الاتحاد العام التونسي للشغل : حصاد المؤتمر وتأجيل حسم القضايا الاستراتيجية


الملخص 
تنزيل المُخْرجات ذات الصِّلة بالمنظمة أو بالوضع  السياسي   والإجتماعي  والإقتصادي إضافة إلى ” ترميم ” ما ” أفسدته” الحملات الإنتخابية لن تكون الأولويات الوحيدة والحصرية للقيادة  الجديدة للاتحاد العام التونسي للشغل المنبثقة عن المؤتمر الثالث والعشرين . بل إنّ هذه القيادة ستجد نفسها مضطرة لاستكمال ماعجز المؤتمر عن انجازه ، والمقصود هو ضبط رؤية استراتيجية للمنظمة في علاقة بكيفية إدارتها وحوكمتها وهيكلتها من ناحية وفي علاقتها بمحيطها الخارجي سواء السلطات الحاكمة أو المحيط الإجتماعي والمنظماتي والاقتصادي داخليا وخارجيا من ناحية أخرى .
فالقراءة المتأنية لأشغال المؤتمر ولطبيعة الحملات وللمخرجات المضمونية ولنتائج الاقتراع تؤكد أنّ السنوات الخمس القادمة لن تكون مجال فِعْلٍ للمنظمة وتأثير في الأحداث والتوازنات والتوجهات  السياسية للبلاد فقط وإنما ستكون المنظمة ذاتها موضوعا لهذا التأثّر، ولذلك فإن لمؤتمر اتحاد الشغل مابعده والسيناريوهات مفتوحة خاصة وأن القانون الأساسي يسمح بتغيير المهام بما في ذلك الأمانة العامة دون الحاجة الى مؤتمر علاوة على أنّ فرضية ترشح الأمين العام المتخلي للانتخابات الرئاسية قائمة …

 مقدمة

 بعيدًا عن مقاييس نجاح التنظيم و حُسْن سير الأشغال وشفافية التصويت على اللوائح والقانون الأساسي وعلى الأشخاص ( المكتب التنفيذي الوطني و الهيئتان الوطنيتان للنظام الداخلي والمالية والإدارة )  ، يُمْكِن القوْل بكثير من الإطمئنان أنّ المؤتمر الثالث والعشرين للاتحاد العام التونسي للشغل لم يُقدّم إجابات حاسمة وواضحة حول الأسئلة أو القضايا الإستراتيجية ذات الأثر المباشر ليس على مستقبل المنظمة فقط بل وكذلك على مستقبل تونس ، وهي أسئلة طرحها الأمين العام المتخلي حسين العباسي قبيل المؤتمر ( ندوة بالاشتراك مع منظمة فريديريش ايبارت يوم 8 سبتمبر 2016) . 
السؤال الأول تمحور حول كيفية تعاطي المنظمة النقابية مع محيطها السياسي في ظلّ السياق الثوري الذي أنهى واقع الحزب الواحد لصالح التعدد الحزبي، والثاني يتعلق بسبل التصدي لتنافس الأحزاب من أجل تحجيم الإتحاد سواءً بالإختراق أو المواجهة العنيفة أو تشجيع التعدد النقابي ، والثالث يأخذ بعين الإعتبار بروز منظمات وجمعيات غير نقابية تقوم بوظائف تُنافس بشكل من الأشكال اتحاد الشغل في بعض أدواره ، والرابع يدعو إلى ضرورة مراجعة التقاليد التنظيمية الداخلية التي رسّـختها المنظمة منذ عقود حول آليات العمل والحوكمة وتجديد النخب النقابية وهيكلة المنظمة ذاتها، والسؤال الخامس والذي وصفه ب” الأكثر إرباكاً” يتمحور حول التوجه الليبرالي الأقصى المعتمد منذ الثورة وما ينتج  عنه من تغيير في توازنات سوق الشغل  وقوانين الإستثمار وآليات الحماية الإجتماعية وهو” ما يهدّد بوضع التقاليد النقابية التي تأسّس عليها الإتحاد موضع مراجعة . وبالرجوع إلى أشغال المؤتمر الذي امتد من يوم 22 جانفي الماضي إلى 26 منه ونتائجه سنقف على أن المؤتمر لامس هذه القضايا لكنه لم يحسمها. 
 ماكينة ” النظام الداخلي تحصد ” التوافق بالإجماع” 
 فوْزُ القائمة التوافقية بأعضائها الثلاثة عشر لم يُفاجئ الملاحظين ،بل كانت المفاجأة تجاوز نسبة الأصوات التي جناها أبرز عضوين في القائمة  سقف ثلاثة أرباع عدد المؤتمرين  الذين يحق لهم التصويت ( بوعلي المباركي  474 صوتا ، ونورالدين الطبوبي449 صوتا )  ، مع الإشارة إلى أن فارق الأصوات بين أول القائمة الفائزة وأول القائمة المنافسة تجاوز الثلاثمائة  صوت من إجمالي 550 مؤْتَمِرًا ( قاسم عفية161صوْتًا ) ،  وكان الفارق بين آخر عضو في القائمة الوفاقية وأول عضو في القائمة الثانية حوالي مائة صوت ، فأية دلالات لهذه الأرقام مع التذكير بأن المعنيّ بها منظمةٌ وطنيةٌ مهنية ٌ هي الأكثر تأثيرًا في الحياة السياسية والاجتماعية في تونس الثورة ؟ .
القراءة المتأنية  لحصيلة العملية الإنتخابية تجعلنا نخلُص بكل يُسْر إلى أنّ جلّ النواب صوّتوا بطريقة ” القائمة المغلقة”  بالرغم من أن نظام التصويت المعتمد يقوم على التصويت للأفراد وليس على القائمات . وهذه التقنية للعارفين بكواليس الإنتخابات في المنظمات  والجمعيات  والأحزاب تعكس عملا مسبقا قوامه ليس التشبيك والدعاية فقط وإنما يتجاوز ذلك في أحيان كثيرة إلى التأثير بأشكالٍ وأوجه عدّة . وبالرجوع إلى تصريحات الأمين العام السابق وتأكيداته بالمساهمة بشكل شخصي في إعداد القائمة الوفاقية ، وإذا أضفنا إلى ذلك أن الفائز بمنصب الأمين العام نورالدين الطبوبي كان مكلفا بالنظام الداخلي أي الماسك  بما يُسمّى  ” الماكينة ” أي الآلة التنظيمية الهيكلية والتأديبية ، يغدو من المشروع التساؤل عن دور هذه ” الماكينة ” في تحويل العملية الانتخابية إلى مجرد عملية تزكية  وإضفاء  مشروعية  شكلية   أكثر  منها عملية اختيار على قاعدة تنافس حقيقي بين مقاربات نقابية مختلفة. فنتيجة انتخاب المكتب التنفيذي الوطني تؤكد أن تقاليد المنظمة التي اكتسبتها طيلة سبعة عقود من عمرها والمتمثلة في هندسة عملية الاقتراع ومحاولة ضبط التركيبة قبل انطلاق المؤتمر تغلّبت على روح الثورة التي أدركت الست سنوات قبل أيام ،الثورة هنا بمعنى الانتصار للديمقراطية  روحا وممارسةً وليس شكلا .  وعليه فإنه أمام الاتحاد العام التونسي للشغل بذل جهد كبير للارتقاء ، في هذا الجانب ، إلى مستوى مبادئ الحوكمة الرشيدة للمنظمة وضرورة تطوير آليات عملها وفق الواقع الجديد الذي انتجته الثورة . فإذا كان من المقبول والمعقول زمن الاستبداد منذ الاستقلال الى ما قبل الثورة  أن تعمل القيادات المركزية على هندسة النتائج حفاظا على الاستقلالية و خشيةً من الاحتواء  ، فإن  تغير المناخ العام في البلاد و تصدّي الاتحاد إلى مهام وطنية كبرى أهمها المساهمة في انتقال السلطة والتوافقات حول بعض المبادئ والفصول الخلافية في الدستور يجعل التحدّي الداخلي من أبرز التحديات الواجب الاشتغال عليها حتى تحافظ على المكتسبات النوعية للسنوات الست الماضية . 
 التنافس الإنتخابي بين الإيديولوجي والنقابي 
 صحيح أنّ  للحملات الإنتخابية منطقها الخاص الخاضع في الأغلب الأعم  لروح  الدعاية  الذاتية  و محاولة تبخيس المنافس وكشف حدود امكاناته وشبكة علاقاته وخلفياته ، ومعلوم أنها في الغالب تدخل طَيّ النسيان بمجرّد اعتراف المنهزم انتخابيا بفوز المنافس . لكن ذات المنطوق في الحملات يكشف ترسبات عميقة حاولت مفاهيم على غرارالمصلحة العامة للمنظمة وتأجيل المعارك الثانوية إخفاءها أو بالأحرى إرجاءها . 
المحور الأول في هذا الإطار كان ” التموقع الايديولوجي ” للمنظمة النقابية التي من المفترض أنها إجتماعية مهنية نقابية في المقام الأول ثم منفتحة بحكم أدوارها التاريخية على الشأن السياسي. عضو المكتب التنفيذي الوطني المتخلي قاسم عفية والمتزعم للقائمة المنافسة لقائمة التوافق النقابي انتصر لفكرة أن المنظمة يسارية بحكم التاريخ والمسار والواقع ( بالطبع هذا الرأي لا يشاطره فيه عديد المحللين وكذلك المؤرخين) وعليه من الضروري رفض أي تعايش مع التيار ذي الخلفية الإسلامية في القيادة المركزية ، أي أن ما يسميه ب” اليمين الديني ” حسب قراءته يمكن أن يوجد كذرات متناثرة ضمن القاعدة العمالية أما صورة المنظمة وقياداتها وتوجهاتها فيسارية أو لا تكون . فأساس الحملة كان بخلفية قراءة ايديولوجية لتاريخ المنظمة ومحاولة لتكريس التوازنات الحالية مع التغافل على أن التحدي الأكبر اليوم هو العولمة الرأسمالية المتوحشة القادرة على نسف حقوق العمال بل وعلى المنظمات العمالية وأكثر من ذلك نسف العمل النقابي ذاته . ومعلوم أنّ ما دعا إليه العضو الوحيد من المكتب المتخلي الفاشل في انتزاع مقعد جديد يشاركه فيه من حيث الخلفية الأيديولوجية  عدد من نواب المؤتمر و عدد من الذين اختاروا التموقع في القائمة الوفاقية لكن باستراتيجية مختلفة عن زميلهم . 
هذا الجدل ذي الخلفية الأيديولوجية يؤكد أن النقابيين اليوم لم يحسموا نهائيا الجدل حول طبيعة منظمتهم وهويتها ، أي لم يحسموا ترتيب الأولويات بين النقابي والسياسي ولم يقدموا مقومات قراءتهم لتاريخ المنظمة من التأسيس إلى المشاركة في الحكومات الاولى بعد الاستقلال ثم الاحتواء ضمن منظمات الحزب الحاكم سنة 1964 فالتحالف ثم المواجهة وصولا إلى خيار الانبطاح مع الأمين العام اسماعيل السحباني والمسايرة مع الأمين العام عبدالسلام جراد .
المحور الثاني ذي الصِّلة بالحملة الانتخابية كانت التصريحات المفترض أنها مزلزلة التي أطلقها قاسم عفية والمتمحورة حول اتهام القيادة النقابية المركزية بالتستّر على عديد المسؤولين النقابيين المتورطين – حسب قوله- في أحداث العنف في البطحاء المقابلة للمقر المركزي يوم 4 ديسمبر 2012  والتي اتهمت بارتكابها روابط حماية الثورة بتواطؤ مع حكومة الترويكا السابقة. مثل هذه التصريحات تؤشر على أنّ الكثير  من  حقائق ما بعد الثورة التي رسمت المشهد السياسي ما تزال طَي الكتمان والحسابات المصلحية والسياسية ، وأن انفتاح أرشيف الصدور والشهادات التاريخية على وقائع الزمن القريب من شأنه أن يكشف مسارات ملفات هامة . والملاحظ أن مثل هذه التصريحات ذات الدلالات الخطيرة لم ترتق إلى مستوى الحدث الإعلامي رغم أهميتها ، وتفسير ذلك متعدد الأوجه سياسي ومنظماتي ومصلحي ، وفي مايخص المنظمة يمكن التأكيد أن نجاحها السياسي( الحوار الوطني وجائزة نوبل )  والنقابي ( النجاح في ضمان معدل زيادة في الأجور بمعدل 60 في المائة في خمس سنوات إضافة الى أنها أصبحت تمثل شبكة حماية حقيقية للعمال وذوي الحقوق  ) أعطاها نوعا من الحصانة الإعلامية تُلامس في أحيان كثيرة الحصانة التي كانت تتمتع بها حكومات مابعد الاستقلال . 
فإذا كانت الانتخابات قد كشفت عن أن المنظمة ماتزال أمام تحدي إعادة صياغة نفسها تنظيميا وهيكليا فإنّ بعض ما جاء في الحملة يؤكد أنّها في حاجة إلى إعادة قراءة تاريخها وءلى فصل المقال بين النقابي والإيديولوجي من اتصال  وإلى عدم الاكتفاء بالتقرير الأدبي في المؤتمرات بل الضرورة تدعو إلى فتح الملفات خدمة للمنظمة أولا وللبلاد ثانيا.  
 نواب المؤتمر ، هُموم بحجم الدولة ومنظمة تصريف أعمال 
 من يستقرئ مداخلات النواب خلال مناقشة التقارير واللوائح يُدرك أن المهام التي تطرحها المنظمة الشغيلة على نفسها تتجاوز بكثير امكاناتها الذاتية وقدراتها ومقدراتها على التخطيط والتفاوض والتأثير والضغط والتغيير . فمن قضايا العولمة  وراس المال  المتوحش وهجمة صندوق النقد الدولي إلى  التعديل في التوازنات السياسية الداخلية و سياسية إصلاح الصناديق الاجتماعية والجباية والصحة والتعليم وصولا إلى الترقيات ووصولات الأكل والساعات الإضافية .
المهام الأفقية التي تطرحها المنظمة على  نفسها بحكم الاختصاص وحكم التاريخ وحكم الضرورات وحكم التداخل بين الايديولوجي والنقابي من شأنها أن تحد من فاعلية الاتحاد العام التونسي للشغل ويحوّله بحكم الواقع لا الإرادة والتخطيط إلى أشبه بالآلة أو المؤسسة المهتمة بتصريف الشأن اليومي وحلّ الأزمات ضمن ممارسة عملية الاطفاء، أي أن المنظمة الشغيلة تجد نفسها تُكرّر  نفس الأخطاء التي تعيبها على الحكومات المتعاقبة منذ الثورة بما هي حكومات  تصريف أعمال ،إضافة  الى  غياب الاستراتيجيات القطاعية و التصرف بمنطق ردود الفعل . ومجرد جرد لتعاطي المنظمة مع عديد الملفات يؤكد الملاحظات السابقة ، ومخرجات المؤتمر تؤكد أن ذات السيناريو سيتكرر أمام عدم الحسم في مربعات التحرك والاختصاص والحرص على التمدد والتأثير الأفقي والعمودي في كل شؤون الدولة والمواطن تحت غطاء الشرعية النقابية العمالية ومشروعية الأداء والمكتسبات التاريخية كذلك . 
وللتدليل على تشعب المهام المطروحة ذاتيا سنستعرض عبارات موجزة وردت على ألسنة نواب المؤتمر ، وقد تعمدنا عدم التبويب مع اختيار النُتَف المجملة دون تفصيل أو إطالة ، وفي مايلي بعض النماذج لمداخلات المؤتمرين: “نحن من نجحنا في تصحيح مسارالثورة ولن نتخلى عن مسؤوليتنا الوطنية في الحفاظ على التوازن السياسي ، علينا أن نتصدى لهجمة راس المال والتفويت في القطاع العام والخدمات الاستراتيجية ،نطالب بالإسراع بإنجاز انتخابات بلدية وذلك يمكن ان ينعكس ايجابا على وضع الأعوان البلديين ، المهمة المستعجلة هي مقاومة قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص ،الجامعة التونسية تمُر بأزمة حادة ،ضرورة احترام هيئات الرقابة في الاتحاد حتى لا تبقى تحت  نفوذ أمين عام المنظمة ،واجبنا مقاومة أعداء المرفق العام،  راس المال  يسعى إلى ضرب السيادة الوطنية والهيمنة على قطاع الصحة ،ديون الصناديق الاجتماعية تفوق الخيال والعجز حقيقة واقعة ،نرفض انحناء الحكومات لإملاءات صندوق النقد الدولي ، علينا أن نعتمد نهجا وطنيا لا يمينيا ولا يساريا وذلك بفصل السياسي عن النقابي ، علينا أن نعترف بأنّ خطابنا بعد الحصول على جائزة نوبل للسلام أصبح خطاباً متعجرفاً…”.
 الهيكلة ،  القاعدة العمالية تُفرمل القيادة 
 نجح المؤتمر الثالث والعشرون في ادخال عديد التنقيحات على القانون الأساسي للمنظمة ، ولعل أهم مُنجز من وجهة النظر السياسية والنقابية هو فرض حصة للمرأة في القيادة المركزية والمكاتب القيادية الوسطى وفي هيئتي النظام  الداخلي  والمراقبة  المالية  والإدارية  وفق  التسمية  الجديدة ( التسمية تحولت من لجنة إلى هيئة ) . ودلالة هذا التنقيح له أوجه عديدة ،فذات المقترح لم يحظ بالقبول في مناسبات سابقة بتعلات وحجج عديدة تضرب في عمقها الخطاب النقابي المعتز بتقدميه وبدفاعه عن إرث الدفاع عن حقوق المرأة وحقها ليس في تحمل المسؤوليات النقابية فقط وإنما كذلك في تحمل المسؤوليات السياسية تناصفاً وتناسُبا مع حجمها العددي . وعليه فإن هذه المصادقة رفعت حرجا معنويا و سياسيا ، وتحوّل  رفع الحرج الى انتصار معنوي بنجاح القائمة الوفاقية المشكّلة من ثلاثة عشر عضوا في ضم نقابية فقط هي  نعيمة الهمامي وضمان فوزها بواقع 334صوتا (  أقل من الفائز الاول ب140 صوتا وأكثر من آخر الفائزين ب90  صوتاً) ، وبذلك تصبح الهمامي ثاني امرأة تنضم الى القيادة المركزية بعد ستين سنة من حصول شريفة المسعدي على ذات الصفة. رفْع الحرج المعنوي والسياسي عن المنظمة ككل يؤكد أنّ عملا كبيرا مازال ينتظر المنظمة على مستوى التثقيف العمالي وتغيير أنماط التفكير والتعاطي مع مسألة الجندرة ، وذلك لنزع أي اتهام افتراضي للمنظمة بأنها تُمارس ازدواجية في الخطاب والمعايير بين ماهو داخلي وماهو خارجي منظماتنا وحزبيا ومجتمعيا وحكوميا بل وكذلك دوليا. 
التعديلات  الأخرى  ذات الصِّلة بالقانون الأساسي دلالاتها داخلية تنظيمية أكثر منها خارجية وطنية ، لكن يبدو أن ما أجهضته قاعة المؤتمر له دلالات مهمة في فهم التوازنات داخل القاعدة العمالية . فقد رفض نواب المؤتمر مقترحا تمّ طرحه في القاعة ولم يُدوّن في مسودات المقترحات يقضي بتعديل الفصل العاشر من القانون الأساسي الذي يحدد مدة العضوية في المكتب التنفيذي الوطني بدورتين فقط . المقترح إن تم تمريره كان سيسمح لعشرة أعضاء في  حال فوزهم  من جديد ( فاز تسعة منهم)   بإمكانية الترشح لمدة ثالثة سنة 2022 وهو ما يُكرّس أسلوب هندسة المؤتمرات ونتائجها مسبقا مع الحفاظ على المواقع ومخالفة مبدأ نص عليه دستور الثورة وهو تحديد مدة رئاسة البلاد بدورتين فقط . 
المقترح الثاني  الذي أسقطه النواب يتمثل في آلية التصعيد للمؤتمر وذلك من خلال توسيع التصعيد بالصفة على حساب التصعيد بالانتخاب على قاعدة الانخراطات في النقابات الأساسية القطاعية جهويا. ومعلوم أنّ هذا المقترح شبيه من حيث المقاصد والأهداف بالمقترح السابق ، غير أن النواب الذين صوتوا لفائدة القيادات الحالية رفضوا ” التوقيع” على كل مؤشر يدل على نوع من التفويض على ورقة بيضاء ، أي رفضوا القبول بالمقترحات التي تهدف الى خدمة أهداف لها شبهة المصالح الشخصية والإيديولوجية والسياسية . هذه الرسالة من القاعدة العمالية وصلت بكل تأكيد إلى القيادة … 
” عاشورية” الأمين العام، التطبيع هو المبدأ
 صناديق الاقتراع أعلنت أسماء الفائزين يوم 26 جانفي ( الانتخابات على الأسماء وليس القائمات ) ، القانون الأساسي ينص على أن الأمين العام ينتخبه أعضاء المكتب التنفيذي المنتخب أي أنه لا يُنتخب مباشرة من المؤتمرين في حين أن التهاني للأمين العام الجديد  نورالدين الطبوبي تهاطلت أمام الكاميراهات قبيل انطلاق اجتماع توزيع المهام ، وتلك أحكام التوافقات والتفاهمات التي انطلقت في خطوطها العريضة قبل سنة وحُسمت قبل أشهر بترجيح كفّة  نور الدين الطبوبي على بوعلي المباركي الفائز  بأكبر عدد من الأصوات .  الأمين العام الجديد عبّر عن اعتزازه بالإنتماء للتيار العاشوري نسبة للأمين العام الأسبق الحبيب عاشور . والتيار العاشوري يُقدّم نفسه بأنه يعطي الأولوية للنقابي  على السياسي وأنّ العلاقة بالسلطة سياسية ومطلبية في المقام الأول وليست بالضرورة صدامية وعلى أساس ايديولوجي مع التأكيد على حق النقابي في أن تكون له انتماءات حزبية سابقة وقناعات ايديولوجية شرط أن لا تكون هي المحددة في العمل النضالي النقابي .  مجمل هذه القناعات كانت محل نقد من التيار المنافس بحجة أن تونس بعد الثورة في حاجة إلى  قاطرة تمنع الارتكاس  الى الوراء والتفريط في المكاسب التقدمية المهددة  بتحالف  – حسب وصفهم -اليمين الديني مع اليمين الليبرالي وبقايا النظام السابق. 
فوز العاشوريين قد يوحي للبعض بأن علاقة اتحاد الشغل بالسلطة قد تم تحديدها وضبطها إضافة إلى تحديد مجال تحرك المنظمة الشغيلة ومربعات تدخلها في الشأن الوطني . 
هذا التصور غير دقيق لأسباب عديدة أولها هلامية مفهوم العاشورية انطلاقا من سيرة الحبيب عاشور ذاته وعلاقته بالسلطة من أواسط الخمسينات إلى إواخر ثمانينات القرن الماضي ، حيث تراوحت بين نقطتي التحالف والصدام ،وبينهما  مستويات مختلفة من التعامل والتعاطي. ثاني المعطيات يتمثل أنّ جُلّ أعضاء القيادة المنتخبة يسارية سواء بالانتماء الحزبي سابقا أو الانتماء الفكري بالاضافة الى عضوين ينتميان التيار القومي ، مما يعني أن المكتب التنفيذي فيه تلوينات مختلفة ويبني مواقف على أساس المتغيرات  والتوازنات في الساحة النقابية والسياسية . وثالث المعطيات تتمثل في تأكيد القيادات الجديدة وفي مقدمتها الأمين العام على تمسك الاتحاد بدوره الوطني العام والشامل ، ولعل البيان الاول الذي اصدرته القيادة الجديدة والخاص بنقد موقف الحكومة من منشور يتضمن – حسب البلاغ – مسّاً بحرية الصحافة إضافة الى تأكيد الأمين العام أن المنظمة ستتخذ موقفا – بعد الدراسة – من حركة المعتمدين المعلن عنها الأسبوع الماضي . دون ان  نغفل عن التصريحات المتتالية التي تؤكد أن علاقة الاتحاد بالسلطة تتحدد من خلال مدى احترام السلطات لوثيقة قرطاج كوثيقة مرجعية تم اعتمادا عليها تشكيل الحكومة الحالية ، وهو ما يؤكد إن المنظمة متمسكة بدورها الوطني الشامل  وأن  العلاقة متحولة ومشروطة.  وعليه ففوز العاشوريين بالامانة العامة لايعني الشيء الكثير بالنظر الى التوازنات الداخلية وإمكانية اعادة توزيع المهام داخل المكتب التنفيذي بما في ذلك الأمين العام ، والأهم من ذلك عدم تقديم الاتحاد لرؤية شاملة لدوره في زمن بعد الثورة وفي عالم الليبرالية المتوحشة …
 العباسي  والأدوار المقبلة 
 إن إنهاء الأمين العام السابق لاتحاد الشغل حسين العباسي لعهدته لا يعني انتهاء تأثيره في الساحة النقابية والسياسية وهو الحائز على جائزة نوبل للسلام بفضل ادارته للحوار الوطني مع ثلاثي الاعراف والمحامين والرابطيين بل إنّ العبارة الأدق تعبيرا هي بمساعدتهم. فما إن سلّم المهام حتى بعث برسائل قوية حول دور الاتحاد ودوره المركزي في إدارة الشأن العام ، كما كشف عن بعض كواليس الحوار الوطني من خلال إعلانه أنه من اختار رئيس حكومة التكنوقراط مهدي جمعة مع تعبيره على الندم عن ذلك  وكشفه عن طموحات جمعة حينها للترشح للانتخابات الرئاسية بما يمثله من انقلاب على الحوار الوطني ووثيقته المرجعية المسماة بخارطة الطريق. فاتحاد الشغل حسب هذه القراءة التي لها معقوليتها حمى البلاد من الاحتراب الداخلي ، وكان عاملا محددا في اختيار رئيس الحكومة وحمى المسار من التعثر، ونال بفضل ذلك جائزة نوبل للسلام ( مع الشركاء او المساعدين ) ، يستحق أن يكون المؤتمن  على  مستقبل البلاد امام هشاشة الأحزاب واهتراء صورة القيادات السياسية . والشخصية الاقدر على تحقيق مطالب الشعب و الثورة بالتنمية والرفاه هي التي ضمنت للعمال زيادة في الاجور بستين في المائة خلال خمس سنوات… هذا سيناريو قابل للتحقيق وشروطه الموضوعية متوفرة والماكينة الانتخابية جاهزة ، ماكينة لها خبرة المساهمة بالإطاحة ببن علي وبالمساهمة في الثورة والتأثير على مصير حكومات ما بعد الثورة ، ماكينة لها خبرتها الانتخابية داخليا وأمامها فرصة اختبارها خارجيا .
خاتمة 
لم يحجب النجاح التنظيمي للمؤتمر الثالث والعشرين للاتحاد العام التونسي للشغل وما يعنيه من نجاح في تحقيق بعض الأهداف قصيرة المدى العجز عن حسم الملفات ذات الصبغة الاستراتيجية على غرار ضبط تصور لمنظمة عمالية في ظل التحولات الوطنية والدولية سياسيا وخاصة اقتصاديا واجتماعيا ، مما يؤكد أن تحديد السياسات سيكون على قاعدة المتغيرات ورد الفعل وتصريف الاعمال ، واقعٌ يسمح للقول بأن نتائج المؤتمر النهائية ليست ما أخرجه الصندوق التوافقي أو تنقيحات القانون الأساسي أو اللوائح بل ستكون في تجسيد كل ذلك مما يعني أنّ المؤتمرَ سيكون له ما بعْده.
 
عبد السلام الزبيدي
 عن مركز الدراسات الاستراتيجية و الديبلوماسية.

Leave a Comment