المحاكمات السياسية في تونس (1956-2011)


العنوان : المحاكمات السياسية في تونس (1956-2011)
تأليف: مجموعة من المؤّرخين .
الناشر: المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر بجامعة منوبة
سنة النشر: 2014
عدد الصفحات: 362

 

مقدمة
يحتوى الكتاب توطئة وتقديم عام وأربعة أقسام، موزعة حسب العائلات الفكرية والسياسية والمحاكمات الكبرى، لم يلتزم بالتدرج الزمني الا بما يفترضه الخيار المنهجي الذي اعتمده مؤلفو الكتاب. ولعل المقدمة المطولة رفعت الحرج “التأريخي” بما أنها عرضت مقاربة تحليلية وتأليفية لأهم المحاكمات السياسية، مع ادراج ملحق كرونولوجي في بداية الاقسام فيه جرد للمحاكمات السياسية من ماي 1956 إلى 1 ديسمبر 2009. يعد المؤلف حدثا علميا وسياسيا ومجتمعيا هاما، لأنه يجسم مناخ الحريات الذي أنتجه الحراك الثوري في بلادنا، وفتح المجال للمختصين لدراسة قضايا المحاكمات السياسية كمنطقة غامضة او تحتاج الى الكشف والفحص والتحليل، بكشف دفاتر الماضي وتقليب صفحاته المدفونة، والاطلاع على التفاصيل والخفايا وهذا لغايات علمية ولكن ايضا لغايات سياسية وضبط الحقوق ضمن أفق توحيد الرؤية بين مختلف الفاعلين. وما كان للكتاب أن يرى النور لولا مساحة “الحريات الأكاديمية” التي حررتها الثورة،  للتخلص من السلاسل والقيود، التي كانت تكبل الباحثين، ذلك أن الحرية هي المناخ الأمثل للمختصين لدراسة سلسلة المحاكمات وإيجاد نوع من المصالحة الفكرية والوجدانية. 
أولا: الجهاز القضائي في يد النظام السياسي 
أكد المؤلفون في المقدمة أهمية تناول “الزمن الراهن”(ص5) لأسباب علمية ومعرفية ومواطنية، وأن تنوع المشاركين وتعدد الوثائق يبعد عنه كل “توظيف” أو قراءة “متعاطفة” مجانبة للحقيقة. اهتمت المقدمة بالاشارة الى خلاصات المحاكمات واستعراض ابرزها مدعما بجداول كرونولوجيا المحاكمات السياسية، مع اثرائها بعناصر دقيقة تتمثل في نوعية المحكمة وعدد المحاكمين وطبيعة التهم الموجهة اليهم، والأحكام الصادرة في شانهم، دون انخراط في التحليل والاستنتاج. تناولت كيفية اشتغال منظومة العدالة والجهاز القضائي، الذي تمت هندسته و”تفصيله” لمحاكمة آلاف التونسيين من مختلف الحساسيات الفكرية والسياسية والأيديولوجية والنقابية والشخصيات الاعتبارية. نشأ الجهاز القضائي على قياس السلطة السياسية الحاكمة وتحت امرتها وتصرفها، وقد اشتمل على محكمة القضاء العليا وتسمى ايضا المحكمة الشعبية او المحكمة الجنائية، انصب اهتمامها المحوري حول القضايا السياسية المستجدة في المجتمع التونسي ما بعد الاستعمار، تم احداثها في خضم الصراع البورقيبي- اليوسفي، واستثمرت لحسم الصراع ووظفت للقضاء على خصم سياسي. اصدرت أحكاما على السياسيين والاداريين القدامى من الذين شاركوا في وزارتي صلاح الدين البكوش (1952-1954) ومحمد الصالح مزالي(1954) وعددا من أعضاء المجلس الكبير و”القياد”، وقرارتها لا يمكن استئنافها أو الطعن فيها، و تم حلها بعد استكمال المهام “الزجرية” التي بعثت من أجلها في أكتوبر 1959. وحتى تبقى المنظومة القضائية تحت السلطة السياسية، احدثت بعد ذلك محكمة أمن الدولة في 2جويلية 1968 لمحاكمة نشطاء احداث مارس 1968بالجامعة التونسية، حاكمت مجموعة برسبكتيف والشيوعيين والبعثيين ومختلف العائلات السياسية من يساريين ونقابيين وإسلاميين، إلا أن احكامها وبخلاف محكمة القضاء العليا يمكن الطعن في أحكامها، استمرت في محاكمة المناضلين ومعارضي النظام البورقيبي من كافة الأطياف السياسية الى حدود سنة 1987، واتسمت تركيبتها بالغرابة، حيث اشتغلت قرابة عشرين سنة بقاضيين محوريين هما الحبيب طليبة والهاشمي الزمال،  ألغيت في نوفمبر 1987.  كما احتوى الجهاز القضائي على محاكم استثنائية اخرى مثل المحكمة العسكرية التي حاكمت المجموعة الانقلابية للزهر الشرايطي سنة 1963 وقيادة الأحداث الاحتجاجية بعد هزيمة 1967، ومنتسبي حزب التحرير سنتي 1983 و 1985. مع الاشارة إلى المحكمة العليا كمكون اضافي، تنظر في قضايا “الخيانة العظمى”، مثل احمد بن صالح  سنة 1970 ودريس قيقة  سنة 1984.
ثانيا: استهلال الاستقلال بالمحاكمات 
احتوى القسم الاول محاكمات التيار العروبي، الذي شُرع في قمعه وهرسلته قبل ان يجف حبر الإمضاء على وثيقة الاستقلال، ولم يتم الإعلان عن الجمهورية بعد، انطلق سعير المحاكمات في جانفي 1957، بما عرف بالمحاكمة الكبرى لليوسفيين من معارضي الاستقلال الداخلي ومن أنصار الزعيم صالح بن يوسف. شملت قائمة المتهمين ثمانية عشرة (18) متهما، وتضمن مجموعة متنوعة من الوثائق، منها وثيقة الاتهام لما عرف بقضية رقم (60) ووثيقة الوقائع  في قضية اليوسفيين، ومرافعات المحامين، ومن أبرز من ناب فيها الأستاذ العميد الميلادي والاستاذ الأزهر الشابي، ووثيقة نص الحكم في حق قرابة الستين شخصا من مناصري صالح بن يوسف. وتوقف مؤلفو الكتاب عند محاكمة المجموعة البعثية سنة 1969، شملت قرابة 31 عنصرا، احتوت وثيقة الأحكام الصادرة من محكمة أمن الدولة على المجموعة البعثية (1969)، ومن بين المتهمين محمد المسعود الشابي واحمد بن نجيب الشابي ومحمد صالح فليس، تراوحت الأحكام من سنتين إلى  أكثر من أربع سنوات سجنا. وأشار الكتاب الى قضية التنظيم السري الذي جمع بين تنظيمين، أحدها يعد امتدادا لحركة التحرير الشعبية العربية بتونس، والتنظيم الثاني الثوريون الشعبيون، أسسه شباب منشق عن الحزب الشيوعي التونسي. شكلت الأحداث التي وقعت في لبنان سنة 1982 من غزو صهيوني ومجازر صبرا وشاتيلا سياقا موضوعيا لالتقاء التنظيمين، أصدرت المجموعة نشريتين سريتين “الانطلاق” و”الراي”. بلغ عدد المجموعة المحاكمة عشرة (10) أفراد، من بين المحاكمين عمر الماجري وتوفيق المديني.
خصص القسم الثاني من الكتاب الى استعراض محاكمات انصار نظام “الحماية”، تم التركيز خاصة على المجموعة التي نفذت اغتيال المرحوم الهادي شاكر. تضمن هذا الجزء مجموعة مهمة من الوثائق، من الوثيقة (11) إلى الوثيقة (20)، احتوت قرار الاحالة في قضية اغتيال الهادي شاكر، واستنطاق الشاذلي بلقروي من قبل رئيس المحكمة، ومرافعة صالح فرحات نيابة عن أبناء بلقروي، ومرافعة وكيل الجمهورية في قضية المتهم الفيتوري جرجير الخليفة سابقا في بئر على بن خليفة، ومرافعة المحامي عزالدين الشريف عن المتهم رشيد المرابط، الخليفة سابقا، ومرافعة الطيب العنابي عن الامين الخازن، ورسالة من امين مال شعبة مساكن لفائدة المتهم يوسف كريفة، ومرافعة السيد وكيل الجمهورية في محاكمة الشاذلي حيدر شيخ مدينة تونس، ومرافعة البحري قيقة دفاعا عن محمد بن مصباح بن عبد الغفّار ، العضو بالمجلس الكبير سابقا، ومرافعة وكيل الجمهورية في قضية الطاهر بن عمار. تكشف هذه الوثائق أن السلطة السياسية الجديدة اعتمدت على الجهاز القضائي لمحاكمة رموز نظام البايات ونظام الحماية الفرنسي الذين استفادوا خلال هذه الفترة للحصول على ثروات وامتيازات، وأنه “جاء دور الحساب وإرجاع الأرزاق” (وثيقة عدد 14، من مرافعة وكيل الجمهورية). وتضمنت الوثائق توصيف ممارسات الموظفين السامين، من بينهم شيخ مدينة تونس “كان يأخذ الرشوة في مقابل تسليم رخص التاكسي” و”التنكر للمرحوم منصف باي” و”اشتهر بتوزيع الهدايا للعائلة المالكة”. هذه الوثائق الهامة  تساعد على فهم تفاصيل تلك المرحلة وخصوصيات المحاكمات، والانتباه إلى جزئيات التحولات السياسية والرمزية لما بعد الاستعمار. لم يكن المرور من الفترة الاستعمارية الى فترة ما بعد الاستقلال سلسا، عاشت البلاد محاكمات رموز النظام البائد، من أفراد العائلة المالكة(ابن الباي وبناته وأزواجهن) ووزراء.
اهتم القسم الثالث من الكتاب بسرد محاكمات المتورطين في محاولات قلب نظام الحكم باستعمال قوة السلاح، انطلق التوثيق من افتتاحية كتبها الباهي الأدغم سنة 1962 وكشف فيها خفايا الانقلاب وتفرعت عنها العديد من المحاكمات الفرعية التي تخص الساسي الأسود والشيخ حسن العيادي. تضمن هذا الجزء شهادة الطالب تميم الحمادي الذي دافع عن شرعية الانقلاب من وجهة نظره من أن بورقيبة “عبث بالقوانين” و”الاستخفاف بالقيم الدينية” و”الانحياز للأمريكان” و”تضخم الأنا” (الوثيقة عدد 29)، وشمل أيضا سلسلة وثائق  تخص  مرافعة وكيل الجمهورية  الذي طالب بإعدام كافة المتهمين ومرافعات المحامين والنص الحرفي للحكم.  تستعرض الوثائق من (28) الى الوثيقة عدد (40) كافة حيثيات العملية الانقلابية وشخوصها وأدوارهم، وأصدرت المحكمة حكمها ب(13) حكما بالإعدام بين عسكريين ومدنيين، من بينهم لزهر الشرايطي وأحمد الرحموني. يتميز الكتاب في هذا المستوى بإثارة مسألة أخرى مسكوت عنها وهي التعذيب في غرف الاستنطاق واقتلاع الاعترافات، من خلال مقتطفات من كتاب ذكريات وخواطر لعلي المعاوي، واستمر التعذيب في مرحلة السجن وما بعدها، مثلما يتبين ذلك من خلال الوثائق (عدد 41-42).
تم التطرق الى عملية قفصة التي وقعت بعد 6 سنوات من فشل مشروع الوحدة التونسية الليبية ، تم سرد الاستعدادات التي سبقت العملية التي انطلقت يوم 27 جانفي 1980، ودخول (34) نفرا عبر الحدود الجزائرية ينتمون للجبهة القومية التقدمية تحت مسمى “جيش التحرير التونسي”. اسفرت العملية عن (45) قتيلا، والقبض على قايدي العملية عزالدين الشريف وأحمد المرغني، وصدرت أحكام بالإعدام  في  حق 15 فردا و الأشغال الشاقة المؤيدة في حق 25 شخصا. وتناول القضية المعروفة بمحاكمة براكة الساحل عدد 76110، والتي تضم 244 عسكريا من رتب مختلفة، اتهموا بإعداد انقلاب على النظام، ادرجت وثائق عديدة منها مرافعة ممثل النيابة العمومية، الذي استعرض فيها مراحل المخطط  والخطط الاستثنائية ودوافعها. ومقابل ذلك، أورد المؤلفون وثيقة –شهادة الهادي القلسي وعبد العزيز الرياحي من بين متهمي براكة الساحل. فقد الكثير من العسكريين رتبهم ووظائفهم ومورست عليهم كل اشكال التنكيل والتعذيب، صدر قانون 13 جوان 2014 لانصافهم. تمت الاستفادة في هذه الفقرات من “ارهاب الدولة ضد العسكريين في ملف براكة الساحل ” من منشورات مؤسسة عبد الجليل التميمي.
الحقت محاكمة مجموعة سليمان بهذا القسم، حيث بسطت وقائع القضية التي تمت في الليلة الفاصلة بين 23 و24 ديسمبر 2006 في حمام الشط ، في صدام مسلح بين قوات الأمي ومجموعة ” جند أسد بن الفرات”، أما الوثائق التي استند إليها فهي وثيقة- نص لمختار  الطريفي حول “انتهاكات حقوق الانسان” في هذه القضية وموقف الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، ووثيقة صدور الحكم في قضية سليمان وتقرير موجز عن سير المحاكمة. ونص الحكم على اعدام اثنين من المتهمين وهما عماد بن عامر وصابر الرقوبي، وقضت بالمؤبد في حق (8) متهما.
اشتمل القسم الرابع محاكمات النقابيين ونشطاء الاحتجاجات الاجتماعية، جُمعت فيه الوثائق من عدد (53) الى عدد (66)، الخاصة باستنطاق بعض متهمي 26 جانفي ، ونص الحكم الصادر في النقابيين، وتراوحت الأحكام من عشرة أعوام أشغال شاقة لكل من الحبيب عاشور وعبد الرزاق غربال إلى ستة أشهر لقائمة من المتهمين منهم عبد السلام جراد واحمد الكحلاوي. وذكرت محاكمة مجموعة الشعب السرية التي تلت محاكمة مناضلي “الشعلة” و”لجان المبادرة”.  وبعد احداث الخبز التي شهدت ذروتها في 3 جانفي 1984 بتونس العاصمة، انتصبت المحاكمة للعديد ممن شاركوا في هذه الاحداث بالحرق والنهب. اخذت احداث الحوض المنجمي حيزا من الحضور في الوثائق المعروضة باعتبارها تمثل ارهاصات الثورة التونسية والمطالبة بالتشغيل والتنمية.
 ثالثا: التوثيق، المعرفة، الذاكرة
الكتابتوثيقي بامتياز، يحتوي وثائق رسمية وغير رسمية متنوعة، تجمع بين وثائق الاتهام ووثائق صدور الأحكام، وعرض أسماء المحاكمين، ووثائق بعض المرافعات، وبعض الرسائل، وشهادات من محاكمين، وبعض المقالات الصحفية، واذا اقتصر التحليل التأليفي على المقدمة دون بقية الأقسام، فهو يوفر منجما من المعطيات، يخرج المحاكمات السياسية من العتمة إلى النور، ومن الاخفاء إلى الابراز، وتجعل سياقات المحاكمات واضحة للعيان. تحتاج كل المجتمعات- دون استثناء- الى استحضار الذاكرة وترتيبها ومواءمتها مع الراهن او ترميمها في بعض الأحيان، خاصة خلال المنعطفات التاريخية، ففي تاريخها احداث وتفاصيل ونضالات لا تُنسى، ومن الضروري الاشتغال عليها حتى لا يلفها النسيان. من اهمها الفعل السياسي المعارض للاستبداد الذي طُمست ملامحه او غُيبت أو حُرفت، فالحركية السياسية التي شهدتها تونس منذ ستينات القرن الماضي تشكل مادة معرفية ثرية في الفكر السياسي العام وفي العقل التنظيمي. من الضروري تذكرها وازالة الغبار عنها وتصنيفها وتبويبها، حتى لا تختزل في ذاكرة “رسمية” ومسار تاريخي “معلن”، تحتاج ذاكرة العائلات السياسية الى روافد وسرديات لإثرائها من قبل من عايشوا الاحداث وساهموا عن قرب في صناعتها وتوجيهها والتأثير فيها بشكل من الأشكال. إن تاريخ المعارضات أو النضال السياسي جزء لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية التي تتعالى عن التوظيف و”الحسابات” وتبحث عن الاستفادة من كافة الخبرات والتجارب والانتصارات والهزائم والخيبات. كل الوقائع من تفاهمات واختلافات ومن خيارات وتناقضات ومن انشقاقات وصدامات، ذات دلالة ومغزى ومفيدة من اجل الفهم والتحليل  لبلورة ذاكرة متصالحة مع مكوناتها، وميسرة لبناء معرفة مشتركة. تتطلب الذاكرة الموضوعية رفض التورية والانتقاء لتبرز أدوار النضالات السياسية في المساحات غير المعلنة ومآلاتها، واظهار  تأثير رموز وقيادات ساهمت في تأثيث الذاكرة بأفكارها وتضحياتها في المعارضة وفي البناء الحزبي.
 خاتمة
 يعد استدعاء الوثائق وتحليلها، كما ذاكرة الافراد وثقافة التذكر ضمانة لعدم تآكل الاحداث وتلاشيها، واستثمارها في رسم مسارات المستقبل ونسج صلات مع ما يقع في الحاضر  لتلافي العوائق ودعم الايجابيات. تشمل كل التفاصيل والجزئيات من ذاكرة الاماكن وومراكز الايقاف والسجون والزنزانات والاسماء والاحداث والشعارات والاختلافات والصراعات… لأنها تمنح المجتمع والمهتمين رأسمال رمزي متنوع ومتعدد بخرائط النضالات والمناضلين. تساهم في صياغة ذاكرة “متوازنة”– خصوصا مع ندرة المكتوب- من اجل بناء ذاكرة جمعية(mémoire collective) تتجاوز ذاكرة المجموعة أو الحزب أو الحركة أو المرحلة، لتنتج سرديات ثرية ومتنوعة تضم المسكوت عنه والمخفي في نوع من التفاعل والمصارحة.
 
محرز الدريسي 
عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.
 

أكتب تعليق