملة والأمن والازدهار وحقوق الانسان لفائدة كل التونسيين إلى جانب تطوير علاقاتها مع الشركاء بالمنطقة.
· قدمت الولايات المتحدة منذ الثورة سنة 2011 مبلغا جمليا يتجاوز 80 مليون دولار في إطار مبادرات تنهض بالحوكمة الرشيدة والشفافية الجبائية إلى جانب بناء القدرة التنظيمية لمؤسسات المجتمع المدني وتطوير مشاركة الشباب في الحياة المدنية وقيادة الشأن السياسي.
·  دعم الولايات المتحدة للانتخابات التونسية بنحو 15 مليون دولارا سنة 2014 وقد شمل هذا التمويل المنظمات غير الحكومية الأمريكية والتونسية خلال كل من الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2014 إلى جانب تمويل عدة بعثات دولية لمراقبة الانتخابات.
· توفير تمويل إضافي بعنوان سنة 2016 يقدر بنحو 100 ملايين دولار على الأقل من قبل وزارة الشؤون الخارجية الأمريكية من خلال       ” مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسط  ” وذلك لدعم الانتقال الديمقراطي وتطوير قدرات مكونات المجتمع المدني التونسي المتنامية ، وقد ساعدت هذه المبادرة التونسيين منذ 2011 على زيادة دورهم في المسار السياسي وتوسيع نطاق الفرص الاقتصادية خاصة بالنسبة للشباب والنساء.
· تساهم وزارة الشؤون الخارجية الأمريكية من خلال المبادرة نفسها وبالتعاون مع ” منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية “في إنجاز مشروع ساعد تونس على أن تكون ثاني دولة عربية تنضم إلى الشراكة من أجل الحوكمة المفتوحة وهي منظومة تساهم في تطوير الحوكمة والشفافية.
·  ساعدت الولايات المتحدة تونس على الانضمام إلى الشراكة المذكورة وذلك من خلال دعم تنفيذ التشريع التونسي لحرية الإعلام بعنوان سنة 2011.
 دعم التعاون في مجالي الثقافة والتربية 
· تعتزم مؤسسة سميثونيان إرساء مشروع تعاون مع وزارة الثقافة التونسية يهدف إلى  رقمنة مجموعة الآثار التي يحتويها متحف باردو إلى جانب تطوير فرص السياحة التونسية.
· تمكن 400 شاب تونسي من الدراسة في الجامعات و مؤسسات Community College الأمريكية لمدة سنة واحدة في إطار برنامج توماس جيفرسن للمنح.
· أطلقت الولايات المتحدة في أوت 2014 برنامج منح فولبرايت تاك بلاس البالغة قيمته 5 ملايين دولار وذلك لتمكين أكثر من 40 تونسيا من الحصول على شهادة الماجستير الأمريكية في خمس مجالات (العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، الرياضيات، الأعمال) وتطوير قدرات الخريجين وشبكاتهم المهنية.
تطوير القدرات الأمنية
· تمثل تونس شريكا هاما في إطار الجهود الإقليمية الرامية إلى مقاومة الإرهاب. وقد منحت الولايات المتحدة الأمريكية مبلغا جمليا يتجاوز 225مليون دولار بعنوان المساعدة الأمنية لتونس منذ سنة  2011 وذلك لدعم قدرات تونس لمجابهة التهديدات والارهاب على المستويين الداخلي والإقليمي.
· تعتزم الإدارة الأمريكية منح تونس صفة ” حليف أساسي غير عضو في حلف شمال الأطلسي ”  اعترافا بالقيم التي تتقاسمها مع الولايات المتحدة الأمريكية وبالمكاسب الديمقراطية التي حققتها تونس وبتنامي التعاون الثنائي في المجال الأمني ومكافحة الإرهاب.
· تم توجيه مبلغ يتجاوز 100 مليون دولار بعنوان المساعدة الأمنية منذ سنة 2011 لتنمية قدرات وزارة الدفاع التونسية ولمجابهة الإرهاب. كما تولت الولايات المتحدة تنظيم دورات تكوينية لفائدة العسكريين التونسيين ومنحهم تجهيزات تمكن من تطوير جاهزيتهم في مجال الترصد والانتشار وحماية الحدود.
· تشمل المساعدة الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة لتونس منذ سنة 2011 برامج شراكة تفوق قيمتها الجملية 50 مليون دولارا مع كل منوزارتي الداخلية والعدل تهدف إلى المساعدة على تطوير قدراتهما العملية فضلا عن تنظيم دورات تكوينية وتقديم تجهيزات من شأنها دعم شفافية قوات الأمن وتحسين جاهزيتها.
· تسعى الإدارة الأمريكية بالتعاون مع الكونغرس إلى الترفيع في الدعم المقدم لكل من وزارتي الداخلية والعدل التونسية بتقديم 7 مليون دولار في إطار البرنامج الدولي لمكافحة المخدرات وإنفاذ القانون الذي يهدف إلى إصلاح المنظومة الأمنية والقضائية والسجون.
· ساهمت الولايات المتحدة في دعم جهود الحكومة التونسية الرامية لبعث قطب أمني مندمج متعدد الوزارات لمكافحة الإرهاب. كما تغطي برامج تعاون أخرى تنمية القدرات في مجالات حماية الحدود وإنفاذ القانون والاستعلامات وتبادل الخبرات الناجعة في مجال مكافحة الإرهاب لفائدة هياكل القضاء الجنائي.
· وبالتوازي مع المساعدة الأمريكية المذكورة، ساهمبرنامج المبيعات العسكرية الأجنبية في تيسير اقتناء تونس لـ 8 مروحيات من نوع بلاك هوكUH- 60MM والرامية إلى تطوير جاهزيتها في مجابهة التهديدات الإقليمية ودعم قدراتها الدفاعية إلى جانب دعم عمليات مكافحة الإرهاب. إن المتأمل في حجم التعاون التونسي الأمريكي بعد الثورة يقف على مدى اتساع مجالاته وحجمه بما في ذلك المجال السياسي خاصة فيما يتعلق بالمشاورات المفتوحة بين البلدين غير أن هذا الدعم يظل ، رغم تعدد مجالاته ، وقيمته المالية ، ضعيفا إذا ما قورن بما ترصده الإدارة الأمريكية إلى مصر مثلا والتي تقدر بـ 2.1 مليار دولار سنويا . 
 3)  ملامح المواقف التونسية من الأوضاع الإقليمية في عهد الإدارة الأمريكية الجديدة
أ ) الموقف  التونسي من تغيّر الادارة الامريكية
فور الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية وجه  رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي رسالة إلى الرئيس دونالد ترامب هنأه فيها بفوزه  مشددا على العمل على مزيد تدعيم أواصر التعاون والصداقة  لما فيه خير ومصلحة البلدين الصديقين ، مشيرا إلى أن العلاقة الثنائية بين البلدين ستزداد متانة ورسوخا بفضل دعم ومساندة الإدارة الأمريكية  للتجربة التونسية مجددا التزام تونس بدعم الجهود الدولية الرامية إلى محاربة مختلف مظاهر التطرف والإرهاب. أما رئيس الحكومة يوسف الشاهد فقد صرح إبان زيارته الأخيرة لفرنسا في حوار له على أمواج راديو أوروبا 1 ان مساندة الديمقراطية في تونس تمر عبر الدعم الاقتصادي، مبرزا أهمية الدور الجيوسياسي لتونس في المنطقة . وفي تعليقه على انتخاب ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، قال : « إن ذلك لن يغير شيئا في العلاقات العريقة التي تربط البلدين والتي يرجع تاريخها الى 200 سنة، مشيرا الى ان الولايات المتحدة الامريكية قدمت المساعدة لتونس بعد الثورة.
ب ) الموقف التونسي من أزمة الخليج الأخيرة
 أكد وزير الخارجية خميس الجهيناوي أن تونس ستبقى محايدة في الصراعات التي لا تعنيها مباشرة ، مضيفا أنّ « بلادنا تتابع بانشغال الوضع في الخليج والقرارات الأخيرة التي اتخذت»،معربا عن أمله في أن يتم حصر الإشكال وتجاوز هذه الأزمة و مِؤكّدا  أن على الخليجيين تجاوز الخلافات الجارية بينهم وإيجاد حل يرضي كافة الأطراف للحفاظ على مناعة دولهم التي لها دور مهم على الساحة العربية، واختتم الموقف الرسمي لبلادنا بقوله : « العالم العربي يشهد العديد من المشاكل ولا نريد مزيدا من التفرقة ومن الأزمات» . إنه موقف واقعي ،رصين ،  متوازن ، يحفظ لتونس مصالحها ، ويؤمن عدم انخراطها في محاور ، وصراعات ومعارك لا ناقة لها فيها ولاجمل يبدو متجانسا مع الموقف الأمريكي ( على الأقل في مستوى التصريحات التي أدلى بها مسؤولو الإدارة الأمريكية ) وتونس التي تمر بانتقال ديمقراطي عسير ، ووضع اقتصادي صعب ، ، وحرب متواصلة مع الإرهاب ، والفساد ، ليس من مصلحتها إلا أن تنأى بنفسها عن صراع الأقطاب ، وإعادة تشكيل منطقة الخليج العربي .
ج ) الموقف التونسي من الأوضاع الليبية 
تواصل الدولة التونسية عبر دبلوماسيتها النشيطة الاضطلاع بدور هام ومحوري من أجل إيجاد الحلول السلمية للوضع المتأزم في ليبيا تجلى خاصة من خلال  مبادرة الرئيس  الباجي قائد السبسي وما تلقاه من دعم إقليمي ودولي لما تضمنه من انخراط فعلي لكافة القوى المتصارعة على الأرض  في إدارة الشأن العام الليبي ، ووضع حد للاقتتال الدائرة رحاه منذ سنوات بين أبناء الوطن الواحد  بالإضافة إلى ما يبذله رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي من جهود للتقريب في وجهات نظر الفرقاء السياسيين الليبيين .
هذه التحركات واللقاءات لا يمكن أن تنظر إليها الإدارة الأمريكية الجديدة إلا بعين الرضا خاصة في ظل اتساع دائرة التوترات في الشرق الأوسط  ومصلحتها في عدم اتساع بؤر التوتر في المنطقة .
4 )   مواقف الإدارة الأمريكية الجديدة من  مشاركة ” النهضة ” في الحكم   
 استبق السفير الأمريكي بتونس الإعلان عن النتائج الرسمية للانتخابات ليبعث  برسالة طمأنة إلى التونسيين بقوله :   «إن العلاقات التونسية الأمريكية ستبقى متينة، بقطع النظر عن نتائج الانتخابات »، مؤكدا التزام بلاده  بمواصلة  دعم أصدقائها وحلفائها التونسيين معتبرا أن « سياسة بلاده الخارجية لم تتغير عبر التاريخ من إدارة إلى أخرى وأن الدبلوماسية الأمريكية دأبت على أن لا تكون متحزبة » . وإذا كان الملاحظون ، ومن خلال مؤشرات عدة يعتبرون أن الإدارة الأمريكية الجديدة من أهمها تصريحات رئيسها أثناء حملته الانتخابية التي  تنحو إلى مواقف مناهضة للاسلام السياسي، وتأييد النظام العسكري في مصر ، وحصار غزة ، فإنها بالمقابل لم تبد مواقف نقدية لتركيبة المشهد التونسي الذي تشارك فيه حركة النهضة في الائتلاف الحاكم ، بل وعلى العكس من ذلك ، فإنه من المنتظر أن تتدعم النظرة الإيجابية للولايات المتحدة في ظل إدارتها الجديدة للتجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي ، وموقع حركة النهضة منها بشكل إيجابي يمكن أن يمثل أنموذجا يحتذى لعدة أسباب من أهمها :
ü مشاركتها ضمن الطيف السياسي التونسي في صوغ دستور مدني ديمقراطي ، يضمن الحريات الأساسية ، والفصل بين السلط ، والتداول السلمي على السلطة ، ومشاركة المرأة  .
ü  تخليها الطوعي على الحكم إثر الأزمة السياسية التي عاشتها البلاد خلال سنة 2013 مقابل الحفاظ على المسار الديمقراطي وإجراء الانتخابات الرئاسية التشريعية سنة 2014
 üقيامها بمراجعات فكرية هامة تتمثل خاصة في اعتماد التخصص ( الفصل التام بين المجالين الدعوي والسياسي ) خيارا استراتيجيا من خلال لائحة سبل إدارة المشروع التي أقرتها في مؤتمرها العاشر مما يخرجها نهائيا من جبة الحزب الديني الذي ينسب سابقا إلى الإسلام السياسي إلى حزب سياسي مدني
ü انخراطها اللامشروط خلال فترة حكمها ، وخلال فترة مشاركتها في الائتلاف الحاكم الحالي ، في الحرب على الإرهاب
  üدعمها لحقوق المرأة ، وتقدم كتلتها النيابية بمبادرات تشريعية تعزز مكانتها ، وتضمن حقوقها المدنية والسياسية
 ü حصول رئيسها المفكر راشد الغنوشي على عدة جوائز ومشاركات عالمية لدول حليفة للولايات المتحدة الأمريكية تثمن تجربته وإسهامه وحزبه في الانتقال الديمقراطي في تونس من أهمها:جائزة  المعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” لسنة  2012 مع الرّئيس السابق المرزوقي لدورهما الايجابي في مرحلة الانتقال الديمقراطى ، وجائزة مؤسسة ابن رشد الألمانية للفكر الحر سنة 2014 باعتباره “أحد الشخصيات البارزة التي مهدت  الطريق لتأسيس نموذج إسلامي معاصر يتوافق مع قيم الحداثة وجائزة غاندي للسلام العالمية‎‎ سنة  2016 التي تمنحها مؤسسة جمنالال بجاجا لهندية والتي تهدف إلى تعزيز القيم الغاندية خارج الهند وتعزيز قيم السلم في العالم، ليكون بذلك أول شخصيّة عربية تتحصّل على هذا التكريم.
5) أهم رهانات زيارة الشّاهد إلى الولايات المتحدة الأمريكية
بالإضافة إلى الرهانات المتعلقة بدعم وتثبيت المسار الديمقراطي بتونس ، وحربها المفتوحة على الإرهاب والفساد ، فإن تحديا هاما ملقى على عاتق رئيس الحكومة التونسية ، يتمثل في إقناع إدارة ترامب بعدم خفض مساعدتها العسكرية لتونس خاصة وان نجاحها في تلك المعركة يخدم مصالح واشنطن وحلفائها في المنطقة  . هذا بالإضافة إلى إجراءات تهدف إلى دعم الولايات المتحدة لجهود حكومة الشاهد في حربها على الفساد حتى تتمكن  من مواجهة الضغوط المتزايدة عليها  من قبل  المؤسسات المالية الدولية لمعالجة مشكلة الفساد في تونس. ومن المنتظر أيضا ان يتم التباحث في سبل التعاون بين البلدين من أجل دفع مشاريع التنمية بالمناطق الداخلية التونسية.
خاتمة
ورد في خاتمة مقال المحلل السياسي بصحيفة واشنطن بوست “كريستيان كارني” حول سياسة الرئيس ترامب بالشرق الأوسط بمناسبة حضوره قمة الرياض قوله : «إن مستقبل المنطقة العربية يكون انطلاقا من تونس ويعول عليها وليس من السعودية» منتقدا عدم مساندةالحكومات الأمريكية للتجربة الديمقراطية في تونس بالقدر الكافي رغم تميزها بتجربة ناجحة اتسمت بالسلمية  ومطالبات “ترامب “ بمزيد دعم هذه التجربة داعيا إياه الى زيارة تونس في أقرب فرصة ممكنة . ومن المؤكد أن ماتبذله تونس من جهود على كل الواجهات السياسية والديبلوماسية ، والأمنية  وفي مجال محاربة الفساد ستشكل فرصة سانحة للشاهد لتحقيق نجاحات خلال زيارته إلى الولايات المتحدة ، والتي ستنتهي بتثبيت العلاقات الثنائية بين البلدين في سياق المتغيرات الإقليمية ، وستتوج بالإعلان عن جملة من إجراءات الدعم الاقتصادي والمالي والعسكري والأمني لتونس .
 
لطفي هرماسي
عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

أكتب تعليق