تقرير ندوة 6 سنوات على مسار الثورة التونسية :الاولويات والتحديّات

عقَد “مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية” بالشراكة مع “المركز العربي للابحاث و دراسة السياسات بتونس” ندوة فكرية  هامة بمناسبة الذكرى السادسة للثورة التونسية التي انطلقت يوم 17 ديسمبر وانتهت بالإطاحة بنظام زين العابدين بن علي في 14 جانفي من سنة 2011. تحت عنوان “ستّ سنوات من الثورة التونسية ،الاولويات والتحديّات”، السبت  14 جانفي  2017 ، حاضر خبراء السياسة والاقتصاد من تونس والعالم العربي في شان الثورة التونسية قارئين للحال ومستشرفين للمآل السياسي والاقتصادي والاجتماعي لتجربة لازالت  تخطو خطواتها الاولى،حدثا فارقا في التاريخ العربي الحديث طارئا على المنطقة  والنخب واستثناء في تجربة الوفاق التي تبحث عن احداثياتها بين خطوط عرض التاريخ والجغرافيا ،  فظلت تحت المجهر و بقيت قيد الدّرس.
رفيق عبد السلام، رئيس مركز الدراسات الاسترتيجية والديبلوماسية
تنعقد هذه الندوة بمناسبة الذكرى السادسة للثورة التونسية ٢٠١١  بعد حركة احتجاجية واسعة بدأت يوم ١٧ ديسمبر انطلقت من المدن الداخلية التونسية. الثورة   وما تلاها من تغييرات هي بالنسبة الى البعض مجرد مؤامرة دولية، وهي بالنسبة الى الكثير نتيجة طبيعية لتطلع التونسيين للحرية. الا ان المؤكد هنا ان الثورة التونسية قد أعادت بناء أسس شرعية جديدة فرضت نفسها على الجميع بما في ذلك تلك القوى المناوئة للثورة وخط التغيير الديمقراطي. الذكرى السادسة للثورة ليست مجرد مناسبة للاحتفال ، بل الأهم من كل ذلك انها  مناسبة  للتفكير الثاقب في مسيرة هذا التحول العميق والقاسي الذي تمر به تونس ، والذي تختلط فيه المكاسب والمنجزات، بالتحديات والمخاطر، كما ان هذه الذكرى   محطة للتأمّل في اوضاع عالمنا العربي الأوسع، والذي باتت تتداخل  فيه مطالب الحرية والتحرر  بأجواء الفتن والحروب الأهلية، التي تعصف اليوم بأكثر من قطر عربي،  في ليبيا وسوريا والعراق واليمن وغيرها. لا احد يشكك اليوم في حجم المكتسبات السياسية والحقوقية في تونس بعد الثورة، والتي انتزعها التونسيون بفعل تضحيات اجيال متتالية من مختلف التيارات، وفي مقدمة ذلك  حرية التنظم والتعبير والاجتماع، وتفكيك القبضة الحديدية للدولة التسلطية،فقد نجح التونسيون في سن دستور تحرري حظي بأوسع قاعدة ممكنة من الاجماع الوطني ، وفي تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية نزيهة، وتشكيل حكومات ائتلافية اتسع نطاق تمثيليتها تدريجيا،  فضلا عن بناء المؤسسات الرقابية، ويبقى التحدي القائم اليوم في استكمال هذا التمشي  السياسي الناجح نسبيا، بمسار اقتصادي وتنموي يترجم تطلعات الثورة في الكرامة والعدالة الاجتماعية ويفتح نافذة أمل أمام القطاعات  الاجتماعية المهمشة والمحرومة وخصوصا بين فئات الشباب، فضلا عن مواجهة التحدي الأمني الناتج عن صعود جماعات العنف والارهاب، وحالة الاضطراب السياسي التي تعصف بالمنطقة العربية مشرقا ومغربا. الثورات بطبعها قاسية ، على نحو ما يعلمنا ذلك التاريخ ،  بالنظر الى ما يتبعها من هزات اجتماعية وسياسية عنيفة،  وصعود النزعات الجذرية والفوضوية احيانا، ولكنها في نهاية المطاف بوابة للتغيير وتمزيق خط الرتابة والجمود التاريخين، والشعوب الحية والطموحة هي التي تدفع ضريبة التغيير الثقيلة . كما ان الثورة هي مسار معقّد من الصعود والنزول، ومن المد والجزر، ولذلك لا يمكن ان نحكم على مسار الثورات من خلال مدة زمنية وجيزة، بل يجب ان نحكم عليها بمنظار تحقيق تاريخي أوسع، وربما يحسب للثورة التونسية انها كانت هادئة نسبيا وبأقل مايمكن من التضحيات والدماء، كما يحسب للنخبة التونسية ميلها الى الحلول التوافقية  بديلا عن الخيارات العنيفة، وربما يعود هذا الامر الى حالة التجانس المجتمعي وغياب الانقسامات الطائفية والعرقية في تونس.  وإذا كان هناك من عنوان يمكن ان تكتسبه التجربة التونسية فهو عنوان الديمقراطية التوافقية. لقد بدأ هذا الخيار من موقع الاضطرار الذي أملته الإكراهات السياسية الداخلية والخارجية تحت عنوان التعايش ولكنه تحول بعامل الوقت الى منهج لإدارة شؤون الحكم والحياة العامة، ورغم كل الانتقادات التي توجه لخيار الائتلاف الا انه يظل الخيار الأصوب والأفضل مقارنة بكل الخيارات والبدائل الاخرى.
فيصل دربال مستشار لدى رئيس الحكومة
تقتضي التحديات الاقتصادية  فحص الوضع الاقتصادي  والتحسب للفترة المقبلة  2016—2020. إذ يبدو الوضع  في حالة حرجة. ففي أواخر  سنة 2016 تخطى عجز الميزانية 5 مليار دينار. وبلغ العجز التجاري 12.6 مليون دينار و42 % منه مع بلدين هما تركيا والصين . ويبلغ حجم الدين الخارجي العام 55 مليار دينار.   تتواتر العديد من المؤشرات المخلة  مثل الضغط الجبائي وتزايد نسبة البطالة ونسبة الديون المشكوك في صحتها وانخفاض احتياطي العملة الصعبة ممّا أدى الى تراجع تصنيف تونس  لدى المؤسسات العالمية الاقتصادية مثل منتدى “دافوس”  و”دونغ بزنس ” والحريّات الاقتصادية “. الوثيقة المعدّة لمنوال التنمية ليست في الحقيقة الا سردا وصفيا ووثيقة للفترة الخماسية القادمة. واهم ورد فيها و تم عرضه  على مجلس النواب هو غياب الفرضيات المطبقة ولا ندرك على اي اساس تم ضبطها. من بين الفرضيات ; هو ارتفاع نسبة النمو بين 2016-2020  التي ستكون 5%بينما كانت النسبة سنة،  2015 1.5 % فقط و سنة 2017 وحسب قانون المالية، ستكون   2.5 في اقصى التقديرات وهو ما يبين صعوبة الانجاز . ومما يجب الانتباه اليه ان  عدد مواطن الشغل سيرتفع  الى 58 الف، ولكنه يصطدم واقعيا  بالتضارب بين نسبة النمو المحتملة  وفرص الشغل التي يمكن ان توفرها. فكل نقطة نمو بهذا المنطق قادرة على خلق 32 الف موطن شغل وهو امر مستحيل اجرائيا. التحديات الاقتصادية سترتكز على اربعة ركائز  وهي : التوازنات المالية، التشغيل، الاصلاح الجبائي بالحد من التهرب الجبائي، اصلاح المنظومة المالية. فلابد من اعادة عجز الميزانية الى مستوى معقول اي ما بين 2.5 او 3 وليس مثل الوضع الحالي الذي يبلغ فيه  عجزها 5 % وقد يرتفع الى 6.  الحلول تكمن في تقليص المديونية والتحكم في المصاريف العمومية وتحسين هيكلة الموارد الجبائية للميزانية من خلال الترفيع في الموارد الذاتية التي تعيش خللا رهيبا وترشيد موارد الاقتراض وتفعيل موارد حديثة مثل الصكوك المالية الاسلامية التي لم نقم بتفعيلها الى حد الآن. ولابد ان تعود المؤسسات عمومية الى ربحيتها السابقة،  فالمعضلة اليوم انها  لم تعد قادرة على توفير ارباح لميزانية الدولة.
 زياد العذاري  وزير الصناعة والتجارة
لماذا تأخر المسلمون  وتقدم  غيرهم؟ هو سؤال النهضة  لشكيب ارسلان.
نحن نعيش اجماعا في تونس  من كل النخب عن صعوبة المسالة الاقتصادية. لم نتقدم في المجال الاقتصادي رغم ان الثورة فجرت آمالا عريضة لكنها لم تستطع أن تفجر الابداع. تحققت خطوات ايجابية، وظللنا نبحث عن مسار الاصلاح الاقتصادي، والحصيلة اننا مازلنا في اول  الطريق. المؤشرات الاقتصادية  باقية على حالها والوضع الاقتصادي يزداد هشاشة وصعوبة وهذا ما دفعنا الى التساؤل : هل  المشكل كامن في  التمويلات او الاصلاحات تشريعية  والقانونية، او في غياب الحوافز للاستثمار لخلق المؤسسات وغياب الموارد او الكفاءات في البلاد؟ كل هذه  الفرضيات لم تستطع  تفسير المفارقة بين  الانجاز السياسي   والاقتصادي.
لا يمكن انكار تقدمنا اشواطا كبيرة في الاصلاحات، كتقدمنا في قانون الشراكة بين القطاع العام و الخاص، مجلة استثمار، اصلاح منظومة قانون المالية الاسلامية، رسملة العديد من البنوك العمومية التي مرت بصعوبات. لكن التمويلات لم ترتق الى   مستوى الانتظار عموما،  وبقيت البلاد   في وضعية جيدة في سلم الترتيب الدولي في  المنطقة، رغم وجود الكثير من الكفاءات، فالمهندسون هم الاحسن عربيا، و ليس لنا صعوبات فنية وشهاداتنا بمستوى الكفاءة الفنية. ما يجري في  مراحل عدم استقرار والانتقال الديمقراطي ، مثل الاضرابات و تعاقب الحكومات  يجعل من الطبيعي ان لا يكون النسق الاقتصادي في البلاد في مستوى الطموحات. ونتيجة لذلك  غيرت احدى مؤسسات الترقيم السيادي ترتيب تونس  رغم  ان الثورة  التونسية كانت  من النوع  الحديث. لا اعتقد ان المشكل  يكمن في الموارد، بل  في اننا لم نفهم بشكل عميق الرسالة العميقة للثورة في علاقتها بالدولة. التقطنا الرسالة في علاقتها بالجانب السياسي فقط، وليس في علاقتها بالدولة، بقينا ننظر الى الدولة بعين  الثورة. تعددت المؤسسات خارج الدولة، قوي  المجتمع على حساب الدولة وضغط اكثر لصالحه. في الوقت نفسه بقيت مطالب  الناس عالية في انتظاراتها  كالشغل والسكن. وانتقلنا من ثقافة الرخصة الاقتصادية  الى ثقافة الفرصة. قبل الثورة نُظر الى الدولة  جهازا مهيمنا ،وبعد الثورة كعكة تفرَّق  هباتها لجلب المتعاقبين عليها طمعا، بينما هي لاعب أساسي في اللعبة الاقتصادية.وكان ذلك ثمن   تغير الامور بعد الثورة. الفرضية. ليس دور الدولة  ان تخلق كل شي كما تم سابقا. الفضاء الاقتصادي والسياسي دوره سيكون مسهلا ومعدلا وموزعا لثمرات التنمية على الفئات الاضعف. وليس على الدولة ان تقوم بدور الوصي على المجال الاقتصادي.ما اعتقده ان النقلة الثقافية لم تقع في اذهاننا نعتبر من خلالها ان  ثقافة الثورة  ثقافة تحرير وتحرر،وهذا المفهوم  لم يلج عقول  الشباب الذي تربى ان يكون ،بدقة، موظفا في الدولة وليس خارجها. ما نلمسه ان  ثقافة المغامرة والمبادرة ضعيفتان  جدا والتعويل على الذات غائب. فعندما تتوجه الدولة الى طرف  لتذكره بواجبه الجبائي  تفاجا بانه  يطلب منها ان تتجه الى غيره قبله. دورنا جميعا هام في تحديد  وجهة  الاقتصاد، ولكن يجب ان تُترك لنا الفرصة كي نجرب الخيارات , وننتظر الفرصة في المرحلة القادمة مع يقيننا ان التوافق التام في الاقتصاد غير ممكن.
رضا الشكندالي خبير اقتصادي
وفرت لنا  الديمقراطية نوعا من الاستقرار السياسي، الاستثمار السياسي والمحلي والاجنبي محور من المحاور الهامة في ترتيب  كل دولة بعد ثورة.  في مؤشر الحرية السياسية كان   تقرير “فريدم هاوس”  عن تونس  مشيدا بحرية الرأي والتظاهر والصحافة ومؤشر الحرية الاقتصادية. بينما رصد  معهد “فريْزَر”   تصنيفا سيئا.  ليس هنالك مسار متوازي بين السياسي والاقتصادي  وكلا القطاعين لا يسيران بالسرعة نفسها. ادي هذا الغموض  الى الارتباك في السياسة الاقتصادية والرؤية غير واضحة.  في بداية 2016 كانت هنالك مخطط لوثيقة توجيهية  لمخطط خماسي، وبعدها جاءت وثيقة قرطاج ولم يلاحظ تواصلا لا في الاستثمار  في قانون المالية 2017 مع وثيقة التوجييهة، ولا مع المخطط الخماسي وكانهّا جاءت منفصلة. وظل المستثمر متذبذبا باحثا  عن رؤية مما ادى  الى تراجع نسب الاستثمار الخاص. السياسات الاقتصادية المتخذة  ليست ناجعة، بل ان  مساراتها مخيفة، و لا بد من ذكرها للتوقف على اسبابها والبحث عن الحلول. إذ تراجع النمو الاقتصاد  سنة 2015 بنسبة  0.8% رغم وفرة الامطار  وما  حققه الانتاج الفلاحي بنسبة نمو وصلت 9.5  %تزامن مع تراجع اسعار النفط العالمية  ورغم الظروف العالمية المواتية. لازلنا لم ننتخط نسبة 1.3% ب وهذا النمو متات اساسا من الادارة والوظيفة العمومية، اي هو  نمو عقيم ليس فيه زيادة للثروة. فقد تراجعت الصناعات المعملية 28.9% و استخراج بالبترول ب 7% وتراجع مجال  البناء و الاشغال العامة، وهو مؤشر هام  لا بد من ا النظر اليه.  وتصاعدت نسب البطالة  التي كانت بين 12 و13 %  سنة 2011 لتصل %15.4 سنة 2016 وهو رقم مخيف خاصة اذا كان عمودها الفقري  من اصحاب الشهادات العليا  بين  الاناث والذكور على السواء، وبقي  المنوال التنموي  على حاله لم يتغير. ولم نحقق القيمة المضافة التي يمكنها ان تستقطب اصحاب الشهادات العليا. منوال التنمية عندنا لا يمتلك  المزايا التفاضلية بل ظل يعتمد اليد  العاملة  الرخيصة وليست الكفاءة  مما ادى الى نسق انحدار. و التوجه نحو السياسة في زيادة في الأجور سيصل بنا  الى 63.7% من المديونية،وهذا  يمكن ان يكون سببا في خلط الفرضيات خاصة اذا ما ارتفع السعر العالمي للبترول  وتخطى حاجز  60 دولار، مما سيعمق  من جرح الديون وتراجع الدينار والمقدرة الشرائية. الخطر ان القطاع العام  هو  الذي سيتاثر و وهو الذي سيتحمل المسؤولية ولن يتحملها القطاع الخاص . هذه الزيادة في الاجور يمكن ان تؤدي الى اختلال  يزيد من التضخم وهو ما تسبب في تقهقر تونس هذه السنة ب2 مراتب كاملة في ترتيب “دونْغ بزْنس” عكس المغرب الذي تقدم ب7 مراتب. وهذا مايجعله وجهة للاستثمار مفضلة على تونس.
المؤرّخ  والمفكر الدّكتور هشام جعيط :
هل كان ما حدث في تونس بين 17 ديسمبرو 14 جانفي 2011 ثورة أم انتفاضة؟
تاريخا وجدت انتفاضات وثورات لا تحصى على الحكم القائم. ولكن الثورات كانت اقل عددا، ولكنها كانت تمتاز عن الانتفاضات بالرؤية ، وإذا ما كانت لها  رؤية فهي عادة ما تكون  ناجحة وتكوّن هيكلا جديدا بعد الاطاحة بالهياكل القديمة حسب مبادئ وأفكار جديدة تطيح بالهيكل القديم. وجدت في حضارتنا الاسلامية انتفاضات تعددت، ونظرا لاتساع المملكة من حدد الصين الى حدود بلاد الغال، قامت اتفاضات وكوّنت دويلات. وبعض الانتفاضات استطاعت ان تقيم   دولا مثل “دولة الادراسة” من العهد العباسي والامويين  الأندلس وفي الأطراف تكونت دويلات. ولكن الثورة الكبيرة التي عرفها التاريخ الاسلامي هي الثورة العباسية. بينما كان خصومها  يتكلمون عن دولة انقلاب كبير لها مبادئ وافكار. نشا مفهوم الثورة مع العباسيين وبدا استعماله ابّان الثورة العباسية وكان يعني  تغير الامور. لماذا كانت الثورة العباسية ثورة؟    في اعتقادي، لانها اطاحت بامبراطورية قوية، و لانها ايضا استقامت  كامبراطورية  الاسلامية  على العنصر  غير الاسلامي يعتبرها مؤسسوها   انفسهم من ال البيت، وبينما كانت الدولة الاموية عربية عنصرية لم تُدخل الاعاجم في الاسلام ولم تكن دولة جامعة، بينما أقحم العباسيون الفُرس والأتراك وفتحوا الباب لكل العناصر غير العربية وجعلوا الاسلام قاعدة للدول وليست الهيمنة العنصرية العربية. الدولة العباسية قامت على افكار وليست فقط على القرابة من الرسول، وأنشات امبراطورية متسعة. صار الاسلام مرتكزا على عدة شعوب وصارت الدولة  امبراطورية . هذه الثورة في حضارتنا مهمة جدا ولعبت دورا أساسيا في التاريخ ، لا تصح تسمية الثورة  الا إذا  أزالت حكما سابقا لسبب ما باعتباره  غير شرعي،  وأقامت رؤيتها  للامور على افكار  غيرت  عميقا اتجاهات المجتمع .
اما في العصر الحديث، فاهم الثورات كانت  تلك  التي تغلغلت  في المجتمعات و اتسعت الى افق متعدد. وكانت الثورة  الفرنسية ثورة حقيقية ، لا لانها  اطاحت بالملكية واقامت الجمهورية، وانما لانها استقامت على افكار كل القرن الثامن عشر التي سَطَرها  فلاسفته. كتب الكثير من مفكريه  في رؤية لعالم جديد يطيح بالعالم القديم وعالم القرون الوسطى من الناحية الايديولوجية الدينية، و انتقدوا  الاستبداد الملكي،  وقامت هنالك حركة فكرية قبل 50 سنة  من  اندلاع  الثورة  سنة 1789 احسن الثوريون استثمارها. ما ينبغي ان لا  ننساه، ان هذه الثورة يمكن تسميتها بثورة كبيرة  لإطاحتها بالملوكية والاستبداد وإزاحتها سلطة الكنيسة التي كانت مهيمنة والتي  حافظت على تراتبية المجتمع في  القرون الوسطى و  مجتمعا طبقيا بصفة مجحفة ، و إزاحتها  كل النظام الفيودالي القديم  من الوجود. كانت هنالك حرية ايديولوجية، و كان مفهوم  المساواة اكثر ألقا من مفهوم الحرية  عكس ما   كان في المجتمع الانقلوسكسوني. فالمجتمعات  الأنقلو سكسونية مجمتعات تلح اكثر بكثير على مفهوم الحرية من مفهوم المساواة. بريطانيا كانت تراتبية الى حد مرحلة  الحرب العالمية الاولى  والميراث الاجتماعي في امريكا كان تراتبيا في  فرق بيّن  بين الثراء والطبقة الوسطى والفقراء. ككل ثورة عرفت  تناقضات و اضرابات واحتقانات وسال الدم بكثرة.  وواجهت الثورة الفرنسية الارهاب الداخلي. واجبر الفرنسيون بعد عشر سنوات من ارهاب “روبسبييار” الى مناداة جنرال ليحمي مكاسب الثورة. ولكن هذا الجنرال رجع الى نوع من الاستبداد ونظرا لعبقريته العسكرية، قام بحروب  متعددة سقطت بها مفاهيم الثورة وأولوياتها وأسسها،  وهذا مثال ثورة  خرجت منها ديكتاتورية. في القرن الحديث كانت الثورة البولشيفية سنة 1917، ما ارادته  كان  اكثر من الثورة الفرنسية، المساواة اعطاء حق الشعب من الوجهة الاقتصادية. أزاحت البرجوازية و ارتكزت  على نظرية ملتحمة جدا هي الماركسية. ولكنها وان قامت في تحرير كبير بعد اضطرابات دامت سنوات قامت بابراز  بعض الافكار الماركسية الاولى ولكنها تحوزتها بكثرة، ومن فكرة البروليتارتيا جاءت الديكتاتورية الستالينية التي لم تكن ترحم. لان الثورات الكبرى ليست بالسهلة في الواقع، فالثورة لفرنسية لم تُأت أُكلها الا في الجمهورية الثانية سنة 1878، يوم عرفت توازنا بين القوى الوطنية وجمهورية معتدية. الثورة العنيفة التي تريد تطبيق الايديولوجيات  في فرنسا وتطبيق الستالينية  تخفق في الاغلب، وتبقى بقايا  من مفاهيمها في النظام الروسي الذي  عرف كيف يوازن بين مفهوم الحرية وشيئ  من الهيمنة، وبين حقوق الشعب ونوع من السلطوية في الدولة .في العصر الحديث ايضا، وجدت الثورة الايرانية سنة 1979 التي اعتمدت على ايديولوجيا. لانها اوّلت الاسلام تاويلا ايديولوجيا و اعتمدت  عليه مقولة  راسخة في تغيير عقلية الشعب.  لكن الاسلام أخذا مظهرا  يشبه كثيرا الشيوعية،هو ليس باسلام متعجل  بل عنيف، و الفكرة الوحيدة التي نهض عليها   كانت الحرية وارادة الشعب لانها اطاحت بنظام قديم مدعوم خارجيا.
أما ثورة تونس 2011 مصدرها  بلد صغير ، اطاحت بدكتاتور وهذا ما اعطاها الطابع الثوري،  رغم انها لم تكن تكن عنيفة جدا، إذ لم يحصل عنف كبير في البلد، وبعد ست سوات نجدها متمركزة   على فكرة الحرية وعرفت كيف تاتي بنسق معين  مقام على فكرة الديمقراطية والحرية. لم يعرف العالم العربي والاسلامي كيف يقيم الديمقراطية ولم يعرف ان يعطي الاولوية  السياسية  للحرية والكرامة.  حصل حديث عن الثورات في الخمسينات بعد ما قام  عبد الناصر  سنة 1952،  ولكنه اقام بعدها حكما دكتاتوريا. وفي العراق  سنة  1958  وحصل  الشيئ نفسه  من محاولة تغيير في الذهنيات. كان ما يحتاجه العالم  والثورة هو تغير الذهنيات بعمق ورآها اصحابها انها بوابة الدخول  في العالم الحديث، و هكذا كان التصور , وهي ثورات أقامت تغييرا اجتماعيا  في مصر في العراق وايران. ولكنها اخذت  شكل الثورة السوفياتية،  مع نبذ الشيوعية كايديولوجيا.  العالم العربي عرف ثورات حقيقية،و كان  مستعدا في الدخول في الديمقراطية. نشهد اليوم  في تونس  شيئا هاما هو استقرار المفاهيم الاساسية  للثورة التونسية مثل الحرية والديمقراطية واعتقد ان هنالك شيئا ما قد رسخ رغم   وجود اضطرابات. فالمفاهيم الاساسية التي قامت عليها الثورة متبقية  وليست لها المشاكل التي عانتها  الثورة الفرنسية والصين.
من تونس خرجت الفكرة الديمقراطية وانتشرت في كل العالم العربي ولم تحصل اراقة دماء. بينما  حصل فشل في مصر والعراق وسوريا واحتراب داخلي . هنالك تشاؤم من البعض، و لكن لنفهم ان هذا البلد الصغير وصل على الالتقاء على المبادئ التي قامت عليها الثورة. في الواقع،  ليس علينا ان نستاء كثيرا من بعض الاضطرابات  الاقتصادية او الاجتماعية.  الديمقراطية ليست المعجزة و ليست الحل الافضل كما كان يقول “ونستون تشرشرل” بل هي  افضل من غيرها. في الديمقراطية يحصل الاستياء من بعض الاشياء ولكن على الناس ان يعوا الفرق بينها وبين الدكتاتاتورية. لست ارى من يستطيع ان ينقلب على المسار الديمقراطي وخط الحرية في البلاد .الشعور بالوعي مشكل، في مسار الانتقال الديمقراطي حللنا المشكل السياسي وانا اعتبره    المشكل الاساسي  هو الاساس، و البقية امور تقنية ستلقى مصيرها الى الحل.اليابان  خصصت وزارة للقطاع الخاص وكانت سببا في نهضتها ولكني ارى مجال الاستثمار فيه تهاون. رغم اقتناعي بان الدولة لازالت تلعب دورا ومازالت محترمة, اختار الجميع  الليبرالية نهجا اقتصاديا، وعلى الدولة ان تضغط على القطاع الخاص من ناحية اخرى. اما في مجال العدالة الانتقالية  فاني ارى انه لا بد من حسم الأمور  وتمكين الضّحايا من حقوقهم م ومنح تعويضهم. حاليا. اؤكد انه لازال  للدولة وجودها في هذا المجال،  الديمقراطية تعني وجود اضطرابات ايضا ،  وكل اصلاح يقع بعده رفض من الناس وهذا طبيعي. ففي فرنسا كل تغيير تريد ان تقوم به الحكومة  يوازيه رفض شعبي و الاصلاح معرّض لرفض قسم من المجتمع.العبقرية في ايجاد  توازن بين الحكم القائم وبين الاحتجاجات التي ستظل قائمة ويجب ان لا يثني هذا الدولة عن عزمها في الاصلاح وان لا يربكها الاحتجاج.
راشد الغنوشي رئيس حزب حركة النهضة
 ما وقع في تونس  ليس انقلابا ولا انتفاضة  بل  ثورة ناجحة. كانت  ثورة تحضّر و باقل كلفة  معبرة عن ذكاء المجتمع. تونس كانت مبادرة بثورة في  العالم  العربي الذي صار ثقبا اسود  يمتد فيه الحريق و ظلمات بعضها فوق بعض. تونس بصدد نحت نموذجها ولن يحصل ان يتغير موقفها  بما يحصل في المحيط العربي  الهادر بالفتن. تونس ليست مسؤولة عمّا يحصل عن هذه الدماء  التي تسيح في المنطقة.  ورغم كل ما يجري في حقيقة الامر لاول مرة يصير العرب جزءا من التاريخ ولم يخرجوا  منه رغم ان عصر  الاستبداد  كانت عسيرة ولكن أعسر منها  بناء  الديمقراطية  التي ستيسر  العودة الى التاريخ بالتحرر من الاستبداد. نعيش زمن إدارة الحرية ليست وهي ليست بالامر الهين في مراحل الانتقال الديمقراطي. يبقى الهاجس الأساسي  هو منع  العودة  الى الاستبداد من خلال تركيز مؤسسات دستورية ;  المجلس الاعلى للقضاء، والمحكمة الدستورية. ما يجب الانتباه اليه ان كثيرا من الناس  يجهلون ان للحرية ثمنا، ولكن من ليس مستعدا  لتقديم مهرها  ليس اهل لها. هنالك من قام بتفصيل القانون الانتخابي على مقاسه ونسي انه في زمن الديمقراطية  الحقيقية، يمكن لحزب ان يتضرر من قانون انتخابي اليوم  و ينتفع منه غدا. طمأننا الأستاذ الكبير هشام جعيط ان تونس ليست مهددة بعودة  الدكتاتوية. وانا اعتقد ان الهندسة السياسية  مستقبلا يجب ان تركز على منع عودتها ولو بطريقة انتخابية. لا يمكن اقامة حكومة الحزب الواحد،و كان يمكن للنهضة ان تكون تقيم حكومة اسلامية نهضوية  ولكنها تجنبت ذلك.  ينبغي ان نتجنب فكرة الانقسام بين اسلامي وبين علماني وشكلنا الحكومة مع احزاب تنتمي إلى حزب يسار الوسط، وكنا نتوقع ان تمر الفترة في امان.  ولكن  سرعان ما وقع الانقسام مجددا. حصل الانقلاب في مصر  في 3جويلية  2013 و اثّر الحدث على جملة المنطقة وقدم  واعطى  دفعا معنويا لارباك الاوضاع وتغيير ميزان القوى في الساحة، ورياح  الشر من الشرق وجدت هنا من يستقبلها. فانطلقت فكرة التوافق في 3 اوت 2013. كان هنالك اجتماع محوره المصالحة ومنع تقسيم المجتمع  تونس الى ما  قبل الثورة وتونس بعد الثورة ورفع شعار التوافق. وكان  لقاء باريس.  تونس اليوم تُحكم ب6 اجزاب مدعومة ب3 منظمات وطنية وهو ما يعني ان سياسة التوافق هي بصدد التوسع مقابل سياسة الاقصاء. المجتمع سفينة يجب ان تحمل الجميع دون ان تلقى بطرف منهم. ولكن عندما يصل الامر بحزب سياسي ان يطلب من عضو فيه    المثول امام  لجنة التاديب  بسبب مصافحة لزعيم من النهضة، يعني ذلك انه توجد  عندنا ازمة تعايش و ادارة الاختلاف.  منطق الاقصاء يؤدي الانتكاس الثورة.  الثورة هدفها توزيع السلطة  و الثروة  ايضا وهو ما لم يتحقق . عرف تاريخ تونس سنة 1864  احتجاجا اساسيا لعدم التوزيع  العادل للثورة وحتى الان مازالت رسالة الداخل للساحل وثرواتها لا توزع بعدالة بين  مناطق البر و مناطق البحر. هنالك من راهن على التقاط الحكم  من الشارع بدعوى  عدم الاستعداد للتحالف مع الارهابيين. هذا الاضطراب سلبي، و تونس اليوم هي  البلد الوحيد الذي يسقط الحكومات برفع الاصابع. حاليا، سياسة التوافق  تحاصر مواطن الظل والتطرف، والغلو من اليسار اليوم واضح. للاسف يستمر منطق  الاستثمار في الدماء،وهو  قميص عثمان للوصول الى السلطة فهيى وسيلة بعد العجز  عن الحصول عليها بصندوق الاقتراع. منهج التوافق منهج اصيل في تاريخنا  عريق، ودمشق وقرطبة وغيرها مدن حضارية وفضاءات لكل الشعوب و الديانات، جمعت “ابو نواس” و”ابن ابي ربيعة”…و عقلية التوافق في المستوى الحضاري نجحت في تاريخنا وهو ما تحاول  تونس اليوم استعادته .الاسلام  استوعب القانون  و الإصلاحيّون ادركوا  اسباب التخلف الحضاري. و عندما يجتمع فقدان الشرعية والظلم الاجتماعي على دولة يضعفانها.  ديمقراطية  تونس  لازالت تمشي  على الجسر،  و الصراع بين علماني و اسلامي ، ماقبل الثورة وما بعدها  هو اضعاف لحظوظنا، لان  الصراع  فوق الجسور خطير. كل صورة من صور الانقسام بين  جنبات المجتمع تضعف نجاح حظوظنا في النجاح الديمقراطي.  ما قبل الثورة و زمن  “الترويكا” حكمنا ب53 % والحكم الان ب70% وهو ما يعني ان سياسة التوافق تاتي اكلها.  وتشارك حاليا   في الحكومة احزاب يسارية  كانت في المعارضة زمن الترويكا، كحزب   “المسار ”  وكذلك “الحزب الجمهوري”.  هنالك دساترة  يحنون الى الماضي ودساترة  يرون ان الماضي لن يعود. وانا اقول  من دخل تحت خيمة الدستور فهو ابن الثورة ومواطن كامل الموطنة.
عزمي بشارة  رئيس المركز العربي للابحاث و دراسة السياسات
تم التطرّق الى الحالة التونسية  كثيرا و لا أريد ان اعلق  كثيرا من الاوسمة على التجربة. عوامل موضوعية عديدة ساهمت  في نجاح التجربة التونسية حتى لا نظلم الشعوب الاخرى كثيرا اهمها: اولها   رسوخ مؤسسات الدولة ووعي المجتمع التونسي بالمؤسسات وبالدولة وهذه حالة في بعض التقسيمات الاستعمارية لم يتوفر في سوريا مثلا يصعب الحديث عن رسوخ مؤسسات الدولة في مصر موجود ولكن عناصر اخرى لم تتوفر  . ثانيا اتساع الطبقة الوسطى ومستوى التعليم المرتفع والتجانس المذهبي والقومي والطائفي بتونس الذي صار واضحا وهو ما ساعد ان تنشا تعددية تحت سقف الدولة هي عوامل موضوعية  يجب ان نتذكرها دائما. التونسيون محظوظون بها النخبة التي كانت لها  القدرة  والنضج على ذلك  التوافق  في فترة الازمات لتجنب شرخ مجتمعي كبير وهذا عامل ذاتي كبير . وكان للتونسيين  رسالة تنويرية  في الوطن العرب  فيما يتعلق بضرورات التوافق البراغماتي في الازمات  امام النظام الديمقراطي. على الناس ان يعرفوا ان  الخيبات التي تاتي مع التوافق اقل ألما بكثير من العويل والدماء التي تسفك في الحروب االاهلية . نحن هنا في تونس صرنا امام  تجربة لا عودة فيها وبقيت فقط التحديات الكبرى هي حالات اقتصادية   لتأخذ طابعا جهويا وحركات  اجتماعية مشروع . كانت بداية الثورة شرارة اجتماعية واقتصادية تحولت الى ثورة سياسية عنوانها  التحدي، وهذا البعد يجب ان يبقى ماثلا.بعد ست سنوات من الثورة تعلمنا الكثير وحين دراسة الفروق والحالة المصرية فيها الهوية المصرية عميقة ومتجذرة ، نرى ان  سبب الفرق الاول الفرق بيم ما وقع في تونس ومصر  أن الجمهورية المصرية قامت بفعل الجيش المصري  الذي يرى انه اب الدولة ولا يمكن تخيل الجمهورية بدونه. وهنالك عنصر ثان حاسم يتمثل في  ان النخبة المصرية  لم تتمكن من التوافق.  ونسيت ان انجاح مهمة الثورة ليست مهمة حزبية بل مهمة وطنية وكان كل طرف مستعد للتحالف مع اي قوة  من اجل اسقاط الاخر وكانهم لا يديرون دولة وينتهبهون ان الامر يتعلق بمعاش الناس وليس فقط بسؤال من يحكم.
موضوع الحديث متلق بالثقافة السياسية. نظريا، وبالرجوع الى كتاب ارسطو “السياسة”  الديمقراطية متعلقة بحكم الفقراء والشعب والعامة، لا تتضمن على الإطلاق مبدا الحريات او حقوق المواطنة.  أو لذلك نراها تقوم على الفوضى ثم تقود الفوضى بدورها الى الاستبداد  وهكذا يستمر التاريخ في المدينة اليونانية . الديمقراطية الفرنسية جلبت في البداية نظام شبه شمولي ثم عودة الى الملكية  مرتين والامبراطورية والاستبداد و تاق الناس الى القديم . ومن هنا نشأ مصطلح الثورة المضادة الذي ينشا  على توق الناس الى الستقرار حين  ويطول  امد اهوالها فينشا  حنين الى الماضي الاستبدادي. ما نراه الان في الحالة الانقلوسكسونية، او ما نسميه بالحالة الليبراليّة دون ديمقراطية اي نخبة متنورة تحكم دون مشاركة  الناس ودون حق الاقتراع للجميع، ولكن هدفها الأساسي الحفاظ على المواطنة والحريات. وهنا يصير لديك نموذج ديمقراطية دون لبرالية  .وحتى الشيوعيون في مرحلة ما في عهد “اوغست بلانك ” سموا نفسهم ديمقراطيين اي حكم الشعب دون مواطنة وحريات مدنية .ونموذج اخر، وهو  حكم الاقلية الذي يضمن الحريات دون ان يحكم الشعب، لانه يرى ان ثقافة العامة لا تنتج حرية بل تنتج التسلط فحين اعطيت السلطة للشعب انتخب النازية والفاشية وهذا يعني انه  الحرية.   في حالة تسليم الحكم للشعب لا يستطيع إدارة الأمور بسبب ثقافته التي لا تنتج وهنالك تجارب في التاريخ اتخذت نظام الفاشية و النازية الى اخره . وبقي العالم الغربي ومجتمعه السياسي يعيش هذ الازدواجية على الاقل على الاقل في الحداثة بين نظام بمشاركة شعبية واسعة ولا ينتج حريات ونظام يحافظ على حريات دون مشاركة شعبية واسعة . ومانراه الان من جمع  بين المشاركة و حقوق المواطنة والحفاظ على حريات هو شيئ جديد في الثورات. ولم يتعمق في الغرب الا بعد الحرب العالمية الثانية.بعد ان استكشف الناس هول الانظمة الشمولية التي نشات بالانتخابات مثل النظامين  الفاشي والنازي. وحين أدركت الليبرالية  الانقليزية كم هي معزولة عن الناس، لانها بقيت حركة نخبة لم تستطع فهم حركة الجماهير وحركة الشارع  بعيدة عن قضاياه الاجتماعية والسياسية. ومن هنا نشأت المزواجة بين ديمقراطية اجتماعية ليبرالية، بمعنى المشاركة والمبدا التمثيلي النيابي والحريات المدنية. وهو رابط تاريخي وليس رابط نظري جوهريا لانه لا يوجد نظريا شيئ يربط حكم الشعب بالحرية. فما وقع هو من ربط التاريخ. الديمقراطية لا تنتج حريات، والحريات عند”  جُون ستيورات ميل” ليس فيها ديمقراطية او لدى” جون لُوك” بل بالعكس هي حكم الاقلية، وما وقع احتاج قرن ونصف من التفاعل في الغرب. بالنسبة الينا نحن العرب في البلدان  المتخلفة ، طلب منا التاريخ ان نطبق كل هذا دفعة واحدة. وما احتاجه الغرب طيلة 150 عام لتنشا هذه التركيبة بين الديمقراطية والحرية، طُلب من شعوب اقل تطورا ان تطبقه. فلا يقبل احد الان ان يقتصر حق الاقتراع على %20  من المجتمع. وعلينا ان نتذكر هنا ان حق الاقتراع للمراة في سويسرا لم يبدا الا سنة 1965، وحق الاقتراع للعمال في بريطانيا في نهاية القرن التاسع عشر ثم توسع تدريجيا. ما نحن بصدد القيام بع هو ضمان حق الاقتراع للجميع والحريات المدنية وهذا ما يجعل المهمة  صعبة لان الثقافة الشعبية ليست دائما جاهزة لتقبل الفكرة كاملة.
عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسيّة.
 

Leave a Comment