الرّئيس الامريكي “دُونالد ترامْب” بين التّغريد والتجديد

 
مقدّمة
 لقد خيّب وفاء “ترامْب” لاسلوبه آمال المتفائلين من الملاحظين الذي كانوا قد اكدوا ان الرئيس الامريكي الجديد سيكون بالضرورة مختلفا عن المرشح الجمهوري القديم. فقد أثبتت الأسابيع الاولى لولايته الرئاسية  تصميممه على ان يحيك على مقاسه الجبة التي ارتداها رسميا يوم 20  جانفي. وهو يبدو في حياكته مقبلا على إحداث تغييرات جوهرية في طبيعة القوة الامبراطورية الامريكية وتحالفاتها. وقد بدا ذلك فعليا بفضل تغريداته على موقع” التويتر” خلال أسابيع  الفترة الانتقالية بعد انتخابه. ثم تاكد مع التعيينات التي أجراها في أعلى المناصب الديبلوماسية والعسكرية والادارية ،ناهيك عن أول قراراته التي بدا من خلالها مصمّما على استغلال كل الصلاحيّات التي يمنحها منصبه من اجل فرض تصوراته ،خاصة في كل ما يتعلق بمسائل الهجرة والتجارة والعلاقات الدولية.
من أوباما الى ترامب : إ حداثات الانتقال
لقد  كانت الفترة الانتقالية التي تلت انتخاب “ترامب” في نوفمبر من العام المنصرم حبلى بتقلبات وضعت حدا لتقاليد أمريكية عريقة خاصة على مستوى التعاطي الانتقالي مع السياسية الخارجية.
اذ جرت العادة ان يلتزم كل من الرئيس المنتهية ولايته والرئيس المنتخب بمبدإ التحفظ ،بحيث يمتنع الاول عن اتخاذ اية قرارات استراتيجية قد تتسبب في تكبيل سياسات خلَفِه ،ويلتزم الثاني بمؤازرة سلفِه ،او على الاقل بأكبر قدر ممكن من الحياد تجنبا لاي موقف من شانه تهديد وحدة القرار الامريكي. وقد امعن الرئيسان في خرق هذا التقليد . فأمّا “اوباما “، فقد بدا  في أسابيعه الاخيرة كمن اصابته حمى التجديد وهو الذي كان قد خيّب ظن الكثيرين بالتزامه  الشديد بتقاليد السياسية الخارجية الامريكية خلال سنواته رئاسته الثمانية. وعلى سبيل المثال  امتنعت الولايات المتحدة يوم 23 ديسمبر 2016 عن استخدام حق النّقض ضد قرار مجلس الامن 2334 الذي ندّد بسياسة الاستيطان الاسرائيلية. ليتلوَ ذلك خطاب وداع شديد اللهجة عبر فيه وزير الخارجية الاسبق “جون كيري” عن اسفه لتعنّت حكومة “ناتنياهو ” التي تدعي التزامها بحل الدّولتين ، في حين انها تمارس سياسات استيطانية لا يمكن في حال استمرارها ان تؤدي حسب تعبيره الاّ الى اجهاض مقومات هذا الحل على الارض. كما أكّد “كيري” ان وأْد مبدأ الدولتين يعني ان اسرائيل تسعى الى فرض حل  آخر يقوم على دولة واحدة. وان من تبعات هذا التوجه ضرورة اختيار تل ابيب بين يهوديتها وديمقراطيتها بحكم انها بصدد فرض نظام واحد على هويّتين. وهو كلا م شديد اللهجة بكل المقاييس الامريكية، أظهرت من خلاله الولايات  الامريكية كل الحزم الذي كانت  قد افتقدته منذ 2008.  وقد تزامن هذا الوضع المفاجئ في الموقف الامريكي من ناتياهو مع توضيح موقف إدارة “أوباما” من بوتين. فبعد الاعتماد على تقرير أجهزة المخابرات اتهم البيت البيض بشكل صريح موسكو بالاعتداء على الديمقراطية الامريكية من خلال قرصنة موقع الحزب الديمقراطي ابّان الحملة الانتخابية في سبيل دعم “ترامب” ،وربما ضربا لمبادئ الديمقراطية الامريكية نفسها وقد أعقب ذلك طرد 35 ديبلوماسيا روسيا في حركة ذكرّت الكثيرين بأجواء الحرب الباردة، ولا شك ان هذه القرارات المتاخرة قد عبرت عن حسرة “اوباما” الذي استوعب تحت تاثير  صدمة انتخاب “ترامب” حجم الفرصة التي أضاعها بسبب تذبذب مواقفه في القضايا الحاسمة دوليا. كما أشارت الى رغبة لديه في رسم معالم الملعب الجيوسياسي الذي كان خلَفه يستعد لاقتحام مُعتركِه اقتحام الفيل لبيوت الزجاج .
ولم يتردد الرئيس الجديد في الاقتداء بسلَفه في خرق مبدا التحفظ. فقد جاءت تغريداته اليومية على مواقع التواصل الاجتماعي مستفزة في تناقضها مع الموقف الرسمي للبيت الابيض. ومن ذلك تحيته كل من  “نتنياهو” و”بوتين” مع الاشادة بحكمة هذا الاخير  الذي رفض حسب تعبيره الانجرار الى الاستفزاز الذي فرضته ادارة اوباما حين امتنع عن الرد بالمثل بعد طرد ديبلوماسييه من واشنطن. ثم وعد صراحة بالتراجع السريع عن هذه القرارات مبشِّرا كل من تضرر منها بقرب وصوله الى المكتب البيضاوي. وهو ما يطرح تساؤلات كثيرة حول مستقبل السياسية الخارجية الامريكة شكلا ومضمونا.
اما من حيث الشكل ، فيعبّر اعتماد مواقع التواصل الاجتماعي ،وخاصة موقع “التويتر” للتعبير عن مواقف الرئيس الجديد من اكثر المسائل الاستراتيجية حساسية ، يعبر عن اصرار “ترامب” على قراءاته التبسيطية للعلاقات الدولية. فالمجال الذي يوفره  هذا الموقع للبيان من خلال 146 علامة يعني بالضرورة انتفاء نواميس الديبلوماسية من الخطاب. اي ان التجديد من خلال اقحام التغريد في الديبلوماسية يشكل خطرا جسيما على مبادئ الديبلوماسية نفسها. أمّا على مستوى المضمون ، فيبدو “ترامب” مقبلا على العصف بكل أسس الكبرى التي قامت عليها الاستراتيجية الامريكية خصوصا والغربية عموما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فاعتباره  حلف شمال الأطلسي منظمة قد عفا عليها الزمن ،وان الحماية الامريكية للحليف الاوربي ستصبح مشروطة بالمصالح الاقتصادية الامريكية ، وان الدعم العسكري لحليف تقليدي كاليابان  وكوريا الجنوبية سيكون منذ الان رهينا باستعدادهما لتحمل الاعباء المالية لهذا الدعم ،كلها مواقف تشير إلى التخليّ عن المبادئ الاستراتيجية الكبرى لصالح حسابات مالية واقتصادية ضيقة وقصيرة المدى. كما ان تجنّبه لذكر الديمقراطية والليبرالية كقيمتيْن  معيارتيْن  محددتين لطبيعة العلاقات الدولية الامريكية يعني عمليا التخلّي عن العقيدة المؤسسة للسياسات الخارجية ،والتنازل عن القوة الناعمة التي تمنحها. ويذهب المحللون الأكثر تشاؤما الى حد الحديث عن نهاية الغرب على أساس ان “ترامب” مصمم على اتّباع براغماتية فجَّة في بناء علاقاته ، بحيث لا يكون لديه اي فرق مبدئي بين الحلفاء الكلاسيكيين والأعداء التقليديين .
– العالم من منظار ترامب :
ان من الصعوبة بمكان سبر أغوار قناعات “ترامب” خاصة في المسائل الاستراتيجية،  فدون ذلك حواجز جمّة من أبرزها تناقض موقفه واستحالة التمييز بين الجد والاستفزاز لديه. وهما عنصران متداخلان في خطابه متلازمان في كلامه. ويعبر ذلك على الارجح عن عدم اكتراثه بالمحاذير الاستراتيجية التقليدية ، اما لعدم اسيتعابه لها او لقناعة لديه لان الاكتراث بها لا علاقة له   بالتّعبير عن مكنون القوة الامريكية بكل ممكناتها،  اي ان واشنطن تملك ما يكفي من القوة الذاتية بحيث يمكنها في كل الأحوال تقديم مصلحتها من دون الاكتراث باي اعتبارات هامشية. ويتميز مفهوم “ترامب” للاعتبارات الهامشية بقدرة فائقة على التمدد تحت شعار “امريكا اوّلا” ،خاصة كونه لا يرى ندا لواشنطن الا في بيكين وموسكو. وهما المحوران الرئيسان اللذان تدور حولهما رحى مواقفه المتقلبة . بمعنى ان باقي  مجالات الفعل الامبراطوري الامريكي على الخريطة الجيوسياسية قد فقدت مع ترامب قيمتها الغائية ،فتحولت الى عناصر ضغط او قيم مقايضة في إطار اعادة التوازن  لمثلث الكبار. وفي هذا السياق ، يبدو ان “ترامب” قد قرّر ان القوة التجارية الصينية تمثل الخطر الاول على المصالح الامريكية حسب تصوره لها. ومن ثمة وجوه تعبئة كل الموارد المتاحة  لحصارها،حتى وان ادّى ذلك لاطلاق يد روسيا في المجالات التي يطمح “بوتين” لتكريس تاثير موسكو فيها،كاوربا الشرقية والشّرق الاوسط.
وتشكل التعيينات التي اجراها ترامب في المواقع  الاكثر تاثيرا في ادارته أبرز الملفات المتاحة حاليا  لفهم توجهاته الكبرى في ما يتعلق بهذه القضايا. وقد حملت هذه التعيينات في طياتها المفاجآت المعتادة التي لا يعرف سرها سوى صاحب البيت الابيض .وعلى سبيل المثال جاءت تعيين “رِكسْ تِرلْسُون ” على راس الديبلوماسية ، و”دْجايْمز مَاتِيس”  في وزارة الدفاع و” مايْكل فْلين”  مستشارا للأمن القومي ، مناقضا للتوقعات التي تنبّات بان “ترامب” سيسعى الى استخدام هذه التعيينات لكبح جماح المخاوف التي عقبت انتخابه. وهو ما يحصل. ف”تيلَرسُنْ” ، القادم من مجال الاعمال شبيه ب”ترامب” من حيث انعدام خبرته الديبلوماسية وفي ذلك انقلاب على مبدأ التكامل الذي طالما حكم علاقة الرئاسة بمنصب وزارة الخارجية.  والنتيجة غياب الديبلوماسيين المحنّكين من واجهة السياسة الخارجية ، وهيمنة رجال الأعمال عليها. وهو ما يشير الى ان “ترامب” يتوقع ادارة السياسة الخارجية على طريقة إدارة الاعمال. ولكنه قد يكتشف صعوبات لم يكن قد تعود عليها بحكم اختلاف السياسيين كبوتين و” جيشِنْ بينْ” رئيس الصين عن رجال الاعمال الذين تعوّد التعامل معهم. اما “دجايمس ما تيس”  و “مايكل فلين” فانهما يمثلان التيار القومي الانعزالي الذي دافع عنه “ترامب” خلال حملته الانتخابية . وهو ما يؤكد استمراره في الاعتماد على البْلُوتقراطية الشعبوية ، اي المال الفاسد، التي أوصلته للسلطة . وبذلك فانه يخيب ظن من توقع مزيدا من الواقعية بعد انتهاء الحملة الانتخابية. فكانت النتيجة ان جاء فريق العمل على شاكلة رئيسه ،اي انه نموذج لهيمنة المال والاعمال على السياسية، ومعاداة التجارة الحرة،والاعجاب ب”بوتين” وطرقه السلطوية ولقلة الاكتراث بالمبادئ المعيارية المعلنة أمريكيا .ويخوض ترامب اول خطواته كامبراطور للعالم،  وخلاصتها مخالفة موقفه اليا لما يفترضه  موقعه عقليا فيصبح المستحيل ممكنا ، ثم مقبولا. ومن شان ذلك إحراج كل الاطراف ،و جعلهم غير قادرين على تحديد انتظاراتهم وضبط اولوياتهم . واتصاله الهاتفي المباشر برئيسة تايوان ، ثم اشادته بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي ، بل وتلميحه الى ضرورة تفكيك هذا الاتحاد، غيْض من فيْض أمثلته على ذلك . فمخالفته لمبدا الصين الواحدة  الذي احترمته الديبلوماسية الامريكية لا يقارب اربعة عقود من الزمان استفزاز مفاجئ للصين ،رد عليه وزير خارجيتها قائلا: ستكون الصين الصخرة التي تكسر ساق “ترامب” ان اصرّ على رفعها ” . فرد الرئيس مصرحا : انه لا يرى سببا لالتزامه لمبدا الصين الواحدة  ان لم تقبل بيكين باتفاق تجاري يخدم المصالح الاقتصادية الامريكية,.ويشار الى ن  ترامب   كان قد وعد بفرض حواجز  جمركية تصل الى 45 بالمائة على السلع الصينية . ولكنه يعلم صعوبة مثل هذا القرار الذي سيعرضه لضغط داخلي كبير بحكم ارتفاع الاسعار الي سيتسبب فيه. ويامل بان ياتي التعويض من خلال ملايين مواطن الشغل التي يعتقد ان سياساته الحمائية ستؤدي اليها. ولكنه يعلم في الوقت نفسه ان الصين لن تبقى مكتوفة الايدي ، خاصة انها تملك الاف المليارت من الديون الامريكية، كما انها صاحبة السيولة التي سيحتاجها من اجل الاقتراض لتمويل المشاريع الكبرى التي وعد بها ناخبيه . وبالتالي ، فان تحقيق التوازن بين هذه الابعاد المتضاربة يستوجب تجنب اي حرب تجارية مع بيكين. ووسيلته الى ذلك ال ضغط عليها استراتيجيا مثلا من خلال التلويح بالتخلي عن مبدإ الصين الواحدة، من اجل حملها على تقديم تنازلات تجارية معتبرة .
اما فيما يخص الاتحاد الأوربي فان “ترامب” يفضل التعامل  مع كل بلد على حدة. ومن ذلك تاكيد على اهمية آفاق التعاون التي سيفتحها انسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوربي حين استقباله ل”تِيريزَا مَايْ” بعد اسبوع واحد من دخوله البيت الابيض. وقد رأت النخب الاوربية في مثل هذا الموقف تشجيعا ضمنيا لبلدان الاتحاد الراغبة في فك الارتباط ببروكسيل. ولكن ابرز ما في الموضوع إصرار ترامب على عدم منح اي امتياز للحلفاء الاوربيين. ومثال ذلك انه يبدو عازما على تقليص الحضور الالماني في السوق الامريكية بما انه يعد بفرض معاليم جمركية تصل الى 35 بالمائة على بضائعها. اي انه في تجاهله الكامل للعلاقات التاريخية التي تجمع واشنن  وبرلين يقف من المانيا نفس الموقف الذي يقفه من الصين باعتبارهما من اكبر المنافسين التجاريين للولايات المتحدة.
خاتمة
ان من  المبكّر استخلاص نتائج واضحة لسياسات “ترامب” ومواقفه. ولكن النخب الفكرية في اوربا بدأت تتحدث عن نهاية الغرب الذي قد يتحول ذكرى بعيدة ان لم يتوقف الرئيس الامريكي الجديد عن تهديد مقومات نشاته منذ 1945. ومن ابرزها التمييز المبدئي الواضح بين عناصر المعسكر الغربي من جهة ، وباقي العالم وخاصة من المنافسين الاستراتيجيين من جهة اخرى. وقد نتج عن هذا التمييز ديبلوماسية متعددة المعايير لا يتساوى فيها الصيني مع الالماني مبدئيا . اما وقد بدت جديّة “ترامب” في الالتزام بمبدا الولايات المتحدة اولا ، فانه قد ينتهي الى توحيد المعايير بحيث ينتفي الفرق ، وتصبح موسكو في نظره كباريس ، لا يفرق  بينهما الا المصلحية الفجّة التي لم يتردد يوما في اعلان تبنّيها.
الدكتور ايمن البوغانمي
عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.

أكتب تعليق