الإسلام والدّستور في تونس

الكاتب: د. شاكر الحوكي

دار النّشر: المركز النشر الجامعي

سنة النشر: 2015

عدد الصفحات: 501

مقدمة

كيف نفهم الإسلام التونسي أو ما يسمى بالاستثناء التونسي انطلاقا مما وضعه الدستور من مبادئ وتصورات؟ انه إجمالا السؤال الذي حاول الدكتور شاكر الحوكي أن يجيب عنه في كتابه الصادر باللغة الفرنسية الإسلام والدستور في تونس. ووهو موضوع أطروحة دكتوراه ناقشها في كلية الحقوق والعلوم السياسية. تضمن الكتاب مقدمة وجزئين وخاتمة. و حاول أن يغطي التجربة التونسية انطلاقا من مرحلة الاستقلال إلى سنة 2010. الجزء الأول من البحث بين فيه محدودية حضور المفردات والمؤسسات الإسلامية. أما الجزء الثاني، فقد أبرز أن هذا الحضور، على ضعفه، لم يمنعه من أن يكون له تأثيرات معتبرة في مقارنة بدساتير عربية.

 الدستورو جدل المرجعيّة والحداثة

أسّس الدستور لإسلام تونسي حداثي يختلف عما هو سائد في باقي الدول العربية، مشددا في ذات السياق على ملاحظتين: الأولى تتمثل في أن المقصود بالإسلام هو الإسلام الرسمي والمؤسساتي –أي ذلك الإسلام الذي نعثر على تعبيراته لدى مؤسسات الدولة الرسمية القضائية والتشريعية والتنفيذية والهيئات الاستشارية ذات. أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالتأكيد على أن هذا التعبير لا يخص فقط الحالة التونسية، ولكنه معتمد في أدبيات عديدة كما أن عبارة الاستثناء متداولة على أكثر من لسان. غير أن الإسلام التونسي واستثناءه يقوم على أساس الالتزام بالفصل الأول من الدستور باعتباره دين الدولة وما يترتب عن ذلك من آثار قانونية، والتناغم في نفس الوقت مع حقوق الإنسان ومواكبة الحداثة 2 والعصر. وهو الإسلام الذي تحددت معالمه في مستوى مضمونه على ضوء توجهات المشرع التونسي وأعمال القضاء على أساس احترام حق الفرد في أن يغير دينه والقبول بحرية المرأة أن تختار زوجها وأن ترث الزوجة الأجنبية وغير المسلمة من قرينها المسلم وأن ترث الزوجة التونسية والمسلمة من قرينها وغير المسلمة من قرينها المسلم وأن ترث الزوجة التونسية والمسلمة من قرينها الأجنبي وإن كان غير مسلما إضافة إلى الاعتراف للابن الطبيعي (ابن الزنا) بحقه في البنوة وإكساب حضانة الطفل لأحد الأبوين على أساس المصلحة الخاصة للطفل. وهو إسلام يقوم أيضا على حق المرأة أن تختار المهنة التي تريد وحقها أن ترتدي الحجاب، فضلا عن اعتماد اللغة العربية كلغة التواصل الأساسية والوحيدة مع مؤسسات الدولة على أساس العلاقة الوثيقة بين اللغة العربية والإسلام. هذا إجمالا تصور الدولة للإسلام كما رسمه القضاء العدلي والإداري 1 . أما من جهة المشرّع، فان الإسلام التونسي يقر من حيث المبدأ بحق المرأة في الإجهاض ويعترف بحقها في تربية الأبناء و الحصول على الحضانة كأولوية في صورة الطلاق، وحقها في اختيار نظام الاشتراك في الأملاك، فضلا عن حقها في عدم طاعة زوجها، ناهيك عن الاعتراف بحق الابن الطبيعي في النبوة والمساواة في سن الزواج بين الذكور والإناث (18 سنة) 2 . في المقابل فهو إسلام يرفض تغير الجنس من الذكر إلى الأنثى. ومتحمس إلى إسناد الحضانة إلى الأب المسلم كلما كانت الأم أجنبية وغير مسلمة، ولا يرى مانعا من الرجوع في التبني مستفيدا من حالة الفراغ التشريعي المتعلقة بالموضوع، ويرفض توريث الزوجة الأجنبية وغير المسلمة من زوجها التونسي والمسلم. كما يرفض أي مساس بقواعد الميراث فيما يتعلق بتقسيم التركة 3 . أما من جهة السلطة التنفيذية، فهو إسلام يرفض بشدة التطرف، ولكنه يقوم على إشراف الدولة على المجال الديني ببناء المساجد ومراقبتها والالتزام بإقامة علاقات جيدة مع الدول الإسلامية مع الانتصار المبدئي للقضية الفلسطينية ورفض كل أشكال الفوبيا ضد الإسلام والاستهزاء برموزه. وهو ما تجلى في أكثر من مناسبة من خلال التنديد بتصريحات البابا Benoit XVI التي تتهم الإسلام بالعنف والتنديد بالرسوم الكاركاتيرية المسيئة للرسول (ص) ومنع الصحف الأجنبية التي تسيء للإسلام  من التداول في السوق التونسية. وهو إسلام يقوم على جملة من المؤسسات المعنية مباشرة بالشأن الإسلامي من ذلك مؤسسة الإفتاء والمجلس الإسلامي الأعلى ووزارة الشؤون الدينية أساسا، كما يرفض الاستنساخ والموت البطيء ونزع الأعضاء من الأموات والإنجاب الاصطناعي وهي المواقف التي اتخذتها بوضوح الهيئة الوطنية للأخلاقيات الطبية 4 . ما أراد أن يبينه الكتاب هو أن كل ذلك حدث تحت عباءة الفصل الأول من الدستور. بهذا المعنى فان تونس نجحت في الانخراط في الحداثة دون أن تقطع مع الإسلام، بفضل دستور 59 الذي ساعد على بروز فهم جديد للإسلام تجلى من خلال أحكام القضاء وأعمال المشرع. 5 . كيف نفسر هذه النتيجة؟ في محاولة لمعرفة كيفية الوصول إلى هذه النتيجة عاد الكاتب إلى جملة من

الأحداث التاريخية:

السبب الأول يعود إلى الدسترة المحدودة للإسلام التي تمت بين 1956 و 1959. فدستور 59 تجاوز كل المفاهيم التقليدية للإسلام السياسي –الفقهي؛ فلا أمة إسلامية ولا بيعة ولا طاعة ولا زكاة ولا أوقاف ولا شورى ولا محاكم شرعية ولا فقه ولا شريعة إسلامية ولا حسبة ولا إمارة ولا سلطنة، علما وان هذه المفاهيم موزعة ومبثوثة في مختلف الدساتير العربية، وهو ما ساهم في تجريد سلطات الدولة ومؤسساتها من أي سند دستوري يمكن التأسيس عليه لإحياء إسلام تقليدي أو فقهي. أما في خصوص دسترة الإسلام بوصفه دين الدولة أو رئيسها أو غير ذك من المسائل الرمزية التي يحضر فيها الإسلام بوضوح على غرار القسم و العلم التونسي 6 . وهي دسترة لم تكن لتتحقق بالطريقة التي تحققت بها في الحقيقة لولا الإقصاء المتعمد الذي قام به بورقيبة في حق كل الحساسيات الحزبية والسياسية في ذلك الوقت من المشاركة في المجلس القومي التأسيسي وهم الزيتونيون واليوسفيون والحزب الحر الدستوري القديم والاكتفاء بالتحالف مع المنظمات النقابية التي لم تبد اهتماما بالمسألة الإسلامية 7 .

والسبب الثاني يتمثل في أن بورقيبة ما كان له أن يفعل ذلك لولا المواقف الشجاعة التياتخذها أثناء الاستعمار ضد السلطات الفرنسية لفائدة الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية في مسائل عديدة تتعلق برفض منع ارتداء التونسيات الحجاب والإصرار على حق التلاميذ في أن يضعوا فوق رؤوسهم الشاشية أثناء مزاولتهم الدراسة باعتبارها التزام ديني ورفض فتح الحانات في العاصمة التي رأى فيها محاولة خبيثة من السلطات الفرنسية لأشغال الناس. هذا فضلا عن موقفه الرافض من انعقاد المؤتمر الافخارستي في تونس 1930 ورفضه دفن المجنسين بالجنسية الفرنسية بمقابر المسلمين سنة 1923. إنها جملة من الأحداث التي أهّلته أن يكون بعيد الاستقلال الناطق الرسمي للإسلام دون منازع وان يحتكر الخطاب الديني على حساب العلماء. وهنا تحديدا يبرز الاختلاف الرئيسي مع الدول العربية التي كان فيها الأئمة والعلماء في مقدمة معركة الاستقلال ضد المستعمر وفي مقدمة المشاركين في وضع الدستور وترتيب الشأن العام بعد أن اندحر المحتل (والإشارة هنا إلى المغرب والجزائر أساسا)، فأنهم في تونس اتهموا بالعمالة والخيانة والتواطئ مع المستعمر وكان مصيرها الاستبعاد من فرض توجهاتها في الدستور ولم يسلم من هذا الإقصاء شيوخا كبار على غرار الطاهر بن عاشور الذي كان له رأي في الدستور ولم يسمع منه احد! 8 . وخلافا للقاضي التونسي والمشرع الذين جعلا من الاجتهاد مرتكزا أساسيا في تطبيقها للإسلام، فان الدول العربية أبدت نزعة محافظة بخصوص جملة من المسائل الشائكة. وهي نزعة برزت واضحة من خلال أعمال المشرع وفقه القضاء فضلا عن جملة الاتفاقيات الدولية المصادق عليها 9 . الحصيلة، وجود ثلاثة أنواع من الإسلام: إسلام حداثي، (حالة تونس) إسلام شبه حداثي أو شبه متجمد (سوريا ولبنان والمغرب والجزائر ومصر) وإسلام متجمد (حالة السعودية). وفي هذا السياق قام المؤلف برصد مجموعة من المفارقات. الأولى ، كلما كان الدستور مزدحما بالمفردات الإسلامية ومثقلا بالمفاهيم الدينية، كان النظام القانوني متميزا بالمحافظة والانغلاق وعاجزا عن التعايش مع قيم العصر الحداثية.

 

أما الثانية تتمثل في أن دسترة الإسلام في عام 1959 لم تؤد إلى أسلمة الدولة والتأسيس لدولة دينية كما كان ينتظر أو يفترض ولكن سمحت بتحديث فهمنا للإسلام وخلقت حالة من التعايش الموضوعي بين الإسلام وقيم الحداثة السياسية والقانونية . فبفعل تجاور الإسلام مع مفاهيم السيادة والمساواة وحرية المعتقد والنظام الجمهوري ، تفاعل فهمنا للإسلام معها ايجابيا. بمعنى آخر فان دسترة الإسلام فرضت حالة من التصالح مع التراث الإسلامي بتغليب القراءات المنفتحة والمتسامحة على حساب القراءات المتشددة. وتبعا لذلك ما كان يخشى منه من أن هذه الدسترة ستؤدي إلى أسلمة الدستور وإضفاء مسحة إسلامية على مفاهيمه، الذي حصل هو العكس. بل أن إسلام اليوم في تونس قد يكون هو الأقرب إلى الإسلام النبوي والإسلام الأصيل.

أهم مميزات الكتاب

لعل أول من وضع أسس نظرية "القران دستور المسلمين" هو حسن البنا، ثم تبناها الأزهر في أدبياته الفكرية والدينية. ولم يتم استعمال ذلك بصفة رسمية إلا في دستور المملكة العربية السعودية في عام 1992. وان أول صيغة جاء فيها أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة وأن الشريعة هي أساس نظام الدولة كان في عام 694 هـ الموافق لسنة 1295م أثناء حكم التتار أو المغول في ولاية قزان من إقليم خراسان وكان ذلك على يد "تلابغا منكوتمر" ابن 24 ربيعا، الذي وجد نفسه مسيطرا على مساحات شاسعة من بلاد الإسلام ووجد نفسه مضطرا إلى اعتناق الإسلام ليستميل المسلمين. ذلك أن الحاجة إلى حكم المسلمين من قبل الغازي الجديد في ذلك الوقت اقتضى منه إصدار مرسوم ينص على أن دين الدولة هو الإسلام وأن الشريعة الإسلامية هي قانون الدولة 10 . ومن المغالطات الأخرى التي كشفها البحث، تتمثل في أن بورقيبة لم يكن صاحب الفضل في صياغة الفصل الأول من الدستور ولكنه الباهي لدغم (الرجل الثاني في الحزب واهم النواب البارزين آنذاك) وانه ليس النائب الشاذلي النيفر الذي دافع بشراسة على التنصيص على الإسلام في الدستور بوصفه زيتونيا، ولكنه ناصر مرزوق زميله في المجلس القومي التأسيسي. وأن الفصل الأول من الدستور لم يحض بمناقشات طويلة ومعمقة كما شاع، بل غلب عليه التسرع والمراوغة وكل ذك في سبيل فرض توجهات وتصورات نخبة الاستقلال وعلى رأسهم الزعيم بورقيبة. وهو توجه لم يتوقف على الفصل الأول من الدستور ولكنه طال كل الفصول التي تضمنت إشارات للإسلام. كما شدد الكاتب على أن تدخلات النواب حسمت معنى عبارة "دينها الإسلام" الواردة في الفصل الأول من الدستور بوصفها دين الدولة ودين الشعب وهو ما تأكد فيما بعد من خلال أحكام القضاء وأعمال المشرع وان المجال لم يبق مفتوحا-على عكس ما يروج- أمام شتى التأويلات المفتعلة ولعل الإلحاح على وجود غموض في النص ليس إلا محاولة إيديولوجية "بائسة" بحسب عبارة ماركس لإعادة كتابة التاريخ بشكل مزيف. ومن طريف ما جاء في البحث استئناس القاضي التونسي فيما يتعلق بزواج المسلمة بغير المسلم بمواقف الداعية الإسلامي حسن الترابي ! وإلحاح بورقيبة على انه لم يكن يوما علمانيا وان تونس ليست دولة علمانية والتأكيد على أن موقف حركة النهضة من النظام الجمهوري والدستور كان ايجابيا منذ 1980 وان المطالبة بحق زواج المسلمة بغير المسلم نعثر على جذوره في الثقافة العربية الإسلامية في إطار الثقافة المذهبية للخوارج حيث برز ت جماعة عرفت "بأصحاب النساء" 11 . المنهج وفرضية البحث ما توصل إليه من نتائج كان نتيجة اعتماد جملة من المناهج التي تدخل في نطاق منهجيات العلوم السياسية وأساسا المنهجية التفاهمية sociologie compréhensive والمنهجية المقارنة المدعمة بإطار نظري يقوم على تصورين اثنين: التصور "الهيغلي" من جهة والتصور "الفيبيري" من جهة أخرى. التصور الهيغلي الذي يفسر أحداث التاريخ على أساس حيل العقل (la ruse de la raison) بمعنى أن يقع اللجوء إلى وسائل غير عقلية من أجل تحقيق نتائج عقلية 12 . اما التصور الفيبيري فهو يقوم على أساس ما يسمى بمفارقة النتائج غير المنتظرة (paradoxe des conséquences inattendues) هي المفارقة التيبلورها على أساس فهم أسباب انتصار الرأسمالية في أوروبا بظهور البرتستانتية. إذ أن الرأسمالية كانت حركة اقتصادية تبحث عن الربح بينما كانت البرتستانتية حركة دينية تبحث -من خلال العمل- عن الخلاص والنجاة (العمل عبادة وعقيدة عند البرتستنات) والنتيجة أن البرتستانتية ساهمت في انتعاش الرأسمالية دون قصد منها، كما أن الرأسمالية في المقابل استجابت إلى متطلبات البروتستانتية بتوفير الشغل دون قصد وهكذا انتشرت الرأسمالية في أوروبا مكتسحة كل أركان المعمورة. الشأن نفسه ينسحب على الإسلام التونسي الحداثي ذلك أن الدستور ساهم في الدفع نحو تجديد الإسلام دون أن يكون هناك هدف مسبق لتحقيق ذلك. فالقاضي مثلا لم يكن متعهدا بمهمة إصلاحية، والدستور عندما استوعب البعد الإسلامي لم يكن على وعي مسبق بالنتائج التي يمكن أن يحققها على مستوى الحداثة القانونية التي طبعت بطابعها التجربة التونسية 13 . أما عن فرضية البحث فقد قامت على اعتبار أن تونس إن كانت قد نجحت في تحقيق حداثتها في المجال القانوني والديني معا -juridico-religieux – أي المسائل التي يتداخل فيها القانوني والديني دون القطع مع الإسلام وقيمه؛ فان هذه الحداثة قد تمت بفضل الدستور منبها إلى أن الحديث عن الإسلام هو حديث عن فهمنا للإسلام perception islamique وليس الإسلام في حد ذاته باعتبار أن البحث يندرج في علم السياسة وليس علم الفقه والأصول، مشددا في ذات السياق على أن الحديث عن الحداثة يقوم على التعدد والتنوع فليس هناك حداثة موحدة أو جذرية في علاقتها بالموروث مستأنسا في هذا المقام ببحوث شارلز تايلور ويورجن هابرماس.

خاتمة

الثابت أن دستور 2014 قد أحال دستور 59 إلى الذاكرة التاريخية ولكن الحاجة إلى معرفة آثار هذا الدستور على المشهد القانوني والسياسي والاجتماعي يبقى مطلبا عاجلا قبل محاولة رصد آثار الدستور الجديد وهي أثار لن تتضح معالمها قبل 10 سنوات على الأقل، وحينها سنعرف هل أن دستور 2014 قد حقق القطيعة أم أكد التواصل.

الدكتور عبد المنعم العبيدي

عن مركز الدراسات الاستراتيجية و الدبلوماسية

أكتب تعليق