الدّور الرّوسي  في المنطقة العربيّة:  الذَّرائع والوَقائع


ملخّص

لكل ساعة ملائكتها ولكل زمن خصومه الجدد، ولكن تبقى روسيا جزءا من الغرب والحرب. وتنوس العلاقة بينها وبين الجوار الاوربي والامريكي والاسيوي، تدور مع المصالح مستدعية امجاد الماضي في عالم يعود فيه الاستعمار الكلاسيكي وتعيد فيه روسيا تشكيل الجيش الروسي بحلول سنة 2020 مع التّركيز على القدرات النووية والاستراتيجية، قرر فيه بوتين ان يتواجد في الاماكن السّاخنة من النزاع ،،معلنا عدم سماحه بالتفوق العسكري على بلاده من اي كان، دون الانجرار الى سباق التسلح. حتى كانت الفرصة لتطأ القوات الروسية-اول مرة- المنطقة العربية في سوريا وليبيا والعراق لاظهار القدرة على تغيير الميزان السياسي بالوجود العسكري في تمايز مع الولايات المتحدة الامريكية واتفاق حسب ما يمليه الظرف والخصم ، أحيانا باستراتيجية الدبّ ، ثقيل الحركة ولكن بوثوق، وبحركة الخيزُران، حينا، يميل ولا ينكسر…


مقدّمة

في 30 من سبتمبر 2016 ، بدا التغيّر العملي في استراتيجية روسيا متجليا في غارات  جوية على اهداف سورية، ردّدت موسكو اثرها انه قد حان دورها لاحتواء الجماعات الاسلامية المتطرفة في الشرق الاوسط عموما وسوريا وليبيا تحديدا. هو اول انتشار للجنود الروس في منطقة الشّرق الاوسط ، ليبدو التدخّل العسكري الروسي مؤكدا ان التوازن العسكري هو بداية التوازن السياسي. و رغم تحقيق ميداني لقناة “روسيا اليوم” عارض فيه 70% الشعب الروسي التدخل  في سوريا، ظل الرئيس بوتين مصرا على موقفه من إلقاء منجله بين الحصادين  في المنطقة. ليبقى فهم طبيعة الدور الروسي ملغِزا، يطفو منه جزء الجليد العائم على سطح الفهم، ولكن يظلّ الجزء الاكبر عميق الغور. بينما تبدو الرّغبة في ترك المنطقة ساحة صراع مفتوحة لتوريط قوى اقليمية اخرى في المحرقة السورية واستنزاف ما بقي مقدرات المنقطة والشّعوب تآكلت فيه الدول من الاهمال .

البُوتينية تَسطُر خط الامبراطورية

تاريخيا، مرت روسيا بثلاثة مراحل: روسيا القيصرية حتى سنة 1917 عشْوة اندلاع الثورة البلشفية ، بدات بعدها مرحلة روسيا البلشفية حتى سنة 1991 يوم آذن المعسكر الاشتراكي بالرحيل، ثم بدات مرحلة روسيا الاتحادية الحالية التي كان فيها العالم العربي خارجا عن مدار اهتمامها، عدا الجزائر وسوريا وليبيا ومصر في ما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية والتسليح. في طبيعة تدخلاتها العسكرية، دأبت روسيا التدخل منعا لوصول الامور عكس ما تريد وتوجيه الاستراتيجيات وفق اهدافها. إذ خاضت سنة 1853 حربا كبرى، واختصت بالتدخل في اللحظات الاخيرة كما وقع سنة 1999 في أزمة “كوسوفو” في البلقان، وبعدها في ليبيا عندما حاولت الدفاع عن القذافي سنة 2011 . في مؤتمر “فالدَايْ” جوان 2012 راقبت الثورات العربية ونأت بنفسها عما يجري. عقد المؤتمر نفسه دورته الثانية في الربّاط بالمغرب بعد الثورة السورية،ولم تكن تستعمل مصطلح “الاسلام السياسي” بل “القيادات الاسلامية المنبثقة من الشعوب”. ما جرى في ليبيا مثّل عقدة الروس، فبعد رحيل معمر القذافي سنة 2011، صادق مجلس الامن على تدخل الناتو عسكريا وافقت عليه روسيا باشتراطات ثم تغيرت الامور لتسيطر فرنسا وبريطانيا على المشهد الليبي وغُيبت روسيا، وشعرت حينئذ بانها فقدت اكبر حلفائها. ومن هنا بدا الموقف في سوريا انعكاس لمكانة خسرتها في ليبيا، وهو ما لا تنفيه في سوريا ايضا التي ترى انها جاءت للدفاع فيها عن بشار ومنع انهيار الدولة. ولكن تبقى حماية مصالحها بحماية منفذها الوحيد على المياه الدافئة بـ”قاعدة طرسوس” امرا مقضيا. وعززت بثانية، إذ وقّعت مع سوريا اتفاقية جديدة في 18 من شهر ديسمبر تُبقى فيها قاعدتها في مدينة طرطوس السورية -دون اجر- لمدة 49 عاماً قابلة للتمديد عاماً مع إمكانية التمديد تلقائيا لمدة 25 عاماً. وقد اظهرت روسيا نيّة في تحديث القاعدة لاستقبال الغواصات و11 سفينة حربية في وقت واحد .مُنحت بمقتضاها روسيا حصانة كاملة من القوانين السورية. ليصوّت البرلمان الروسي في اكتوبر الماضي بالاجماع على امضاء اتفاق يمنح روسيا حق الوجود العسكري الدائم في سوريا. وبالاضافة الى امتلاكها قاعدة جوية في “حميميم” بمحافظة اللاذقية، وهي التي انطلقت منها مقاتلاتها لقصف قوات المعارضة السورية في دعم مطلق لنظام بشار الفاقد للشرعية الذي لا يسيطر الى على سُدس الارض السوريّة ومن هنا تاتي عدم اهليته في طلب تدخل قوى اجنبية على اراضيه، ليُرفع الفيتُو الروسي 4 مرات ضد ادخال المساعدات الانسانية الى سوريا،وبقيت روسيا البلد الوحيد الذي لم يستقبل اي لاجئ سوري واحد رغم بلوغ عدد اللاجئين السوريين 6 ملايين لاجئ في العالم.

في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، الذي وصفته الصحافة الغربية بالرّجل الي اعاد اشعال فتيل الحرب الباردة ، صارت السياسة الخارجية الروسية تقوم على القوة واستعادة المجال الحيوي المفقود بعد سقوط الاتحاد السوفياتي سنة 1989.  دفعت ازمة 2008  روسيا الى دور عالمي جديد من خلال حفاظها على حق الفيتو . لا تريد روسيا البوتينية ان تظهر بمظهر القوة فقط، بل ترنو الى الظهور باهاب القوة الدولية. والراسمالية المتشكلة التي نضجت في عهد بوتين ميالة الى البحث عن اسواق وتنشر قواتها كقوة امبريالية و لا بد ان تسيطر على مواقع استراتيجية. و اشتداد ساعد روسيا جعل بوتين يخاطب ساركوزي سنة 2007 خلال زيارته لروسيا محتجا على تصرف روسيا في الشيشان و اغتيال الصحفية “آنا بوليتكوفسكاي” قائلا: ” انت صرت للتوّ رئيس فرنسا . ماذا تمثل فرنسا بالنسبة الى روسيا العظيمة ؟ عليك ان تختار بين ان اجعلك ملكا على اوربا وان اسحقك سحقا ان واصلتَ على هذا المنوال “. فعلى الارض، لازالت موسكو تردد ان تدخلها في سوريا محاولة تجنب الفوضى في المنطقة وما تبعها من مذابح و مآسي وقعت بعد سقوط النظامين العراقي سنة 2003 والليبي سنة 2011. وترى ان “داعش” هي عقدة المنطقة. و تصر انها تضرب “جبهة الفتح” التي يتكون محورها من “جبهة النصرة” التي تسيطر على “ادلب” ومشارف اللاذقية، وهي العمود الفقري لشبكة الارهاب وفرع من القاعدة في سوريا. و من هنا، ترى نفسها منسجمة مع القانون الدولي في مواجهة منظمات سميت بالارهابية. بعد استكشاف ان كل الميليشيات على الارض لم تستطع ان تحافظ على نظام الاسد المتهاوي الذي بدا راسا دون جسد . وتروج موسكو ان الجيش الحر المناهض لبشار قد تحلّل بعد ان اعترتْه أغيار و ذاب وسط منظمات ارهابية، ولم يعد له ذلك الوزن القديم الذي كان عند بداية تكونه. وتؤكد موسكو ان وظيفة القاعدة العسكرية هو توفير الاستقرار في المنطقة والحفاظ على السلام وحماية الاقليات كي لا تنهار الدولة بل تعتقد ان تدخلها الذي جاء بطلب من النظام ، هو في اوانه الدقيق واستدعته الضرورة كي لا يستفحل الارهاب في سوريا ووجب ضربه في مهده قبل ان يشتد ساعده ويصير عصيا على الاستئصال، خاصة بعد ثبوت وجود جنسيات روسية ضمن المقاتلين ضد بشّار. في حين تواجه تهمة عدم التفرقة بين معارضة معتدلة وارهابيين في قصفها ، وبدا ما تقوم به محاولة للخروج من العقوبات الغربية وكسر الحصار الغربي عليها. فالمقامرة بالملف السوري والمتاجرة بفكرة مساعدة سوريا للخروج من مازقها فكرة لا تستند على منطق ووقائع بل مطيّة الحصول على مكاسب في ملفات اخرى، قُدمت فيه سوريا قربانا وورقة لتحسين شروط تفاوضها في الملف الاوكراني، الذي ضمت فيه روسيا في 18 مارس 2014، جمهورية القرم ذاتية الحكم ، بعد أن كانت تابعة لأوكرانيا، اثر استفتاء من جانب واحد جرى في شبه الجزيرة؛ الأمر الذي رُفض أوكرانيّا و غربيا. انبرى بعده الاتحاد الاوربي وامريكا بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا، اثر ضمها للقرم ودعمها للانفصاليين شرقي أوكرانيا. المقامرة بالملف السوري وعنصر المجازفة فيه بقصفها الوحشي يؤجج الحرب الاهلية يقوّي طائفة ويستضعف اخرى على حساب البقية، وهو ما يؤكده معارضون ومواطنون سوريون على الارض، إذ ان طلعاتها الجوية لا تستهدف الا منقطة الساحل السوري لحماية الطائفة العلوية ونظام بشار المدعوم من اسرائيل، تزامنت فيه ضربات روسيا مواقع للجيش الحر و المعارضة مع ضرب داعش. فقداعتبر مركز بيجين – السادات للدراسات الاستراتيجية بتاريخ 25 مايو 2016 أن وجود بشار الأسد في السلطة مصلحة حيوية لإسرائيل التي هنات بالامن في الجولان طيلة حكم آل الأسد الذين تجنبوا الدخول في حرب مع إسرائيل منذ حرب أكتوبر 1973. وبدليل تلقي ” نتانياهو” وعدا من “بوتين” بعدم نية روسيا فتح جبهة ثانية في الجولان مهدئا من هواجس اسرائيل الامنية. انتهت فيه روسيا بضرب اكثر من عصفور معززة قبضتها في منطقة بلاد الشام وانتقلت بذلك من راع المفاوضات الى مفاوض بوجودهم ميدانيا تنتقل روسيا اثره الى مبادرة سياسية هادفة تتحدث فيها عن توحيد اطراف المعارضة في مؤتمر ينهي الصراع.

روسيا وامريكا : توزيع الادوار في علاقة معقّدة

تعتبر الاوضاع الدولية فرصة لاعادة روسيا الى الواجهة بعد ان اختفت فترة طويلة عن الساحة السياسية، ساعية الى الحفاظ على مصالحها الجيوستراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة في العشر الأعوام الاخيرة التي سيطرت فيها امريكا على الشرق الاوسط منفردة، وصار فيه العالم دون نظام مستقر. تبدو العلاقة بينهما في غاية التعقيد ، ولكن تقاطع المصالح بينهما جمعهما في السابق بايقاف العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956. وبحسب قول تشرشل: ” لا يوجد عدو دائم ولا يوجد صديق دائم ولكن الدائم هي المصالح”. في ليبيا ، تقف امريكا حائلا امام الانفراد الروسي بالبلد هنالك وتتواجد داعمة لحلف الناتو . وفي سوريا ، رددت امريكا بان بشار غير شرعي وعليه ان يرحل دون ان تقدم في مقابل ذلك ما يدعم تلك الرؤية، ثم تغيرت التصريحات عن ضرورة بقاء بشار لفترة ، لتَبدوَ ساحة التّناغم بين موسكو وامريكا اكبر مما يطفو في التصريحات ويصل البرود الامريكي تجاه السلوك الروسي اقرب الى التواطؤ مع الطلعات الجوية الروسية مما يوحي بالتساؤل ان كان ما يجري هو محاولة من أمريكا توريط موسكو او سيناريو متفق عليه بعقل امريكي وعضلات روسية؟

رغم توزيع الادوار ،فان حالة الاستقطاب بينهما لم تعد خافية على احد، ونوايا “بوتين” القيصر الصغير في استعادة امجاد روسيا القيصرية واضحة بادية وهو الذي قال يوما بعد حادثة اختطاف رهائن من قبل مقاتلين شيشان : “لا احد يستطيع ان يجعل روسيا تجثو على قدميها “. ورغم حالة الاستقطاب، فان ما يجري بين البلدين يبين تقاطع مصالحهما في قضايا استراتيجية تظل بمناى عن التحول في ثابت الجيواسترتيجيا. تواترت انتقادات كثيرة لادارة “اوباما” للملف السوري، وتركها الفراغ الذي جاء الروس لملئه لاستعادة الهيبة الروسية على حساب الشعب. فقد ظل الموقف الامريكي متناقضا منذ بداية الثورة السورية وظل “جون كيري”وزير الخارجية يتحدث عن فرض منطقة حظر جوي ويخرج بعدها الناطق المسي باسم البيت الابيض بان الامر ليس مطروحا على الطاولة. والضوء الاخضر الامريكي ليس تحكما في روسيا بل وضع قواعد اللعبة منذ اليوم الاول وترك الحيز للتقدم فقط. واقعيا، لامريكا دور حقيقي وفعال في سوريا، ومنذ اليوم الاول صرح الامريكان بانهم لن يسمحوا باسقاط النظام عسكريا. فهي التي منعت وصول الصواريخ الى المعارضة السورية و اقامة المنطقة الآمنة وجمدت الجبهة الجنوبية، وخيرت المقاتلين بين محاربة “داعش” او جعل النظام يستعيد المناطق التي خسرها. وفي الوقت نفسه، ينتقدون سيطرة الروس عن منطقة “تل الحَرّة” في الجنوب السوري. بينما ظلت الضمانات الامريكية بعدم التدخل في المواقع التي تتدخل فيها روسيا واضحة، مساهمة في المحافظة على توازن القوة في حتى تمنع الشعب السوري من حسم المعركة. ولو لم تمنع امريكا وصول مضادات جوية للشعب السوري ما غادر سوري واحد بلده. ذريعة محاربة الارهاب ساقطة ،إذ قبل ” جبهة النصرة “و”داعش” منعت امريكا وصول السلاح الى المقاتلين. بل ذكرت صحيفة “واشنطن بوست” رفض اوباما اقتراحا من جنرال امريكي باستعمال نظام الكتروني للتشويش يمنع كل الطلعات الجوية لبشار في قصف المدنيين “. روسيا تتقدم بالسلاح، وامريكا تمنع الاقتراب من دمشق و فتح معركة الساحل وحصول المقاتلين على السلاح المضاد للطائرات من اية دولة،وحين صرح “رجب اردوغان” بانه لن يسمح ب”حماه” ثانية، وهي المجزرة التي ارتكبها حافظ الاسد سنة 1982 ضد المعارضة ، ردت عليه امريكا باستعدادها للتدخل العسكري في حال التدخّل التركي. لفهم مايجري، يمكن اعتبار أن تيّارين تنازعا الرؤية الامريكية في الملف السوري : الأول، يرى ضرورة تنسيق الولايات المتحدة مع حلفائها العرب والغرب في الموضوع السوري وان تكون لها اليد الطولى، و الثاني يقضي بالانتظار حتى تكتمل الصورة في المنطقة لما سيسفر عنها التدخل الروسي. بينما ظل همّ “بوتين” قبل ظهور نتائج الانتخابات الامريكية خلق وقائع على الارض السورية تجعل من الصعب على ادارة “ترامب” تجاهل ان المنطقة صارت جزءا من المجال الروسي المتحفز، وجبرها على الاقتناع ان شرط التقارب الروسي الامريكي هو تسليم اوكرانيا لروسيا وتجاهل ملف جزيرة القرم اصلا. وما عجز عنه التحاف الامريكي في سوريا قامت به روسيا. فعندما ارادت امريكا سحب السلاح الكيمياوي من يد بشار الاسد حفاظا على امن اسرئيل، تقدّم الاسطول الامريكي في الشواطئ السورية وانسحب الاسطول الروسي بالكامل وترك سفينة واحدة للمراقبة.يقابله تنسيق طلعات جوية روسي اسرائيلي بشكل علني بضوء اخضر أمريكي لثلاثة اسباب : أولهما، منع سقوط بشار ودعمه على الاقل في المناطق التي لازال يسيطر عليها في الاراضي السورية، فقد ذكرت صحيفة “الاندبنت” ان من اصل 57 غارة شنتها روسيا غارتان فقط استهدفتا معاقل داعش حتى تتواصل المحرقة للشعب السوري الذي قضى منه 500 مليون شخص.وثانيهما، ابقاء مسار تقسيم سوريا هو المسار الوحيد الذي تفرضه امريكا، وهو المسار المرشح دوليا للانجاز بتواصل تقارب القوى العسكرية على الارض وثالثهما، استهداف الحل التركي و جرّ تركيا الى المنطقة السورية وإدخالها عنوة الى الحرب في سياسية الدفع الى حافة الهاوية التي سلكها الغرب. لم تعرف أمريكا وروسيا تناغما كاملا في المسالة السورية بقدر ما عرفه البلدان في تامين اسرائيل قبيل مفاوضات جينيف 7 الحالية ، إذ التقى ترامب وبوتين ، على هامش قمة العشرين التي عقدت في ألمانيا ليعقدا اتفاق هدنة ثلاثية في الجنوب السوري- دون حضور السوريين- جوهره استجابة لطلب رئيس وزراء اسرائيل “نتانياهو” وتحقيق لأمن اسرائيل الاستباقي التي ارادت من خلاله تامين المنطقة المحاذية للجولان وليس لحدودها. وهذا ما يفسر فرض الهدنة في الدنوب الغربي لسوريا وتجاهلها في الشمال . ليقرّ ترامب بصوابية راي بوتين في سوريا التي تعيش تجربة في الجنوب باشراف روسي ومباركة امريكية، وفي الشمال باشراف امريكي ومباركة روسيّة.

روسيا : موقف في الخليج وموقع في ليبيا

تاريخيا، كانت السعودية سيئة الرأي في روسيا ،إذ صرح الوزير الراحل سعود الفيصل بان ” روسيا جزء من المشكل وليس من الحل” وهو ما تتجلى حقيقته في المشكلة السورية شنّعت فيها وسائل اعلام سعودية كصحيفة “الشرق الاوسط” في عددها يوم 26 جوان 2016 ، باقامة الجيش الروسي قاعدة عسكرية شرق دمشق، في ثالث وجود ثابت له بعد مطار “حمِيميم” في اللاذقية، وميناء طرطوس في الساحل السوري؛ وذلك تزامناً مع سيطرة «الحرس الثوري» الإيراني على مطار شرق دمشق للمشاركة في «معركة البادية» في مثلث الحدود السورية – العراقية – الأردنية لتنتقل من دور المتدخل الى دور المحتل. ورغم أن روسيا لاعب رئيس في ملفات المنطقة جعلتها في بؤرة الصراع ، فإن العلاقات السعودية الروسية علاقة مواقف وليست علاقة استراتيجيا رغم وعود اخيرة لاستثمارات ضخمة طرحتها السعودية معها. فحين اتخذت روسيا والصين الفيتو في المسالة السورية تقطعت اسباب العلاقة بين البلدين. لا تصرح روسيا الى جانب من تقف في الأزمة الخليجية وتعتبر مجرد طرح هذا السؤال عليها فيه استفزاز ولكن ما ثبت ان الامبراطوريات لا تنسى احقادها وضغائن التاريخ. وخفض أمريكا بالتنسيق مع السعودية، لاسعار النفط الى ما دون 50 دولار بعد ان تجاوز حاجز 140 دولار في سنوات سابقة ، راى فيه بوتين مكرا تضررت منه ايران وروسيا بالدرجة الاولى،و لا يمكن لبوتين ان ينساه. بينما تبقى دولة الامارات اكثر البلدان التي تنتفع منها روسيا اقتصاديا في المبادلات التجارية، مع مشاريع قليلة مع قطر التي اشترت اسهما من واحدة من اكبر شركات النفط الروسية “روس نفط” . في المغرب العربي، لم يفاجئ امريكا الوجود الروسي في ليبيا ، اذ لازالت ترى انها خُدعت خلال عملية الاطاحة بالقذافي الذي كانت في عهده تملك مواطئ اقدام في ليبيا يغازلها فيه ساحله الشرقي المطلّ على المتوسط ، ولم يفكر الغرب في تعويضها عن خسارة نفوذها هنالك ، و هي حاليا تترصد فوضى الداخل ، و تعتمد سياسة فرض بعض القرار دون ان تبدو الطرف الرئيس في المشكلة، وهو ما يعني اعادة تجربتها في سوريا وضبط ايقاع الحرب في ليبيا ايضا ليصنع المشهد القادم بعينها رغم تدخلها المتاخر فيه، يعززه غضبها على موقف الرئيس الفرنسي “ماكرون” في رفض بلاده ضم روسيا جزيرة القرم باوكرانيا. زيارات الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر” لروسيا معلنة قابل فيها كبار المسؤولين، كما التقى جنرالات كبار في الجيش الروسي. امتدت علاقات روسيا بمصر منذ سنة 1952 الى سنة 1972 ، ولاول مرة تعود الى تجربة التدريبات المشتركة، انتهت باستعمال قواعد جوية مصرية حسمت معركة حفتر ضد “سرايا الدفاع عن بنغازي” في 3 مارس 2017 و مهدت لقوّات روسية بعد هزيمة حفتر في منطقة الهلال النفطي قادمة من منطقة “سيدي براني” على بعد 100 كم على الحدود المصرية الليبية بوحدة عمليات روسية قوامها 22 ضابطا ،اشارت فيها وسائل اعلام روسية عن تكفل روسيا بمعالجة لـ70 من ظباط حفتر بعد معارك دامية ، حطت اثرها في قاعدة جوية مصرية وقلبت المعركة لصالحها ولاحق بعدها خصومه بطائرات دون طيار، ونبش معاونه قبور خصومه. و ترى فيه قائدا مُعينا من البرلمان الشرعي بطبرق ووتدعم اتفاق الصخيرات ولكنها ترى ان حكومة السراج محكومة بقوى اسلامية راديكالية تسيطر عليها وتعتبرها عاجزة عن ادارة الامور .

خاتمة

سُئلت رئيسة وزراء بريطانيا سنة 1990 عن امكانية عودة روسيا الى مكانتها فردّت:” نعم ستعود ولكن بعد 15 عشر عاما” وهو ما حصل مع الرئيس بوتين الذي اعاد البعد القومي لروسيا بعد هيكلة الدولة من جديد، انتهت بهيبة عسكرية جديدة تجلت في قدرتها على صياغة منظومتها الدفاعية الجوية “إس 400 التي ترغب تركيا في شرائها . قد تكون موسكو قد وقعت في مستنقع كما حصل في افغانستان في 25 ديسمبر 1979 حين دخلت لحماية نظام صديق. واعلان بوتين للعقيدة العسكرية الجديدة ، صرح فيها ان الحلف الاطلسي خطر على الامن القومي الروسي، معلنا عن تحديث شامل سيشمل الجيش الروسي بحلول سنة 2020 ، وتقوية حلفاء بلاده مثل ايران وسوريا، مما سيعقد مهمة الثورة في الاطاحة بحافظ الاسد وحفتر في ليبيا، ويقوّي من شوكة الثورة المضادة للربيع العربي. ليبقى الهدف الرئيسي من التدخل الروسي المختزل للازمة السورية في الارهاب، في عمقه، هو تحطيم مصداقية السياسات الغربية تجاه مساعدة شعوب البلدان العربية الموبوءة بالاستبداد في طريقها الى التغيير. سيُترك بشار وغيره وتحترق اوراقه، ولكن بعد ان ينتهي دوره عندما تتحقق المصالح لامبراطوريات تعتقد انها تملك حدود جغرافيا وحدود امن ايضا. اما دوليا فان ما تخشاه روسيا ، هو ما صرح به هنري كيسنجر،اشهر وزير خارجية امريكي في كتابه الجديد” World Order النظام العالمي ” بان النظام العالمي الجديد سيكون شراكة بين روسيا والصين. والكل يستبق تشكّل ملامحه، ماعدا العرب.

سليم الحكيمي

عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

أكتب تعليق