الحرب  على الإرهاب بين الغاية والوسيلة

مقدمة :
لقد عاشت تونس خلال الأسابيع الماضية نقاشا حادا حول عودة الارهابيين التونسيين من بؤر التوتر من عدمها. وقد ملأ هذا السؤال الفضاء العام ، على حساب كبريات القضايا التي لفّها ظل شعار ” لا عودة للارهابيين “، وما أثاره من ردود فعل سياسية وقانونية. ولئن كانت مسالة الارهاب جوهرية في طبيعتها، فان ما عاشته تونس من زوبعة في فنجان لا ارتباط له شكلا ولا مضمونا بإشكالية الارهاب أو بمسالة الصّراع المشروع معه. إن ما عشناه خلال الاسابيع الاخيرة ليس الاّ مظهرا آخر من مظاهر الانتهازية الفجّة التي احترفتها قطاعات واسعة من الطبقة السياسيّة التونسية. وهي ظاهرة قد آن أوان تفكيك اليّاتها وبيان مخلّفاتها على الرّهان موضوع النقاش خصوصا وعلى  المناخ السياسي في تونس عموما.
طبقة سياسيّة ما دون ميكيافيلية:
تنبع السمعة السيئة للمكيافيلية من تمثل اخلاقي يرفض النّجاعة كقيمة مطلقة، او حتى معيارا نهائيا للحكم على الفعل السياسي. ايْ ان هذا الفعل يكون مكيافيليا حين يسعى الى إدراك نتائج مفترضة. بغض النظر عن الضوابط القيمية أو الاخلاقية التي ينبغي التقيّد بها في تناقض كامل مع ما يسمى لدى الغرب الحديث بالأخلاق الكانطية التي تعتبر أن اي فعل انساني  لا يكون اخلاقيا الا اذا تقيّد بمعيار الكونية. يقول كانط:” افعل وفق قاعدة ترتضيها، بحيث يكون فعلك قابلا ان يصبح ممارسة كونية”. وتبعات ذلك ان الفعل يكون اخلاقيا او غير اخلاقي بذاته ، بغض النظر عن نتائجه المرجوة.
ان الموقف المكيافيلي من الاخلاق مناقض تماما،  اذ انه يعتبر ان كل فعل مرتبط ارتباطا ارتباطا وثيقا بنتائجه المرجوة والفعلية. وبالتالي يكون الفعل أخلاقيا حين يكون ناجعا في ادارك نتائج اخلاقية،وذلك بغض النظر عن محتواه الذاتي وطبيعته الجوهرية. ومثال ذلك ان تقوم دولة ما باغتيال إرهابي حين لا يتسنى القبض عليه  تقديمه للعدالة. فيكون الموقف ميكيافيليا حين يقال : ان الاغتيال مرفوض عموما،ولكن حجم نجاعته وقيمة الرّهان المرتبط به تجعله مقبولا بشكل  استثنائي من خلال منطق الغاية تبرر الوسيلة.
ولئن انتشرت هذه الفكرة لدى الطبقة السياسية التونسية كالنار في الهشيم ،فانها لا تعبّر في الحقيقة عن المكيافيلية ، الاّ اذا فهمناها بمعنى بدائي يقصي قيمتها الجوهرية ، اي النّجاعة ،فيفرغها من محتواها. والمقصود انّ جزءا من الطبقة السياسية التونسية ليس مكيافيليا ،لا الالتزام اخلاقي مبدئي على الطريقة الكانطية،ولكن لعجز سياسي جوهري على الارتقاء حتى الى مستوى المكيافيلية. وعليه  يمكن توصيف الأخلاق التي تحكم الخطاب السياسي السائد بما دون مكيافيلية. فليس مكيافيليا من يمارس التدمير الذاتي تحت شعار “عليّ وعلى أعدائي “. وليس مكيافيليا من يقبل بفقء عينه كشرط لفقء عينيْ جاره. فاتّباع ما يمكن التعبير عنه بسياسة السيّئ فالاسوا مناقض جوهريا للمكافيلية التي تقوم على مبدإ الاقل سوءا ،فالناجع ،فالانجع.
شعار “لاعودة للارهابيين” و رحلة البحث عن القيمة :
ان رحلة البحث عن قيمة شعار” لا عودة للارهابيين” لابد ان تنطلق من فرضية مفادها ان ما يسمّى بالحرب على الارهاب باعتبارها وسيلة للقضاء على الظاهرة الارهابية هي المحرك الاساسي لكل فعل سياسي مرتبط بهذا الرّهان. ومن هذا المنطلق يكون الحكم على الفعل المذكور إمّا على أساس النجاعة ، كمن يطالب بضرورة إعدام كل من تورّط في الارهاب ، وإما على أساس القيم الانسانيّة والديمقراطيّة التي تقول بأولوية الحرية وبضرورة احترام الاجراءات القانونية. ولئن عبر مثل هذين الموقفين على المقابلة بين المكيافيلية والكانطية ، فان لكل منهما حججا تخرجه من بوتقة هذا التّقسيم الثنائي. فرغم الاجحاف البراغماتي الذي يميز الموقف الاوّل، فانه يقول ان الغاية هي حماية المجتمع من خطر داهم وفي حماية المجتمع حماية للدّيمقراطية وباقي القيم المثلى. وامّا الموقف الثاني، فان اغراقه الظاهر في المثالية المستعدة لبعض المخاطرة والرّافضة لاستثناء من تمرد على الانسانيّة من حقوق الانسان ، فانه يقول “ان مخالفة ذلك ليس بالنجاعة التي يتصورها المكيافيليون،فالارباح التي توفرها اي سياسية قمعية على المدى القصير تاتي نتائجها وبالا على المدى البعيد. فتكون النتيجة خسارة الأخلاق و النّجاعة في نفس الوقت.
وعلى هذا الأساس نطرح السّؤال التالي : أين  يتنزّل شعار “لا لعدوة للارهابيين” من هذا النقاش ؟
يبدو الجواب للوهلة الاولى يسيرا . فبما ان هذا الشعار يحوي مطالبة بتعامل استثنائي مع الارهابيين في سياق الحرب المعلنة عليهم ،يكون من البديهي تنزيله ف إطار مكيافلي يبرر الاستثناء بضرورات المعركة وإكراهاتها. ولكن هيهات ، ذلك ان النّجاعة تقيم بمحتواها فعليا لا نظريا. مما يعني انها لا يمكن مبدئيا يا ان تبرّر ما هو غير قابل للتطبيق عمليا  وهو الحال مع الشعار المذكور ، كما بيّن ذلك المختصون في القانون الدستوري والدولي. فما يستحيل تطبيقه لا يمكن أن تكون النجاعة أساسا له. لأنها تفترض التطبيق كشرط مسبق.
إن ما سبق يبعدنا عن المكيافيلية التي افترضنا ابتداء ويقرّبنا من الكانطية التي استبعدنا افتراضا. ذلك ان من حقّ كل سياسي ان يرفع شعارات غير قابلة للتطبيق من اجل الدفاع عما يراه قيما عُليا. ولكن ذلك يفترض وجود هذه القيم والقدرة على التعبير عنها. وعليه ، ففي ظل استحالة التنزيل الفعلي على الأرض ،لا يمكن تبرير الشّعار موضوع التحليل الا باسكتشاف القيم التي تقف وراءه. ولا نجد في هذا السياق  قيمة نوردها الاّ حماية الشعب التونسي من خطر هؤلاء العائدين. وهو مبدأ أخلاقي جوهري لا يمكن ان يُلام في الدفاع عن مطلق كلياته اي سياسي. ولكن كل سياسي مساءل عن انسجام الشعار المعتمد مع القيمة التي تبرره. اي ان المطالبة بعدم عودة الارهابيين او بسحب الجنسية منهم يجب ان تكون ،على اقلّ تقدير، في انسجام نظري مع  مبدإ حماية الشعب التونسي، ولكن هيهات. إن الشعار المذكور في هذا السياق يتناقض مع القيمة التي تبرره. بل ان تطبيقه ، ان افترضنا جدلا انه ممكن ،لا يمكن ان يخدم الا اعداء تونس من الارهابيين. فعدم عودتهم يعني ضرورة عدم تسليمهم للعدالة وبالتالي عدم محاسبتهم. وهو ما يحرم الشعب التونسي من حقه في اقامة العدل عليهم حسب العرف والقانون.
سيقال ردا على ذلك: وكيف  نحاسبهم ن بمعنى كيف نثبت التهّم المنسوبة عليهم؟
وهو سؤال يخرجنا من المُثل ويعيدنا الى النجاعة. اي ان صعوبة إثبات تهمة الارهاب تبررعدم اتباع الاجراءات العادية ، ومن ذلك سحب الجنسية بالشبهة. فالغاية إغلاق البلد امام  الارهاب ، حتى وان اقتضى ذلك ، بالاضافة الى التّنازل عن اقامة العدل و تهرب تونس من تحمل مسؤولياتها امام المجموعة الدولية وتعريض باقي الشعوب والدول للخطر الذي تسعى باقصاء ارهابييها الى تجنّبه.
ان هذه الحجة مكافيلية بامتياز. وبالتالي فان تحتاج لتبريرها نجاعة لا لبس فيها. وعدم قابلية شعارها للتطبيق يكفي لنسف بنيانه. فالمطالبة بعدم عودتهم لا تحقق الغاية المعلنة  ، ولا تؤدي الا لتقديم تونس في صورة البلد الاناني وغير المسؤول. ويمكن ان نضيف الى ذلك قصر نظر اصحاب هذا الراي. اذ انهم ينظرون الى الارهاب وفق معادلة صفرية تقول ان كل خطر يتعرض اليه الاخر هو خطر يتجنبه “الانا”. وهو هراء لا معنى له بموجب كلام اصحاب الحجة أنفسهم فهم ما فتئوا يؤكدون على كونية الحرب على الارهاب وعلى الحاجة الى تعاون تونس مع كل البلدان في سبيل تحقيق غاياتها. والسّؤال المحير : اي تعاون يسعى هؤلاء المتكلمون لادراكه من خلال دفع تونس الى الظهور بمظهر من يشتري سلمه بأمن غيره .ان البلدان الديمقراطية تسعى جاهدة لاستجلاب مواطنيها الذين تورطوا في الارهاب من اجل محاكمتهم لديها, ومثال ذلك فرنسا التي أثارت فيها دعوة رئيسها “فرانسوا هُولاند” لسحب الجنسية من الارهابيين  مزودوجي الجنسيّة ردة فعل عارمة دفعت الرئيس الى التراجع عن مقترحه. بل  ان هولاند صرّح بان ذلك الخطأ كان سببا من الأسباب الرئيسة التي جعلته يعدل عن الترشّح لفترة رئاسية ثانية في انتخابات ماي المقبل.
والدول الديمقراطية تعتبر عموما ان الانتصار لمبادئها يقتضي إثبات قدرتها على تحقيق العدالة مع احترام الحقوق. وأساس ذلك ان القانون ينسحب على الجميع لانه وُضع لحماية الجميع ،وليس فقط لحماية من يحترمون مبادءه المؤسّسة. وعلى عكس ما يظهر ابتداء ،ليس في هذا الموقف اي مثالية. اذ ان تحمل المسؤولية لا يتناقض مع النّجاعة. فهذه الدول تعلم ان عودة هؤلاء الارهابيين ومحاكمتهم سيمكن اجهزتها الامنية  والاستخباراتية و القضائية من الحصول على معطيات في غاية الاهميّة من حيث نجاعة حربها على الارهاب. وهو ما يثبت مرة اخرى عبثية ان موقف من دعا الى عدم عودتهم متناقض مع المبادئ تناقضه مع النّجاعة.
رحلة البحث عن الخلل :
ينبني كل ما ذكرنا على فرضية أساسية مفادها أولوية الحرب على الارهاب. اي ان ضروراتها هي ما يحرك موقف السياسين.  و بعد ما اثبت  من تناقض وسائلهم مع الغاية المذكورة مبدا وعملا ، وجبت إعادة النظر في فرضية المنطلق و ذلك احترامهم لذكائهم الجماعي. فعلى  فرض ان بعضهم قد انساق وراء الشّعار دون فهم الرهان ،ولانهم بعد الفهم لم يجدوا من الشجاعة ما يكفي للتراجع وتعديل الأوتار ،فان ذلك لا يمكن باي حال من الاحوال أن ينسحب على الجميع.
يكمن الرهان اذن في تقييم مدى غائية الحرب على الارهاب ، او بطريقة اوضح : الى اي مدى يمثل النصر عليه غاية في حد ذاته. بحيث تكون الحرب عليه وسيلة حصرية لدحره. ويسقط ذلك بمجرد ان تشوبها مآرب اخرى تصبح من خلالها الحرب المذكورة وسيلة سياسية ، او على الاقل فرصة يسعى بعض السياسيين للاستفادة منها ظرفيا . ونتيجة ذلك بالضرورة تعدد الغايات وتفرق الاتجاهات الذي لا يمكن ان يؤدي لغير الانقسام  فغياب العلاقة الحصرية بين الحرب كوسيلة ودحر الارهاب كغاية يفسح المجال امام استخدامات أخرى للحرب ،تضرّ بغايتها الاصلية.
وكثرة الجدل السياسي العقيم  حول مسائل هامشية او قضايا محسومة ،كعودة الارهابيين من عدمها،تشير الى ان السياسيين واقعون لامحالة في فخّ انتهازية ما دون مكيافيلية،لانها أحط قدرا منها.
لا علاقة لشعار” لاعودة للارهاببين” بالحرب على الارهاب. انه مجرد فخّ سياسي وضعته مجموعة من السياسيين في إطار خطة لا ترمي الا  لإحراج خصومهم، وهو فخ سليم. اذ انه مجهز بسيف ودرع. فعلى المدى القصير يشكّل الشعار المذكور سيفا مسلطا على رقاب من خالفه لانه يقدمهم امام الراي العام  في ثوب المدافعين عن الارهابيين لمجرد تصريحهم بعدم قابليته  للتنفيذ. اما  على المدى التوسط والبعيد ،فهو درع لانه في مخيلة  اصحابه يهديهم حجة بخسة يمكن استغلالها سياسيا في حال حصلت اي عملية ارهابية ،لا سيما ان ثبت تورط احد العائدين فيها وبالتالي يكون النصر مزدوجا ،لا لتونس ،ولا للحرب على الارهاب ،بل لكل من رفع شعارا منعدم القيمة الفعلية او المبدئية. فنحن ازاء مكافيلية مغرقة في البدائية فهي خاوية من قيمتها الجوهرية اي النّجاعة. وحتى الارباح الانتهازية التي يأمل أصحابها على حساب القضيّة غير مضمونة.
خاتمة :
 اذا كانت سياسة السيّئ فالاسوأ لا تندرج في اطار المكيافيلية، فماهو عنوانها؟
 ان عنوانها  الغباء الذي يحول اليّات  النجاعة،كما يحول اليات المثالية الى خسارة مزدوجة تشمل البعدين القيَمي والعملي. فلا يمكن تبرير إهدار الجهد والوقت بضرورات أخلاقية عليا مفارقة ،مثلما هو الحال لدى الكانطيين القائلين بأولوية الاخلاق على النجاعة. ثم لا يتسنّى بعد ذلك تبرير التحرر من ضوابط  القيم العليا بنجاعة الفعل السياسي المتحرر، كما هو الحال لدى الميكيافليين وهو الفشل المزدوج التي تبدو قطاعات واسعة من الطبقة السياسية التونسية جادة في السّعي اليه.

Leave a Comment