تونس ، مؤتمر اتّحاد الشغل بين الارتقاء إلى مبادئ الثورة المُدسترة  و فخ التّوظيف

 المقدّمة :
 يحتضن قصر الرياضة بالحي الرياضي المنزه ( العاصمة) حفل افتتاح المؤتمر الثالث والعشرين للإتحاد العام التونسي للشغل يوم الأحد 22 جانفي 2017 أي بعد يومين فقط من الذكرى الواحدة والستين للمؤتمر التأسيسي الذي انبثق عنه انتخاب الشيخ محمد الفاضل بن عاشور رئيسا والزعيم الشهيد فرحات حشاد أمينا عاما ( كاتب عام ). ويتواصل المؤتمر إلى يوم 25 من الشهر ذاته. حفل  الإفتتاح  سيحضره  حوالي 7 آلاف شخص وحوالي 100  منظمة وطنية واقليمية ودولية ، وسيعمل فيه الاتحاد على ابراز تجذر المنظمة وإشعاعها   وتأكيد صدقيّة مضمون الشعار الأكثر ترددا في تظاهراتها ” الإتحاد أكبر قوة في البلاد ”  . وقد أعلنت لجنة الإعداد المادي أنها لن تدعو للمؤتمر رؤساء الدولة والحكومة والبرلمان حفاظا على إستقلالية الاتحاد ، وأنها لن تدعو كذلك ممثلي الأحزاب السياسية ، والمرجح عند المتابعين أن القرار الأخير جاء لتفادي الإحراجات والتجاذبات وردود الفعل المُحتملة للنواب ذوي المشارب الإيديولوجية المتناقضة  ، علما وأن التلفزيون العمومي سيتكفل بالبث المباشر لفعاليات الإفتتاح. و يحضر أشغال المؤتمر حصريا النواب  وعددهم 550  ، وَهُم أعضاء المكتب التنفيذي الوطني المتخلي ونواب النقابات الأساسية الذين تم انتخابهم حسب حسب عدد منخرطي القطاع بالجهة التي ينشطون فيها ، كما يحضر المؤتمر أعضاء الهيئة الإدارية الوطنية غير الحاصلين على نيابات وأعضاء اللجنتين الوطنيتين للنظام الداخلي والمراقبة المالية ومنسقة المرأة العاملة ومنسق الشباب وممثل عن قدماء المسؤولين النقابيين وممثل عن العمال المهاجرين دون أن يكون لهم حق التصويت على اللوائح أو حق الإقتراع على الأشخاص. 
 الشفافية  والمالية والإعلام … التقاليد تهزم المبادئ الدستورية:
 قبل التطرّق إلى الرهانات الإنتخابية والتحديات الاستراتيجية والمضمونية والهيكلية من المهم التوقف عند الاستحقاقات القانونية والإجرائية للمؤتمر ذاته . 
بعد الجلسة الافتتاحية البروتوكولية والتي من المرجح أن تكون استعراضية ، تنطلق أشغال المؤتمر الثالث والعشرين . وإذا أخذنا بعين الإعتبار أنّ عمر المنظمة الآن 61 عاما وأننا أمام المؤتمر الثالث والعشرين نستنتج بكل يُسر أن المنظمة شهدت عديد المؤتمرات الإستثنائية . وقد كانت جل ّ المؤتمرات الإستثنائية نتيجة  لطبيعة العلاقة مع السلطات التنفيذية ، علاقات تراوحت بين الاندماج والتكامل حينا ، والصراع بأشكال مختلفة حينا آخر،  والخضوع سواء بتنصيب الموالين وإقصاء الآخرين أو باختيار سياسة ” الخضوع الذاتي ” في طور ثالث ، ولذلك نجد قيادات من طينة فرحات حشاد وأحمد بن صالح وأحمد التليلي والحبيب عاشور ، كما نجد قيادات حولها جدل كبير على غرار البشير بلاغة والتيجاني عبيد والطيب البكوش وعبدالعزيز البوراوي وإسماعيل السحباني وعبدالسلام جراد. الخطوة الإجرائية الأولى تتمثل في انتخاب رئيس المؤتمر ونائبيه والناطق الرسمي والمقرّريْن . واستباقا لهذه المحطة وضمن تقليد نقابي اقترحت الهيئة الإدارية الوطنية أن يكون الأمين العام المتخلي أو بالأحرى المنتهي حقه في الترشح رئيسا ،ونائبه الثاني زميله في المكتب التنفيذي الوطني المولدي الجنوبي ، والناطق الرسمي زميلهما بلقاسم العياري ، والثالوث لا يحق له الترشح وفق النظام الداخلي ، أما النائب الأول فهو فاروق العياري كاتب عام الاتحاد الجهوي بتونس العاصمة ، كما تم ترشيح حسّان اليحمدي وآمنة العوادي كمقررين. ومن المعلوم أنّ هذه الترشيحات لن تصبح مُفعّلة إلا بتصويت النواب . ولئن تم تبرير الخطوة بالتقاليد النقابية،  فهذا يُمثِّل أول رد عملي وسلبي عن الأسئلة التي طرحها العبّاسي ، ذلك أن التقاليد غلبت المبادئ التي طالما دافعت عنها القيادات ، وحتى التبرير بأنّ النواب سوف يحسمون الأمر باعتبار إرادتهم هي المحددة غير دقيق لأسباب متعددة من بينها طبيعة التصويت هل سيكون علنيا أو سريا ( من المفترض ان يكون سريا لانه على الأشخاص لكن التقاليد تسير عكس الاتجاه ، اضافة الى ان الحسابات الانتخابية ” تمنع ” من كشف الأوراق مسبقا وذلك في علاقة بانتخاب المكتب التنفيذي ). الخطوة الثانية ستكون عرض التقريرين الأدبي والمالي ، وهنا الإشكال الأكبر فرئاسة المؤتمر الممثلة للمكتب المتخلي ستكون العارضة والمسيّرة  لجلسة النقاش و” المحاسبة ” في ذات اللحظة ،وغنيٌّ عن القول أن شفافية التسيير وحوكمة المؤتمرات تتعارض مع مثل هذه الوضعيات .
 الإشكال الثاني ذو الصلة بمبدأي الشفافية والحوكمة الرشيدة الدستوريين يتعلق بمدى استعداد المنظمة لنشر  كافة المعطيات المالية وعدم الاكتفاء بأرقام عامة يصرّح بها الناطق باسم المؤتمر ، في حين أن الممارسة المنظماتية الشفافة تقتضي أكثر من ذلك ، أي تقتضي العرض التفصيلي ونشر المعطيات المالية بمختلف الوسائط . وهذا باب يمكن للاتحاد العام التونسي للشغل أن يكون نموذجا وسبّاقا فيه لتقتدي به الأحزاب والمنظمات الرافضة للشفافية المالية  والمتحدية للقانون . 
 جلسات مناقشة التقريرين والمصادقة عليهما ستكون في جلسات مغلقة ، وهذا تقليد لدى المنظمة وكذلك الأحزاب . هذا التقليد لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نضعه في خانة الممارسة الديمقراطية الرشيدة ولن يبعث بالرسائل الإيجابية لعموم المنخرطين والمواطنين ، كما أنه يُحوِّل وسائل الإعلام إلى مجرّد واسطة حتى لا نستعمل عبارة أداة دعاية . ومن المؤكد أن الانفتاح الحقيقي على وسائل الاعلام بالسماح لها بتغطية النقاش العام سوف يكون نقطة تميّز وامتياز للمنظمة الشغيلة ودليل إضافي عن دفاعها عن الإعلام كسلطة وليس كمجرّد واسطة للتغطية ، أي وسيلة لتغطية الأحداث خاصة وان الرد بأنه من حق الاعلام أن ينقد وأن يحلل يفقد معناه في غياب المعلومة الدقيقة. بعد المصادقة على التقريرين ينطلق الحوار حول مشاريع اللوائح المعدّة سلفا من أجل التنقيح والمصادقة ، وهي اللائحة العامة واللائحة المهنية واللائحة الداخلية ( تصورات الهيكلة وتنقيح القانون الأساسي والنظام الداخلي ) واللائحة الدولية. 
وفي ختام المؤتمر يتم التصويت لانتخاب أعضاء المكتب التنفيذي الوطني واللجنتين الوطنيتين للنظام الداخلي والمراقبة المالية.  
 مضمون المؤتمر وتحدياته ” ضحية” السياسة الإتصالية:
شجرة انتخاب الأعضاء الثلاثة عشر للمكتب التنفيذي الوطني غطت على غابة الاستحقاقات المضمونية واللوائح بمختلف محتوياتها والتي قد تحدد مستقبل المنظمة . وإن كنّا نتفهّمُ انخراط وسائل الإعلام في تناول المؤتمر من هده الزاوية لاعتبارات عديدة من بينها قدرة البعد الانتخابي على لفت انتباه المتلقي وارتباط هذا البعد بالتجاذبات السياسية والايديولوجية إضافةً إلى ثقافة الاستنساخ والاستسهال في الإعلام اليوم ، فإنه حريّ بِنَا أن نتساءل عن سبب عدم إيلاء قيادة المنظمة مسألة ضخ رهانات وانشغالات المنظمة الهيكلية والمضمونية في جدول الأجندا الوطنية للإعلام . فما نراه اليوم هو أنّ غياب استراتيجية اتصالية خاصة بالمؤتمر جعل من الصراعات الانتخابية تقفز على الاهتمامات الجوهرية . فالمنظمة قادرة على تحويل قضاياها الى مستوى القضايا الوطنية التي تُناقش عموميا  على أن تُحْسم في المؤتمر ، مثلما أن باقي القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية تُناقش في الفضاء العمومي ليكون الحسم في البرلمان أو في مؤسسات الحكم التنفيذية . ولهذا يمكن القول أن أزمة الاتصال في تونس لا تخص المؤسسات الرسمية التنفيذية   والتشريعية فقط أو الأحزاب  وإنما تشمل كذلك المنظمات وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل . وللدلالة على أهمية الجانب المضموني والهيكلي والقانوني في تحديد مستقبل المنظمة يكفي الإشارة إلى الجدل الذي سبق تنقيح الفصل العاشر من النظام الداخلي لاتحاد الشغل والذي أصبح بمقتضاه تحديد عضوية المكتب التنفيذي الوطني بدورتين فحسب . فهذا الإجراء له مفاعيل مباشرة على المنظمة ،وقد شهدت مؤسساتها  خلال السنوات العشر الأخيرة نقاشات ومبادرات جنينية سواءً للإلغاء أو التعديل أو التعميم  على باقي الهياكل والمهام القيادية باءت كلها بالموت السريري. اللائحة العامة  هي أولى اللوائح و ستتطرق الى الوضع العام بالبلاد وقضاياه الرئيسية وأهم الملفات التي تشغل الرأي العام ،ثاني اللوائح تسمى المهنية التي عادة ما يتم التطرق فيها إلى القوانين والعلاقات الشغلية  والمطالب المهنية القطاعية وذلك بجرد أهمها وابراز محددات موقف المنظمة منها إضافة الى تضمين المقترحات والمطالب . في حين تهتم اللائحة الداخلية بتصورات الهيكلة واقتراحات تعديل – ان وجدت – القانون الأساسي والنظام الداخلي ، لتقدّم لائحة العلاقات الدولية مجمل مواقف الاتحاد من الشأن الدولي وفي مقدمته القضية الفلسطينية . 
فمجمل هذه اللوائح التي سيصدرها المؤتمر ينبغي أن تجيب عن الأسئلة التي طرحها الأمين العام حسين العباسي حول وضع المنظمة وأدوارها في زمن الثورة وما بعد الحزب الواحد ، زمن يسعى فيه الجميع للاحتواء والتوظيف ، والمقصود هنا السلطات التنفيذية وامتداداتها الحزبية وكذلك القوى التي لها تواجد تاريخي في المنظمة لأسباب متعددة والتي تريد الإبقاء على الوضع بل إلى ما أكثر من ذلك أي الى ما أسماه البعض ب” إعادة هندسة المشهد السياسي التونسي ” من خلال الاصطفاف السياسي والقطع مع الإكتفاء بالدور النقابي المطلبي التقليدي . وهنا تُطرح مسألة إستقلالية الاتحاد تجاه الجميع من احزاب في السلطة وأخرى في المعارضة ، من أحزاب لها امتدادات في الهياكل والمؤسسات وأخرى تعمل على الاختراق وتبحث عن التموقع . هذه الاستقلالية من المفترض ان تكون مجال حوار للبحث عن طبيعتها وآليات حمايتها ضمن الوضع الجديد للمنظمة التي كانت أحد أضلع الحوار الوطني الذي ضمن الانتقال السلس للسلطة ومنع الاحتراب الداخلي وحصل بفضله على اعتراف دولي اسمه جائزة نوبل للسلام . وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار أن المنظمة الشغيلة طرف اجتماعي من جملة أطراف ، رغم أهميتها الاعتبارية والتاريخية والواقعية ، وليست طرفا في مقابل الدولة أو بالطبع ليست فوق مؤسساتها التنفيذية والتشريعية . وهذا ملف متشابك عنوانه  طبيعة علاقة المنظمة بالسلطة التنفيذية ، وتتفرع عنه مسألة المشاركة في الحكم من عدمها بشكل مباشر أو غير مباشر ، علما وأنه تاريخيا كان للاتحاد مواقع ومواقف مختلفة وذلك حسب الظرفية ( المشاركة المباشرة ، اندماج المنظمة الشغيلة في الحزب الحاكم ، القطيعة ، المشاركة غير المباشرة ، التمثيل النيابي وفق كوتا غير معلنة رسميا). التحولات الكبرى التي يشهدها الاقتصاد العالمي  المكرس لليبرالية ذات المنحى المتوحش وبروز أنماط جديدة من التشغيل وتغيّر طبيعة السوق تمثل تحديات كبرى للمنظمة الشغيلة التي عايشت  خلال العقود الستة من عمرها تبدلا في الأنظمة الاقتصادية المتبعة في الدولة . وعليه فإن التحدي الأكبر من ترشح فلان او تردد علان هو تطوير أشكال العمل لمراعاة التحولات الاقتصادية والاجتماعية . وهنا من المفترض طرح ملف الانخراطات من هذه الزاوية ، أي زاوية طبيعة المنخرطين وانتماءاتهم القطاعية وتمثيلية  العاملين وفق الأنماط الجديدة للشغل  ومدى تأثير ذلك على مستقبل العمل النقابي في حد ذاته وليس مستقبل الاتحاد فقط ، وذلك بغض النظر عن مسألة التعدد النقابي. وفي موضوع ذي علاقة بالوضع الداخلي للمنظمة  كشف استبيان أنجزه اتحاد الشغل ونشره سنة 2007 أن حوالي 25 بالمائة فقط من المنخرطين يعتبرون أن القيادة المركزية والقيادة الوسطى تحترمان مقترحات المنخرطين ،كما أوضح الاستبيان أن من نقاط ضعف المنظمة مركزية القرار وضعف الحوار الداخلي وتأخر المتابعة النقابية للتحولات الاقتصادية والاجتماعية إضافة الى التسيير الإداري الكلاسيكي والقديم . والآن بعد عشر سنوات ، هل تغير الوضع ؟ وهل تم القطع مع تلك الممارسات ؟ وهل تم اتخاذ  إجراءات  للتلافي ؟ وإن كانت الإجابة بنعم ، هل تم التنفيذ والمتابعة ؟ 
لا أحد يُنازع في أن اتحاد الشغل منظمة وطنية بالتعريف والواقع والتاريخ ، وهو ما يعطي مشروعية وضع شأنها الداخلي  تحت مشرط التشخيص ومجهر التحليل  ، هذا الوضع الذي يعتبره البعض شأنا خاصا هو في حقيقة الأمر شأن  وطني جدير بأن يكون محل نقاش عمومي مسبق وليس بشكل لاحق . ومن المؤكد أن المنظمة لها من الامكانات البشرية والمادية ما يؤهلها لذلك. فكما وضعت المنظمة ، وهذا من طبيعة دورها ، المؤسسات والمبادرات والتشريعات والاجراءات ومختلف قضايا الشأن العام  محل نظر ومواقف فإننا وددنا لو تحولت قضاياها ذات الامتداد و التأثير الوطنيين محورا للاهتمامات الإعلامية الوطنية ، وذلك ضمن خطة اتصالية للمؤتمر ذاته . 
الرهان الانتخابي … منظمةٌ في طور الانتقال الديمقراطي:
المؤتمر الثالث والعشرون للاتحاد العام التونسي للشغل كما أشرنا إلى ذلك  مضموني وانتخابي في نفس الوقت ، حيث سيتم انتخاب 13 عضوا للمكتب التنفيذي الوطني من بين 26 مترشحا إضافة الى انتخاب أعضاء اللجنة الوطنية للنظام الداخلي وأعضاء اللجنة الوطنية للرقابة المالية من بين 14 مترشحا . 
ومن المهم التنويه الى أن انتخاب الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل  يتم بطريقة غير مباشرة ، أي أن النواب المؤتمرين ينتخبون أعضاء المكتب التنفيذي الذين يتكفلون بانتخاب الأمين العام من بينهم . وجرت العادة أو التقليد إعادة انتخاب الأمين العام المتخلي في صُورَة ضَمِن تواجده في المكتب التنفيذي ، لكن بالنظر إلى أن الأمين  العام المتخلي ليس له الحق في الترشح فإن التنافس  من حيث المبدأ سيكون مضاعفا على العضوية والأمانة العامة . ومن هنا يمكن التساؤل عن سبب عدم طرح مبادرات لتنقيح الإجراءات الجاري بها العمل لانتخاب الأمين العام مباشرة من المؤتمرين . 
المعطى الثاني الذي من المهم التنويه اليه هو أن ثلاثة أعضاء من المكتب المتخلي بمن فيهم الأمين العام لايحق لهم الترشح ، مما يعني أن عشرة أعضاء يمكن ان نجدهم في المكتب القادم . وهذه مسألة جوهرية فارقة عن المؤتمر الفارط الذي بلغ  فيه عدد ” الممنوعين” من الترشح عشرة أعضاء مما جعل باب التحالفات لضم أسماء وتكوين قائمات أكثر رحابة من الوضع الحالي. وبناءً على ماتقدم فإن المكتب المتخلي يعمل على ” ضمان الاستمرارية ” من خلال العمل على تكوين قائمة وفاقية وذلك بجهد يساهم فيه الأمين العام المتخلي ( تصريح للتلفزة الوطنية العمومية يوم 13 جانفي ) . والثابت أن تسعة أعضاء من العشرة قبلوا الانضمام مع الاتفاق على أن يكون مسؤول النظام الداخلي نورالدين الطبوبي أمينا عاما ، بينما تمسّك عضو المكتب التنفيذي المكلف بالعلاقات الخارجية قاسم عفية بتكوين قائمة منافسة . 
الأمر الأول المهم في هذه الوضعية هي سير القيادة النقابية على هدى العرف أو العادة الموروثة من الزمن قبل الثوري ، الزمن ذي الخصوصيات المشار إليها أعلاه ، ومحاولة الحسم في نتائج المؤتمر المضمونية وكذلك الانتخابية قبل انعقاد المؤتمر ذاته من خلال التقليص في هامش المفاجآت الى الحدود الدنيا . ومن المؤكد أن بوابة التساؤلات تنفتح هنا حول الديمقراطية الداخلية ، وحول مدى قدرة هذا الجسم النقابي على التفاعل مع المتغيرات التي يشهدها المحيط المنظماتي والسياسي .
أمّا الأمر الثاني فهو يتعلق بأسباب رفض عفية الانضمام الى القائمة الوفاقية  إلى الان ( نظرا إلى أن ّباب التفاوض مفتوح الى ما قبل الاقتراع بلحظات)  وهي تنقسم إلى قسمين . الأول اصرار عفية على ضرورة التقييم والمحاسبة حول الخيارات والقرارات قبل التحالف ، والثاني رفض أي تحالف قد يفضي الى صعود نقابيين مقربين من التيار الإسلامي الممثل في حركة النهضة الى المكتب التنفيذي خاصة وأن المؤتمر الرابع والعشرين سيشهد منع الأعضاء العشرة الحاليين في صورة فوزهم من الترشح مجددا مما يعطي فرصة للخصوم الإيديولوجيين من إمكانية الفوز بالأمانة العامة. وللإشارة فإن  انفراد قاسم عفية بهذا الرأي لا يعني البتة أن موقفه لا يجد صدى وامتدادات في الجسم النقابي عموما ولدى النواب خصوصا ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تركيبة النواب لا تعكس بشكل كلي التوازنات داخل الهياكل الجهوية والقطاعية . فالتصويت على اللوائح وعلى الأشخاص يخضع للقناعات الفردية للعضو نقابيا وايديولوجيا وليس لتركيبة المكتب القطاعي او الجهوي. 
ولا يعكس هذا الاختلاف البعد التنافسي فقط ، وانما يعكس كذلك الإشكاليات ذات الصِّلة بحوكمة المنظمة أولا وبعمق الخلافات الايديولوجية ذاتها ثانيا ،مما يؤكد أن المنظمة على غرار البلاد ككل ما تزال تعيش على وقع الانتقال الديمقراطي بما يصحبه من تمسّك بالتقاليد والاعراف والمكاسب التاريخية وصعوبة الارتقاء الى مستوى مبادئ الثورة المدسترة ، تلك المبادئ التي ساهم النقابيون ذاتهم في صياغتها عبر التوافقات في جلسات الحوار الوطني أو بغيرها من الآليات .كما يعكس ضرورة الاشتغال على تحديد طبيعة دور المنظمة وآليات اشتغالها في ظل التحولات الحالية ، فبعد أن كانت المنظمة سابقا خيمة لكل المعارضين بحكم الاستبداد فإن  الوضع الحالي يدعو لفصل العمل النقابي عن العمل السياسي الحزبي بمعناه الضيق والقطع مع توظيفها حزبيا، مع الإقرار بأن لها دورا سياسيا. وبالإضافة الى ذلك  حريّ بِنَا طرح السؤال عن السبب الذي يدعو الى اعتبار تواجد المنتمين الى العائلتين اليسارية والقومية والمقربين منها  فقط أمرا طبيعيا. وتبرز مسألة تموقع المنظمة النقابية في مرحلة الانتقال الديمقراطي كذلك  في إشكالية تواجد المرأة في المكتب التنفيذي  خاصة مع رفض تمتيعها بفرصة الصعود عبر الكوتا. فالنقابيون حريصون على حقوق المرأة ومدافعون عن قضاياها وهم من أنصار التناصف الأفقي والعمودي وأيدوا دسترة غالبية هذه المبادئ ، لكن عند التجسيد في خيمة الاتحاد نقف على أنه مايزال أمام الجميع جهد كبير إلى  درجة أن أقصى المنى هو ضم نقابية وفي أقصى الحالات اثنتين للقائمة الوفاقية ليبقى الحسم بالتصويت. 
الخاتمة : 
إن الخاصية الأكثر أهمية للمؤتمرات هي كوْنها سيٌدة نفسها ، فحسابات الإعداد المسبق ومحاولة التقليص إلى الحدود الدنيا للمفاجآت مضمونيا وانتخابيا قد تتبخر بفعل تمسك النواب باستقلالية قراراتهم وتخلصهم من ضغط القيادات ومن تدخّل الأحزاب  . فالإتحاد العام التونسي للشغل قضية وطنية بامتياز نظرا لتأثيره المحوري في مختلف الشؤون الوطنية ، ولذلك يُعتبر نجاح مؤتمره مصلحة وطنية . هذه المصلحة لا صلة  جوهريا لها بالأسماء ، وإنما صلتها بالخيارات التي سيتم اتخاذها لتحديد بوصلة المنظمة . 
تحديد البوصلة في ظل التغيرات السياسية وطنيا ودوليا ، وفي ظل التحديات الاقتصادية وانعكاساتها على العلاقات الشغلية ، وفي ظل ما تعرفه المنظمة ذاتها من تحديات داخلية ومن تعدد نقابي ومنظماتي وجمعياتي مهمةٌ ذات أبعاد متعددة تتجاوز بكل تأكيد الحسابات الشخصية والإيديولوجية للنواب حتى وأن كانوا بالفعل أسياد أنفسهم .
 
عبدالسلام الزبيدي 
عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.

Leave a Comment