تقرير ورشة عمل بمركز الدّراسات الاستراتيجية : تركيا –تونس تبادل الرؤى الثنائية

اقام مركز الدراسات الاسترا تيجية و الديبلوماسية ورشة عمل مشتركة مع مركز البحوث الاستراتيجية بتركيا. تمت بإشراف الدكتور رفيق عبد السلام، رئيس المركز، والدكتور مسعود اوزجان، رئيس مركز البحوث باسطمبول ، وحضرها سعادة سفير تونس بتركيا و خبراء من البلدين. انقسمت الورشة الى جلستيْ عمل، تناولت الجلسة الأولى محاور نقاش متعلقة بمنطقة الشرق الاوسط والتحديات الراهنة في منطقة ملتهبة بالصراعات، يختلط فيها غبار النهار بدخان الليل بسبب النزاعات التي تعصف بها، وتداول المشتركون العلاقة بين الفاعلين الاقليميين والدوليين في المنطقة و مدى تاثير الجهات غير الرسمية وإمكانية مساعدتها على اطفاء الحريق وغلق قوس الازمة المتواصلة منذ ما يربو عن عقد من الزمن. وتناولت الجلسة الثانية العلاقة الثنائية بين تونس وتركيا، تم خلالها عرض تقارير استطلاعات راي حول السياسات العامة في تونس، ومحددات اختيار الأحزاب لدى عامة الناس والناخبين واسباب منح الثقة من عدمها للمرشحين وترتيب مشاغل المجتمع واولوياته ومطالبه، والسياسة الخارجية في تونس وكيفيات تعامل البلدين مع الطوارئ السياسية والتعقيدات الاقليمية وتداعيات الازمات الحالية وسبل الحفاظ على استقرار المنطقة.
محور التساؤلات في الورشة كان حول الاسباب الداخلية التي جعلت الربيع العربي ينحسر. فقبْله، كان العرب  منقسمين بين محوريْ الاعتدال الممانعة، و الثورة العربية سنة 1916 كانت تهدف الى الانفصال عن الدولة العثمانية وانتهت بكارثة ادت الى “سايكس بيكو”. ولكن اللحظة الثانية هي لحظة الربيع العربي التصحيحية المبشرة بالديمقراطية التي ستقرّب الدول العربية من تركيا. فقد اطلق الحدث الامال الكثيرة في السنة الاولى لان امال الشعوب خفضت من مستوى الازمات. بعد انطلاقه وقعت تحالفات اقليمية في مواجهة الربيع العربي وصُمم على الاطاحة به ، ولكن من الجهة الاخرى لم تتشكل تحالفات تواجه المخاطر التي تربّصت به الدوائر. ولكن هنالك تحديات جمة، فالثورات اتت بشرائح اجتماعية جديدة الى الحكم انتصبت امامها تحديات مستعصية : الداخل اقتصادي و الاجتماعي والخارج السياسي بوشائجه القديمة. مع بداية الربيع العربي صارت الحدود مصدر مخاطر وتغيرات. و بالنسبة الى تركيا فقد سعت الى تحالفات ديمقراطية مع الفاعلين الجدد على الساحة وكانت الاولوية المحافظة على وحدة سوريا والعراق. فلم تكن ترغب ان ترى جيرانها دون استقرار لان هذا يؤثر على الوضع الداخلي فيها، وبالاضافة الى التوترات القومية والطائفية والاثنية ظهر التطرف والتشدد متاثرا بروافد عديدة وامتدت في بلدان اوربا وتوسعت دائرة الاسلاموفوبيا.
بينت الاحداث في العالم ان نظرية “صفر مشاكل” التي صاغها البروفيسور احمد داوود اوغلو كانت صالحة في فترة ولكنها اضحت غير قابلة للتواصل في ظل متغيرات هامة عاصفة وعنيفة. تغيرت الامور كليا وصارت الاوضاع تؤثر بصورة مباشرة جعلت المنطقة تمر بعملية اصطفاف حادة. تعود المحللون اعتماد التحليل باداة الثنائية القطبية و ظن الجميع ان القوة الامريكية ستضبط الوضع الدولي بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، ولكن الامر كان اعقد من التصور والتوقع. وصارت الازمات تَتْرى على الأرض تباعا ولا يوجد حل في المدى المنظور في البلدان الاقليمية التي يندلع فيها الصراع. فمغاربيا أثرت الازمة الليبية على اوضاع دول المغرب العربي، الجزائر وتونس وموريتانيا والضفة الجنوبية للمتوسط. في ليبيا بدا الانقسام حول السلطة والنفوذ ثم استحال قبليا و ماعتَّم ان اضحى جهويا بين الجنوب والغرب والشرق و بنغازي وطرابلس. بينما في الشرق اندلعت اخطر الازمات، القضية السورية التي بلغ فيها انتهاك حقوق الانسان الاوج، . فاللاجئون صاروا داخل البلاد وخارجها. ولم يعد يعلم الناس كم عدد سكان سوريا ولكن مايُعرف ان عدد لاجئيها بلغ 6 ملايين، 3.5 منهم موجودون في تركيا . هذ المخاطر اثرت في وضع كل البلدان و تركيا اساسا، دولة الجوارالسوري ،و هي منذ منذ عشرات السنوات تحاول حل مشكلة الاكراد و قضية حزب العمال الكردستاني ارهاب “البي كا كا”. تمثل خطر الازمات في إذكائه قوة حزب العمال الكردستاني، وتزداد الهجمات في تركيا و داخل سوريا والعراق . حزب العمال الكردستاني هو الخطر الاول تليه داعش التي تضر ببلد يملك 900 كم حدود مع سوريا، وهي الطريق الاسهل لتسرب الدواعش. بالاضافة الى التنظيم الموازي لفتح الله غولن ” حركة خدمة” الذي امتلك قوة كبرى في الداخل والخارج مكنته من الاجتراء على محاولة الانقلاب على النظام، كوّن قوة كبرى والدولة حاليا بصدد تفكيكه . هنالك اتفاق بين “داعش” و”حزب العمال الكردستاني” والتنظيم الموازي ” .
اما في تونس ،فقد بينت استطلاعات الراي انه البلد يملك قوة الشباب وتستطيع من خلاله الدولة اثبات مكانها. هو البلد المدخل لافريقيا كما تركيا ايضا هي الجسر بين اسيا واوربا. المنطقة تشهد ازمات مماثلة مختلفة في المدى، والحياة الاجتماعية تدريجيا صارت اصعب ويبدو ان المشهد يتكرر في المنطقة ولا بد من الاصرار على الفهم في كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية التي تقتضي الفهم وسبر الواقع في العراق واليمن وسوريا وتونس وليبيا و دون فهم الوضع في سوريا ووفي غيرها لا يمكنك التصرف دون. وهنالك لاجئون من ليبيا في تونس كما هنالك ملايين من سوريا ايضا في تركيا . تونس تمثل المثال الجيد الناجح و انتقالا ديمقراطيا سلسا استثنائيا ناعما رغم بعض الهزات. لها حدود طويلة مع ليبيا وتركيا تملك نفس المشكل في الحدود مع سوريا. تونس ستعيش مشكلة عودة الارهابيين الذين ييقدر عددهم باكثر من 2000 مقاتل. ولكن المراقبين لا يرون الوضع في تونس بالخطورة وحجم الاشكال نفسه، حيث يحافظ المجتمع على توازنه الى حد كبير، وهذا ما لوحظ خلال الزيارات الى مصر واليمن وسوريا وليبيا. السؤال الحارق يتعلق بامكانية استمرار التجربة التونسية والخوف مع استمارريتها في الزم . قُطعت خطوات هامة في المجال السياسي ولكن الوضع يتسم بالهشاشة دوما . فنسبة انجاز المشاريع التنموية من سنة 2011 يترواح بين بين 5 و 6 مليار دينار، وهي كلها مرصودة للبنية التحتية والمشاريع الكبرى،ولكن بقيت المنطقة الداخلية هي المعضلة وكاننا بدانا اليوم فقط .الوضعية تتسم بمفارقة بين سقف مطالب مرتفع وامكانيات محدودة للدولة.و الانتخابات المحلية والبلدية لابد ان تتم بسرعة دون ضغط بيروقراطي.
ازمات كثيرة تجتاح المنطقة وتحتاج حلولا كبرى حتى تستقر فيها الاوضاع. والتحدي الاكبر يظل في القدرة على حل المشكلات. اذ تاخرت الحلول ونحن امام اكبر الازمات السياسية بلا ريب التي تقسم المجتمعات التي لا تعيش كقوميات مجتمعة، بل اندثرت فيها فكرة التعايش. الحل يجب ان لايكون تقليديا بل حديثا فيه اتفاق دولي واقليمي. لا تكفي العلاقات الديبلوماسية للدولة حتى تنهض بالمشكلات بل لابد ان تسندها ديبلوماسية ظهيرة لتجترح الحلول. للشعوب نظرة موحدة لما يقع ولكن الحكومات لاترى ما تراه الشعوب. جوهر المشاكل سياسية وقد تتخذ طابعا قبليا في بعض الحالات. ففي سوريا طفت الانقسامات السياسة الطائفية ولكن المشكل الاساسي يتعلق بموضوع السلطة. مدار القول كان يقينا بنجاح الربيع العربي وتحديات البلدان النامية ديمقراطيا والجوار العربي. على المدى الطويل ستنجح القوى الثورية والديمقراطية في فرض نفسها. ناضلت تركيا من اجل الهوية ، ولكن لدى تسلمها الحكم وجدت نفسها امام قوى صلبة عتيقة عميقة الأواصر بالدولة وهي ديناميكية جديدة لا بد من الصبر عليها، سينتج الربيع العربي ويثمر ولو بعد لأي . هنالك فرص كثيرة للنجاج والشرائح الاجتماعية القديمة والجديدة يمكن ان يقع بينها التوافق بالتعاقد. تركيا وتونس امامهما مستقبل كبير في جعل الهوية مدخلا الى التحديث. الديمقراطية وحقوق الانسان والحرية والمفردات الجديدة للحداثة لا يمكن ان تكون ادوات بيد النخب فحسب ، بل يجب ان تكون ثقافة شعبية حقيقية تنساح في جنبات الواقع. و هذا امل يبُقى السؤال قائما حول اليات حل النزاع في ازمات الساحة المحكومة بالفاعلين الاقليمين والدوليين على السواء. و الفاعلية في الحاضر تسمح لنا ان نعرف مكونات المنطقة وطبيعة المشاكل وتكوين مسار السلم., تركيا ترى بدورها ان الحل يكمن في محاولة التفاهم وهذا ما دفع اردوغان بالقول بان العالم اكبر من الخمسة الكبار امريكا فرنسا وبريطانيا وروسيا والصين. فليست القيمة فقط في القوة الاقتصادية والبشرية بل في العدالة، وهذا ما يسهل العمل التشاركي. العلاقة الثنائية في مصلحة البلدين حتى تركز قيمة السلام ومساره . وقعت المحاولة التشاركية بين تركيا وبلدان عديدة عربية وافريقية و الافضل ان يكون التشابك اقتصاديا وليس تشاركيا، اي يُسمح فيه بالاستثمار المباشر بين التونسيين والاتراك. حصلت حملات تشويه كبيرة للتجربة التركية في الاعلام التونسي وتصويرها دكتاتورية تريد ان تستعمر دول صغيرة، ولكن سبر الأراء بين ان 70 بالمائة من التونسيين يرون لها دور ايجابيا بعد مد يد عونها لتونس في مناسبات عديدة بعد الثورة ومهما اختلف لون القائمين على الحكم .

Leave a Comment