حكومة الشاهد بين محاربة الفساد وديبلوماسية الحياد‎


ملخص :

أعلنت حكومة يوسف الشاهد منذ تشكيلها عزمها على محاربة الفساد و المفسدين من أجل استرجاع ثروة البلاد و وضع حد لظاهرة النهب المنظم لمقدراتها . كما أعلنت مرارا أنها لن تورط تونس في صراعات اقليمية تهدد أمنها واستقرارها و انها سترسخ في سبيل ذلك دبلوماسية محايدة تقلل من عدد أعداء تونس و تزيد في عدد أصدقائها. و مع أن الجميع رحب بهذه الاجراءات فإن تقييم نتائجها لن يحظى بالإجماع لاعتبارات سياسية و أيديولوجية و بسبب الاختلاف حول المقاييس التي يتعين اعتمادها لقيس مدى نجاح هذه الاجراءات. و بعيدا عن المواقف المتحيزة سيكون من الضروري انجاز تقييم موضوعي للإجراءات التي اتخذتها الحكومة يعتمد مقاييس معقولة تعطى لكل ذي حق حقه حكومة كانت أم أحزابا حاكمة أو معارضة .


مقــــــــــــدمة

إن الرأي القائل أن تونس محصنة لاعتبارات تاريخية و ثقافية و طبيعية من الوقوع في ما وقعت فيه العديد من الدول العربية من عنف و فوضى لا يجب أن يحظى بالمصداقية لتضمنه شبهتين على الأقل تتمثل الأولى في التقليل من دون موجب من جدية التهديدات التي تواجهها تونس أما الثانية فتتلخص في انكار فضل العديد من القوى السياسية و الاجتماعية في التوقي من هذه التهديدات ونجاحها في تحقيق الاستقرار النسبي للأوضاع في تونس و منع انزلاقها في ما انزلقت إليه أوضاع العديد من دول العربية .ليس من الحكمة إذن الاطمئنان إلى هذا الرأى لأنه يدعو صراحة إلى الغفلة عن اتخاذ الحيطة و إلى انكار فضل العديد من الفاعلين السياسيين و الاجتماعيين . ذلك أن التونسيين مدعوون إلى أخذ حذرهم و الانتباه إلى ما يهدد أمنهم من جهة و الكف عن تبخيس جهود بعضهم البعض في مواجهة جميع أصناف هذه التهديدات من جهة ثانية . إذ تثبت العديد من الوقائع أن تونس ليست محصنة من العنف و الفوضى فالمخاطر ماثلة أمام ناظريها في جبالها و بالقرب من حدودها و في أذهان من يتربصون بأمنها و قوت مواطنيها من سماسرة و عصابات تهريب و ترهيب. و لهذا السبب علينا الكف عن التساؤل عم إذا كانت تونس مهددة بالوقوع في مخاطر الفوضى أم لا ؟.و أن نستبدله بسؤال آخر أكثر الحاحا هو هل حددت الحكومة التونسية مصادر هذه المخاطر ؟ وهل وضعت الخطط الكيفية بمواجهتها ؟.

بالرجوع إلى الاجراءات التي اتخذتها حكومة يوسف الشاهد ،و اعتمادا على خطابها المعلن منذ تشكلها ،يمكننا القول أنها حصرت المخاطر التي تهدد تونس في مصدرين اثنين . الأول داخلي يتمثل في ظاهرة الفساد التي تنخر الاقتصاد التونسي و تنذر بانهياره الوشيك .و الثاني خارجي يتلخص في سعي العديد من الدول إلى خدمة مصالحها من خلال التأثير في الأوضاع الداخلية للبلاد التونسية و إلى جرها للانخراط في معارك و صراعات لا ناقة لها فيها و لا جمل . أما الاجراءات التي اتخذتها الحكومة لمعالجة هذه المخاطر و تحصين البلاد من ويلات ما وقعت فيه العديد من دول المنطقة فيمكن تلخيصها في اعتماد استراتيجية محاربة الفساد في الداخل و التمسك بمبدأ الحياد في الخارج . فهل ستنجح الحكومة برئاسة يوسف الشاهد في الحفاظ على استقرار البلاد و أمنها ؟. و إلى أي حد ستفلح في اقناع التونسيين بموضوعية تشخيصها لمصادر التهديد و بجدوى الإجراءات التي ستتخذها لمواجهتها ؟ .و ما هي المقاييسالتي يتعين اعتمادها للحكم بنجاح هذه الاجراءات أو بفشلها ؟

أولا : محاربة الفساد كإستراتيجية لتحصين الدولة من الداخل .

لا يختلف أغلب المحللين السياسيين و المختصين في المجال الاقتصادي على دور الفساد في تدهور الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية في تونس و في تدني مستوى الثقة في سياسات الدولة التنموية و الاجتماعية و في ارتباطه الوثيق بظاهرة الارهاب . إذ تجمع أكثر التحاليل موضوعية على أن الاقتصاد التونسي يخسر سنويا ما يزيد عن أربع (4) نقاط من نسبة النمو الاقتصادي بسبب الفساد وسوء التصرف. ولقد أشار شوقي الطبيب رئيس هيئة مكافحة الفساد إلى أن تلك الخسائر تتوزع بين نقطتين (2) كنتيجة مباشرة للفساد المالي والاقتصادي ، ونقطتين (2) ناجمتين عن عدم تطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة والتصرف السليم في الموارد المالية والبشرية للدولة التونسية . كما كشفت الاحصائيات الرسمية و المؤشرات الاقتصادية عن مدى التأثير السلبي للقطاع الموازي على نمو الاقتصاد التونسي إذ تُقدر بعض الدراسات أن خزينة الدولة تخسر سنويا قرابة مليار دينار (410 مليون دولار) من تهريب السجائر فقط ، فيما تبلغ خسائر عوائد الرسوم الجمركية ما يزيد عن 200 مليون دينار (82.8 مليون دولار). غير أن ظاهرة الفساد في المجال الاقتصادي و السياسي ليست طارئة على تونس إذ تكفى الاشارة إلى انها كانت سببا لاندلاع ثورة 2011 حيث تم رفع شعار "التشغيل استحقاق يا عصابة السراق "الذي كشف على مدى استفحال ظاهرة الفساد ،و دلل لاحقا على وعي الشعب التونسي بأهمية مقاومتها من اجل تحقيق التنمية العادلة و اعادة الثقة في مؤسسات الدولة . إلا أن هذا الوعي لم يضارعه اجماع حول السياسة المثلى التي يتعين اتباعها،إذ شكك البعض في جدوى السياسات المتبعة لمقاومة هذه ظاهرة ،في حين شكك البعض الآخر في جدية الحكومات المتعاقبة في وضع حد لها . غير أن هذه الشكوك ليست على نفس الدرجة من الخطورة لأنها ليست من نفس الطبيعة فالأولى تشكك في الاجراءات في حين تشكك الثانية في النيات . و من الواضح أن موضوع الفساد الذي وحد التونسيين أثناء الثورة هو الذي يفرق بينهم اليوم. فلقد تابعنا في هذا الشأن اللغط الدائر حول هيئة الحقيقة و الكرامة و ما تضمنه من تشكيك البعض في نزاهتها فضلا عن جدواها ،كما لاحظنا ذلك الانقسام الخطير الذي مس المجتمع السياسي التونسي إثر طرح مشروع قانون المصالحة الاقتصادية ، هذا فضلا عن أن البعض لم يتردد في القول مرارا أن الحكومات المتعاقبة منذ الثورة لم تكن جادة في مقاومة الفساد بقدر ما استغلته لخدمة الاحزاب المشكلة لها . و مهما يكون الأمر فإن أهم ما يُستفاد من الجدل الدائر اليوم حول هذا الموضوع هو أن التونسيين متفقون على ضرورة محاربة الفساد إلا أن ثقتهم في اجراءات الحكومات المتعاقبة ما تزال مهتزة إما لمعطيات موضوعية أو لاعتبارات حزبية ضيقة. قد تكون حكومة يوسف الشاهد استثناء في هذا الصدد لا لأن الشكوك لا تحوم حول نزاهتها بل لأنها أعلنت صراحة منذ تشكلها على أن مقاومة الفساد من بين أهم أولوياتها و أنها ستخوض حربا لا هوادة فيها على الفساد و المفسدين كلفها ذلك ما كلف . فحرصت في هذا الصدد على إقامة الحجة ، بالأرقام و الاحصائيات ،على أن الفساد استفحل إلى درجة صارت تهدد كينونة الدولة. كما عملت جاهدة على اقناع الجميع بأن محاربة الفساد يتعين اعتبارها استراتيجية دولة يجب على جميع القوى الاجتماعية و السياسية بما فيها المعارضة أن تنخرط فيها . غير أن هذا الحرص لم يمنع الأحزاب المعارضة ، وحتى الحاكمة ، من ممارسة حقها في التشكيك في ما أعلنته الحكومة من اجراءات فتابعنا العديد من المواقف السياسية في هذا الشأن من أهمها :

_ موقف يعتبر الاجراءات التي اتخذنها الحكومة مجرد ذر للرماد على الأعين بما يفيد أن أصحابه لا يثقون في

الحكومة و لا يعتبرونا مؤهلة لخوض معركة فعلية ضد الفساد و المفسدين و أن غاية ما يرغب الشاهد في تحقيقه هو اضفاء مزيد من الشرعية السياسية على حكومته و كسب مجد شخصي .

_ موقف يعتقد أن الفساد استفحل في تونس إلى حد يتعذر معه مواجهته خصوصا أن رئيس الحكومة ينتمي إلى عائلة سياسية و منظومة فكرية لن تسمح له بفتح جميع ملفات الفساد. و هذا يفيد أن أصحاب هذا الرأي يعتقدون أن الحرب على الفساد ستكون محدودة فى الزمان و المكان .

_ موقف لم يشكك أصاحبه في دوافع الحكومة وأعلنوا صراحة على دعمهم للحرب التي أعلنتها على الفساد بشرط أن تحترم القانون و لا تستثني أحدا. و من الواضح أن هذا الموقف يقوم على مبدأ أن الحكم على سياسية الحكومة في هذا الصدد سيكون على أساس النتائج لا النيات . و مع أن التحليل السياسي يمكن أن يكشف لنا عن الدوافع الحزبية و الانتخابية التي تقف وراء جميع هذه المواقف سواء منها الداعمة للحكومة أو المشككة في نزاهتها ،فإنه من الحصافة السياسية أن لا تترك الحكومة هذه الشكوك أو النقد جانبا إذ عليها أن تثبت للجميع أنها جادة في محاربة الفساد و أن تجعل منه موضوعا يوحد التونسيين و لا يفرق بينهم .إلا أن هذا لا يعني أنها ملزمة بالاستجابة لجميع رغبات لأحزاب سواء الحاكمة منها أو المعارضة إذ هي و باعتبارها تجسيدا لإرادة الدولة العليا مطالبة بأن تكون أكثر عقلانية و أقل انفعالا من الأحزاب السياسية .وعليه فإن حكومة يوسف الشاهد مطالبة بأن تتخذ محاذيرها و أن تدرك أن المهم ليس اعلان الحروب بل كسبها و هذا يعني أنها مطالبة بتوفير مجموعة من الشروط من اهمها :

_ اعتبار الحرب على الفساد استراتيجية دولة يتعين أن ينخرط فيها الجميع دون استثناء .

_ تجنب التوظيف الحزبي للحرب على الفساد من خلال تثبيت فكرة أن هذه الحرب ليست استجابة لطموح فردي أو

لمصالح حزبية أو لاعتبارات انتخابية أو خضوعا لمطالب المعارضة بقدر ما هي استراتيجية دولة ترى أن تونس مهددة فعلا في أمنها و استقرارها الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي من قبل زمرة من الفاسدين يعرفهم الجميع بأسمائهم و سيماهم . إذ ما من أحد سيدعم حرب الحكومة على الفساد و المفسدين إذ سمح يوسف الشاهد لنفسه أو لأعضاء حكومته بمصادرة نتائجها الايجابية لخدمة مجدهم الشخصى أو الحزبي .

_ التوافق على فكرة أن نجاح الحكومة في محاربة الفساد لن يقاس بعدد من سيُجز بهم في السجن بل أساسا بعدد الدنانير التي سيتم استرجاعها و ضخها في ميزانية الدولة.

_ حصول الاجماع على أن أهداف الحرب على الفساد تتلخص في : (1)استعادة الدولة لثرواتها المنهوبة. (2) وضع حد لاستمرار هذا النهب. (3) استثمار الأموال مستخلصة من هذه الحرب في تنمية موارد الدولة المالية لتتمكن لاحقا من الاستجابة للبعض من مطالب مواطنيها في التشغيل و التنمية. هذا أكيد إذ لا أهمية لخوض هذه الحرب إذا لم تحقق مثل هذه الأهداف. ما من أحد من التونسيين يتمنى الفشل لحكومة يوسف الشاهد في حربها على الفساد ،ربما باستثناء أولئك الذين يبغونها عوجا .إلا أن تقييماتهم لجدوى الإجراءات التي اتخذتها في وضع حد لهذه الظاهرة ستكون مختلفة و ربما متناقضة لا فقط بسبب اختلاف دوافعهم الحزبية بل أيضا بسبب اختلاف مقاييس التقييم و حجم الآمال التنموية المعلقة على هذه الاجراءات. و لذلك سيكون من المهم المباشر الفورية بوضع هذه المقاييس و الاتفاق عليها ،كما سيكون من من الأمور المستعجلة التنبيه إلى ضرورة تجنب المبالغة في تقدير حجم الأموال التي ستسترجعها الدولة و تضخها في المشاريع التنموية. و من أجل أن لا تفضى الحرب على الفساد إلى نتائج عكسية فإن الحكومة والمنظمات الوطنية و الأحزاب السياسية سواء منها الحاكمة أو المعارضة معنية بترشيد هذه الآمال لتجنب تقديم وعودا كاذبة تعزز شكوك المواطنين في حكومتهم و تزيد من سخطهم على الحكومة و على الدولة و على جميع مكونات الطبقة السياسية.

ثانيا : دبلوماسية الحياد:محاولة لتحصين تونس من المشاكل الوافدة.

يعني الحياد في العرف الدبلوماسي عدم التحيز لطرف منخرط في نزاع ضد طرف آخر و ذلك من أجل حصر هذا النزاع والحد من توسعه. و يعتبر الحياد بهذا المعنى من اهم المبادئ التي تقوم عليها العلاقات الدولية. إلا أن العديد من الوقائع تثبت أن البعض من الدول لا تلتزم في كثير من الحالات بهذا المبدأ إذ يعمد البعض منها إلى انشاء تحالفات من أجل فرض مواقفها و خدمة مصالحها الاقتصادية و السياسية على حساب دول أخرى. و لقد أدركت الحكومات التونسية المتعاقبة منذ الاستقلال أن مصلحة تونس ،و ربما تبعا لحجمها الجغرافي و ثقلها البشرى و الاقتصادي ،تكمن في نهج دبلوماسية محايدة و تجنب اغراءات الانخراط في أحلاف دولية ضد أحلاف أخرى. وإذا كانت هذه هي سياسية أغلب الحكومات التونسية فما علة تنصيص حكومة يوسف الشاهد على مبدأ حياد الدبلوماسية التونسية ؟ هل هي نتيجة لاعتقاده أن الحكومات التي سبقته زاغت عن هذا المبدأ ؟ أم هي بسبب ادراكه لحقيقة أن بعض الدول تعمل على الزج بتونس في صراعات لا ناقة لها فيها و لا جمل ؟ أم أن الأمر يتعلق باكتشافه لرغبة أطراف خارجية في التأثير في الأوضاع الداخلية للبلاد التونسية ؟ . إن السبب الأكثر ترجيحا لاعتماد الحكومة التونسية مبدأ الحياد و تنصيصها على ذلك مرارا و تكرارا هو العمل على تحصين تونس من المشاكل الوافدة عليها من الخارج. و الأغلب على الظن أن حكومة يوسف الشاهد ادركت حجم تأثير العوامل الخارجية في الأوضاع الداخلية للبلاد التونسية سواء منها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية و عزمت أخيرا على الحد منها . و للحقيقة لم تعد ظاهرة تأثير العوامل الخارجية في الشأن الداخلى خافية على أحد فالعديد من المحللين السياسيين و الاستراتجيين صار بإمكانهم تصنيف القوى السياسية في تونس حسب ولاءاتها الخارجية (أتباع فرنسا ، أتباع الامارات العربية المتحدة ، أتباع الولايات المتحدة الأمريكية ، أتباع تركيا ، أتباع قطر ،أتباع السعودية …) و الأدهى من كل ذلك هو القبول الضمني بمثل هذا التصنيف إذ لا نظفر باعتراضات جدية عليه. هذا أمر لا يجب التقليل من خطورته على حاضر تونس و مستقبلها فارتباط الصراع الداخلي لأية دولة بقوى أجنبية يؤذن بخرابها و في أفضل الحالات بعدم استقرارها السياسي و الاجتماعي .انظر على سبيل الذكر ما آلت إليه لأوضاع في العراق و اليمن و ليبيا و سوريا و حتى لبنان بفعل التدخل الأجنبي في شؤونها الداخلية و قبول قواها السياسية به بل وطلبها له . و إذا صح أن الحكومة التونسية اختارت مبدأ الحياد ادراكا منها لخطورة الانخراط في أحلاف دولية على أمن تونس و استقرارها الاجتماعي و السياسي فهي على الطريق السوي. ينسحب هذا الحكم على الموقف التونسي المحايد من مشكلة الصحراء الغربية و من الأزمة الطارئة بين دول مجلس التعاون الخليجي إذ ليس من مصلحة تونس الانحياز إلى هذا طرف ضد ذاك .غير أن موقف تونس من أزمة دول الخليج العربي تحديدا ،على رجاحته ،لم يحض بالقبول لدى البعض من السياسيين في تونس الذين إما رحبوا بعزل قطر سياسيا و اقتصاديا بدعوى أن لها يد طولى في التحولات السياسية التي عرفتها تونس منذ 2011 أو أنهم دعوا صراحة إلى نصرتها ضد من عمل على عزلها .و حتى إذا صحت هذه الادعاءات فإن مثل هذه المواقف لا تبدو لنا متوازنة لأنها تتضمن دعوة صرحية إلى تعويض اليد القطرية في تونس بيد سعودية أو إماراتية ،فضلا عن كونه ينم عن رغبة في أن تكون الازمة الخليجية سببا أساسيا في تغير المشهد السياسي في تونس . سيكون من واجب الحكومة التونسية و الأحزاب الوطنية الاعتراض على مثل هذه الأفكار من أجل ان لا يكون مصير الدولة التونسية بحكومتها و أحزابها و منظماتها و مواطنيها و ديمقراطيتها مرتهنا بتحالفات خارجية متغيرة و زائلة . و الأهم من كل ذلك من أجل أن يكون تغيير المشهد السياسي في تونس بالانتخابات الحرة و النزيهة لا بعزل قطر و الوقوف في صف الامارات و السعودية أو العكس.

و مهما يكون الأمر فلا سبيل إلى انكار حقيقة أن تونس ومن خلال موقفها المحايد من أزمة دول مجلس التعاون الخليجي تمكنت من تحقيق العديد من الأهداف من أهمها:

_ منع انتقال الأزمة الخليجية إلى الداخل التونسي مما سفه أحلام البعض بحدوث صادم بين " أنصار قطر و أنصار الإمارات و السعودية "في تونس.

_ الحفاظ على وحدة الحكومة التونسية و تماسكها على الرغم من أنها مشكلة من أحزاب سياسية و تيارات فكرية ترتبط كل واحدة منها بعلاقات ودية مميزة مع أحد أطراف الأزمة الخليجية. ولقد راهن البعض من المحللين على أن هذه الأزمة ستؤجج الصراعات بين الأحزاب المشكلة للحكومة مما سيعجل بانهيارها .

_ احتفاظ الدبلوماسية التونسية بهامش من الحرية يسمح لها بلعب دور الوسيط في الأزمة الليبية. فمن المعروف أن أغلب القوى الليبية المتصارعة لا تخفي ولاءها إما إلى قطر و تركيا أو إلى الامارات و السعودية .و ليس من المستبعد أن تكون دعوة البعض إلى ضرورة أن تنحاز تونس إلى أحد أطراف الأزمة الخليجية رغبة في حرمانها من لعب هذا الدور. بالفعل لقد نجحت تونس بموقفها المحايد في الاحتفاظ بعلاقة ودية مع أغلب القوى الليبية المتصارعة ،مما سيمكنها من الاستمرار في سعيها إلى حل الأزمة الليبية بطرق سلمية و من دون اقصاء ،خدمة للأشقاء الليبيين و أساسا خدمة لأمن تونس و استقرارها الاقتصادي و الاجتماعي. وإذا أخذنا هذه الأهداف بعين الاعتبار جاز لنا القول أن لا مصلحة لتونس في تأجيج الأزمة الخليجية من خلال الوقوف مع طرف ضد آخر ،فهي وعلى عكس من سماسرة السلاح و الطامعين في ثروة الخليج و موقعه الاستراتيجي و الراغبين في اشعال مزيد من الفتن في المنطقة العربية ،معنية بالعمل اكثر على معالجة الأزمة في أسرع الأوقات إذ لا مصلحة لها في اضافة دول عربية أخرى إلى قائمة الدول المأزومة . غير أن الحياد لا يعني الاكتفاء بمتابعة تداعيات الازمة فعلى الحكومة التونسية الانخراط العملي في البحث عن حلول لها ،فدول الخليج العربي دول شقيقة يعنينا استقرارها السياسي و الاجتماعي و لا ينفعنا في شيء تهديد أمن السعودية و الامارات و لا محاصرة قطر و عزلها و لا دخول جميع دول الخليج العربي في صراع يأكل ثرواتهم كما تأكل النار الهشيم.

الخـــــــــاتمة

راهن البعض من المحللين و السياسيين على أن حكومة يوسف الشاهد لن تستمر طويلا نظرا لحجم الصعوبات التى ستواجهها و بسبب اختلاف المكونات السياسية المشاركة فيها . غير أن هذه النبوءة لم تتحقق بعد لا لأن الحكومة نجحت في الاستجابة إلي أكثر مطالب الشعب الحاحا بل لأنها بلورت في نظر البعض خططا للبدء في معالجة ما يعتقد اغلب التونسيين أنه يمثل تهديدا حقيقا لحاضر تونس و مستقبلها إذ أعلنت الحرب على الفساد لتحول دون انهيار الاقتصاد الوطني و اتبعت سياسة خارجية محايدة تقي تونس من أن تكون مسرحا لصراعات اقليمية تذهب بسيادتها و تهدد أمنها و استقرارها الاجتماعي و السياسي .ما من أحد من التونسيين اعترض على هذه الاجراءات إلا أن البعض منهم شكك في جدية الحكومة في حين شكك البعض الآخر في أهليتها. غير أن هذا لا ينفي حقيقة أن حكومة يوسف الشاهد عززت بهذه الاجراءات ثقة الكثير من التونسيين بها و بقي عليها أن تكسب ثقة المشككين لا بالكلام المرسل بل بما تقدمه من انجازات في المجالين الاقتصادي و الاجتماعي .

أكتب تعليق